أجود ما تنتجه فلسطين

عامر سلطان

قُدِّر لي أن أزور قطاع غزّة، أول مرة، في يناير/ كانون الثاني 2010، لتغطية زيارة فريدة قادها عضو البرلمان البريطاني الراحل، جيرالد كوفمان، اليهودي الذي اشتهر بدعم نضال الشعب الفلسطيني، لتفقد آثار حصار إسرائيل وحروبها على القطاع. وأجريتُ هناك مقابلة لـ”بي بي سي” مع الشهيد الراحل إسماعيل هنيّة، سبقتها نقاشات مطوّلة مع طاقم مكتبه.

بعد المقابلة، تنحّى بي هنيّة جانباً، ليطلب مني أن أوضح لمن أعرفه من المصريين أن كل ما يقال عن تهديد أهل غزّة أمن مصر مزعج، لأنه ليس له أي علاقة بالحقيقة. وقال “فضلاً عن تقديرنا مصر وشعبها، تقتضي المصلحة الفلسطينية تعزيز العلاقة مع مصر”. وأكد نصاً: “مصر هي رئة غزّة، ولا يمكننا الإضرار بها، ولا نرغب في هذا”.

وبدا لي جلياً أن قيادة المقاومة تجاوزت تأثيرات أزمة اندفاع آلاف الفلسطينيين لاختراق حدود غزة إلى مصر، عام 2008، تحت قسوة سياسات حصار الاحتلال بعد سيطرة حركة حماس، إثر الفوز في الانتخابات، على القطاع عام 2006. ولم ألاحظ، عبر لقاءاتي السابقة واللاحقة على مقابلة هنية، أن كلام وزير الخارجية المصري في حينه، أحمد أبو الغيط، المعيب عن “كسر قدم من يكسر خط الحدود المصرية” قد ترك الأثر الذي توقعته. وسمعتُ بوضوح تفسيراً خلاصته أن الفلسطينيين دائماً يفرّقون بين شعب مصر ومسؤولين مثل أبو الغيط.

هؤلاء الناس لن يُهزموا أبداً، مهما واجهوا من محن”، رغم قسوة الحصار والتخلي عنهم

ولما عدتُ، سألني الأصدقاء عن انطباعي، فأجبت “هؤلاء الناس لن يُهزموا أبداً، مهما واجهوا من محن”، رغم قسوة الحصار والتخلي عنهم. تلك كانت زيارتي الأولى إلى فلسطين عبر غزّة من معبر رفح.

كانت الزيارة الثانية في أغسطس/ آب 2025 لأسرة غزّية في القاهرة، سُمح لبعض نسائها وأطفالها فقط، ولأسباب طبية، بمغادرة القطاع عبر معبر رفح إلى مصر في أثناء حرب الإبادة الإسرائيلية. كل تفاصيل البيت مستنسخة من بيت الأسرة في غزّة. وبينما كنا نتبادل الحديث عن أحوال الأسرة، اندفع طفل في الرابعة من عمره إلى جدّته ليقول وهو مبتهج: طخ، طخ. سألته الجدّة بابتسامة: مين عم بيطخ؟ فأجاب: قسّام.. قسّام. ضممت الطفل إلى صدري، من دون أن أستغرب كثيراً ما سمعته. وبعد نصف ساعة، استأذنت فتاتان بالانصراف لحضور درس عبر الإنترنت. ولما سألتهما: ألا تذهبان إلى مدرسة في القاهرة، أجابتا: نحن ندرس المنهج الفلسطيني ونحضر الدروس مع مدرّسينا في غزة كي لا يفوتنا شيء عندما نعود إلى مدرستنا في فلسطين إن شاء الله. … غادرت منزل الأسرة المؤجّر وأنا مطمئن عليهم.

اعادتني الزيارة الثالثة عام 2026 إلى أجواء الحصار والاحتلال، فقد قادتني إلى “بيت فلسطين”، ولكن ليست في البلاد المغتصبة الممتدّة من النهر إلى البحر، بل في قلب لندن. البيت فكرة فلسطينية عبقرية تحمل كل سمات مقاومة شعب يأبى الركوع والاستسلام، حتى وهو مهجّر منفي من وطنه في بلادٍ لم تستطع، رغم مرور الزمن، أن تمسح من الذاكرة الإنسانية دورها في تمكين العصابات الصهيونية من إقامة إسرائيل على أشلاء الفلسطينيين وأرضهم.

فلسطينيي لندن” ذكّروني بأهل القدس. كلهم يخطّطون للعودة وكأنها بعد أيام!

البيت محاط برائحة الاحتلال الإسرائيلي المصمم على إغلاقه. سلطات محلية يزعجها شعار “أوقفوا الإبادة الجماعية” المعلق على واجهة المبنى، ومحامون يلاحقون، ليل نهار وبكل ما يملكون من دعم مالي وسياسي وقانوني، كل من يهتف بالحرية لفلسطين وبالجزاء لجرائم إسرائيل. أعادت هذه الأجواء إلى صدري شعور فلسطينيي القدس المحاصرين بالمستوطنين اليهود. لكن “فلسطينيي لندن” ذكّروني بأهل القدس. كلهم يخطّطون للعودة وكأنها بعد أيام!. ورغم صور الإبادة والدمار في فلسطين في أرجاء المكان، لا يتوقف العاملون في مطعم “هبة” الذي يشغل الدور الأرضي من المبنى عن مضاحكة الزبائن، من كل الجنسيات، وترديد الأغاني المبشّرة بالانتصار والعودة، والإقبال على الحياة.

البشرى الأعظم جاءت من الضفة الغربية لتغذّي روح مقاومة خطط الاقتلاع التي تحاصر بيت فلسطين، ساقها وفد من أهل فلسطين كان في زيارة بريطانيا، ضمن وفد للمنظمات الإنسانية والإغاثية، لشرح أفعال جرائم الاحتلال باقتصاد الفلسطينيين وحياتهم. في أمسية ببيت فلسطين، وعلى عكس ما كان متوقّعاً، لم يطلب الوفد معونات إنسانية، بل أكد حرصه على الحصول على نصيب مستحق من أسواق العالم للصادرات الفلسطينية. وفهمت من الكلام مع الوفد أن ما قالوه بوضوح للمسؤولين والبرلمانيين البريطانيين، وقبلهم الأوروبيين، أن الفلسطينيين لا يتسوّلون، ولا يريدون سوى التجارة العادلة. استغرب حضور كثيرون هذا الحديث بهذه المسحة الواضحة من الكرامة. لما سئل رجل الأعمال زياد عنبتاوي، أحد أعضاء الوفد، عن تجربته في الإنتاج والتجارة والتصدير، قال: نحن متخصّصون في بناء الاقتصادات، لا تنقصنا الكفاءات البشرية، فنحن من أكثر الشعوب إنتاجاً للبشر.

هؤلاء ليسوا أي بشر، فهم من أجود أنواع البشر. هذا ما خبرته منذ لقاء هنيّة في 2010، وحتى إبداعات فلسطينيي غزّة والضفة الغربية منذ يوم الطوفان الذي لن ينساه التاريخ.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى