
أعلن منسّق ما يسمّى مجلس السلام في غزّة نيكولاي ملادينوف خريطة طريق تؤدّي إلى انسحاب للقوات الإسرائيلية من مناطق محدّدة وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة شؤون غزّة. وهي مفخّخة، تشترط نزع سلاح حركة حماس وكل الفصائل الأخرى شرطاً للسماح بفتح المعابر ودخول الوقود، وإنشاء قوة دولية تشرف على الإعمار والحوكمة والاستقرار، بما يجعل عودة الفلسطينيين إلى الحكم ليست أكثر من وجود رمزي لا أكثر.
حقيقة أن مجلس “السلام” جاء بقرار من مجلس الأمن لا تعفي ملادينوف من الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف الرابعة، فما يسميه مبدأ “التعامل بالمثل”، أي خطوة مقابل خطوة، يضع العبء على الفلسطينيين بتنفيذ الشروط الإسرائيلية مقابل أي خطوة لإدخال الإغاثة الإنسانية. وهذا خرق لمواثيق الأمم المتحدة، ولا شيء مستغرباً هنا، فالمجلس نفسه خرق كامل؛ إذ ينفذ فعلياً إملاءات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب في غزّة. ولكن مسار خريطة الطريق، إضافة إلى أنه يبقي على الحصار والتجويع، قد يفجّر حرباً أهلية فلسطينية، فما اقترحه ملادينوف أن تسلّم الفصائل أسلحتها إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزّة يضع اللجنة التي لا سلطات لها في مواجهة “حماس” وباقي الفصائل الفلسطينية، بما يحمله من تهديد بعنف أهلي. أي تجعل اللجنة وكيلة لإسرائيل، فاللجنة نفسها لا قرار لها، ومعظم أعضائها موجودون خارج القطاع، وما زالت إسرائيل ترفض دخولهم، فيما يحاول ملادينوف إخضاعهم لشروط خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وخريطة الطريق لإزالة العقبات أمامها. ولا يرى عقبات غير سلاح “حماس”، أما استمرار احتلال 60% من أراضي غزّة فلا أولوية لإنهائه.
بكل بساطة، وفي ازدراء لمعاناة الشعب الفلسطيني في غزّة، المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي هي الأكثر معاناة، فتحتاج إلى تدفّق الوقود والمواد الغذائية إليها، لكن انسحاب الجيش منها مؤجّل، حتى استكمال شروط فرض إدارة دولية، لا تخرج عن أهداف إدارة ترامب الذي يرأس مجلس “السلام”. فيما ينتظر أحد أهم أعضاء المجلس؛ جاريد كوشنر (صهر ترامب)، مخطّطاته العقارية التي عرضها بفخر في مندى دافوس الاقتصادي في أوائل العام الحالي، لبناء 180 ناطحة سحاب، وهي مشاريع ربحية على أراضي الذين أجبروا على الهروب من حرب الإبادة الصهيونية، وكذلك الذين سيهجّرون قسراً، فالربح الرأسمالي أهم من حياة أي انسان في غزّة.
ركّز ملادينوف على أن ما يمنع عودة الاستقرار هو سلاح “حماس”، ونقص الأموال، وليس الاحتلال الإسرائيلي والحصار والقتل لأهالي غزّة
وليس حديث ملادينوف أمام مجلس الأمن عن خريطة طريق بدعوى إنهاء الحال المأساوية في غزّة إلا ابتزاز لمعاناة الفلسطينيين، واستعجال لتحويل القطاع إلى مشروع رأسمالي ربحي ضخم لأثرياء العالم. فليس لإعادة الإعمار التي تحدّث عنها ملادينوف علاقة بإعادة إعمار المجتمع الفلسطيني الغزّي على أرضه، إذ يتناقضا؛ الاعتراف بفلسطينية الأرض وإنهاء الاحتلال، مع مصالح تحالف الاحتلال الإسرائيلي مع الأوليغاركية المحيطة بترامب، ومن ينضم إلى الركب للاستفادة على حساب دم أطفال غزّة وحمايتهم.
ويكمل قبول ملادينوف بهذا الدور مسيرته ويتناسب مع طموحاته، ففيما أعلن، أكثر من مرّة، أنه يؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة، أي حل الدولتين، إلا أنه من أشد مناصري الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل والإمارات، وكان قد دعا إلى أن يكون المجلس منطَلقاً لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية في المنطقة. كما أن الرجل الذي شغل منصبي وزير الخارجية والدفاع في بلده (بلغاريا)، شغل كذلك موقع إدارة أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، تقديراً لدوره في دفع الاتفاقيات الإبراهيمية، وقرقاش هو المستشار السياسي لرئيس الإمارات. ثم انضم إلى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو معقل الصهيونية الأهم في واشنطن، مثبتاً لنفسه دوراً وقبولاً في أوساط مؤيدي إسرائيل، إذ إن تعيينه منسّقاً ليس مصادفة، فبين علاقاته الوثيقة بالإمارات وانضمامه إلى أوساط مؤيدي إسرائيل في واشنطن، استحق ثقة ترامب لتأدية المهمة المطلوبة. ولم يخيب توقعات ترامب، ولكن أن يؤكّد، بكل ارتياح، وفقاً للمبدأ 15 (الأخير) من الخطة، أن عملية إعادة البناء تبدأ في المناطق “التي تم فيها نزع السلاح”، أي أن إعادة البناء وقبل ذلك دخول الوقود والمواد الغذائية لن يحدُث قبل نزع سلاح “حماس”. وهذا يعني فرض عقوبات جماعية على أهالي تلك المناطق “غير منزوعة السلاح”، أي أن ملادينوف الذي شغل منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، يعلن، وبصراحة أمام مجلس الأمن، أنه يشرف على تنفيذ عقوبة جماعية على أهل غزّة، وكله يمر من دون أيّ اعتراض دولي أو عربي.
خريطة الطريق هي لتمكين السيطرة الإسرائيلية، ووضع لجنة إدارة غزّة الفلسطينية في مواجهة “حماس” والفصائل الفلسطينية
ما اتضح من خريطة الطريق تشدّد في فرض الشروط الإسرائيلية، وأن العقاب الجماعي لأهل غّزة يُقدّم ويُروّج على أنه خطوات في تحقيق الاستقرار والسلام في غزّة، وعلى قاعدة “التعامل بالمثل”، وهو مفهوم كاذب يساوي بين الاحتلال والحصار ومعاناة وحقوق الناس في أمنها وغذائها والبقاء على أرضها. لكنه مفهوم توظفه إسرائيل في كل مفاوضاتها مع الفلسطينيين تحت عناوين زائفة مثل “إجراءات بناء الثقة”، التي تعني تنفيذ الشروط الأمنية الإسرائيلية، المتغيّرة دوماً، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من أماكن تجتاحها أو تحتلها أو إنهاء حصار مناطق معينة، فخلال تنفيذ اتفاقيات أوسلو، كانت إسرائيل تخترع متطلبات أمنية تحت مسمّى “بناء الثقة المتبادلة”. بمعنى أن ملادينوف أخذ بالتكتيك الإسرائيلي، ولم يكن ذلك مفاجئاً، إذ جاءت بعد محادثاته مع الإسرائيليين. ففي تعامله مع الفلسطينيين وغزّة، فإن المجلس، ممثلاً بملادينوف، لا يبني خطواته على أساس المواثيق الدولية والحقوق الفلسطينية الإنسانية المعترف بها في الأمم المتحدة، وإنما بالإملاءات الإسرائيلية والأميركية.
الأنكى أن دولاً عربية، ممثلة بالمجلس، ولا صوت لها، حتى إنه ليست هناك أموال كافية، فالأموال الموعودة لم يصل إلا جزء منها إلى المجلس في غزّة، مع أنه يجب ربط الأموال الموعودة بإعادة بناء حقيقية، وليس لتلبية مشاريع أميركية وإسرائيلية، وأن ترتبط بفتح المعابر. ولكن، كما شهدنا في مجلس الأمن، ركّز ملادينوف، في كلمته، على أن ما يمنع عودة الاستقرار هو سلاح “حماس”، ونقص الأموال، وليس الاحتلال الإسرائيلي والحصار والقصف والقتل لأهالي غزّة وهي الجرائم التي يجب إيقافها.
باختصار؛ خريطة الطريق هي لتمكين السيطرة الإسرائيلية، ووضع لجنة إدارة غزّة الفلسطينية في مواجهة “حماس” والفصائل الفلسطينية، بتوكيل من المجلس ومَن وراء المجلس. بمعنى نسف أي دور إداري تقني حقيقي للّجنة. أما الحديث عن التمهيد لتسلم السلطة الفلسطينية فمهزلة حقيقية، فحتى إذا وافقت إسرائيل، وأنا أشكّ، فدور السلطة سيتلخّص في ضبط من يبقى من السكان خدمةً للاحتلال ومشاريع إثراء من يرى في غزّة فرصة للانقضاض على أشلاء أهلها.
المصدر: العربي الجديد






