“فتح” وكليشيه “عمود الخيمة الفلسطينية   “

أسامة أبو ارشيد      

ثمَّة كليشيهات تُشتهر في حين أنها لا تملك رصيداً كبيراً من الحقيقة أو أنه مبالغ فيها، وبقدرة قادر تصبح كأنها حقائق، رغم غياب السند، من يجرؤ على التشكيك فيها يكون مطعوناً في موضوعيته ونزاهته وفهمه. مشكلة مثل تلك الكليشيهات ليس أنها تُحدث وقائع وسرديات زائفة فحسب، بل إن بعضها قد يقود إلى كوارث تتجاوز هذا إلى حد هزِّ أسس مشاريع وقضايا وطنية أو كبرى. وللأسف، صنّاع الكليشيهات، أو مزيفوها، ليسوا عوامّ فقط، بل أكثر من يبدع في إنتاجها وتوليدها وتسويرها بهالات من الرمزية والقداسة والحصانة هم من الطبقات التي توصف بالمثقفين والمُسَيَّسين عموماً. ولا يقف الأمر عند هذا، إذ تتضاعف الإشكالية عندما ينزلق بعض الإعلام السائد، أو جُلّه، إلى لَوْكِ الكليشيهات المشهورة نفسها وتشريعها من دون غربلة ولا تمحيص، ومن دون أدنى اعتبار للحقيقة ودقة معطيات الحبكة التي يُدْفِعُ بها من دون وعيٍ وَتَنَبُّهٍ.

اختتم الأسبوع الماضي المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، الذي عقد (14-16 مايو / أيار الجاري) بالتوازي في رام الله وغزّة والقاهرة وبيروت، لتجديد أطرها وكوادرها القيادية. لا يهمّ هنا التفصيل كثيراً في نتائج المؤتمر ومعانيها ومغازيها، إلا قدر الضرورة. ما يعنينا هنا تلك الأوصاف التي تُسْبَغُ على حركة يعرف الفلسطينيون أنها شاخت، ليس على مستوى قيادتها فحسب، وإنما على مستوى برنامجها والغاية من تأسيسها كما جاء في نظامها الأساسي عام 1965، والذي أكّد أن تحرير فلسطين هو الطريق الأوحد والأساسي لتحقيق الوحدة العربية. وأن الكفاح المسلح طويل الأمد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين والقضاء على الكيان الصهيوني. وأنَّ ثمَّة شخصية وطنية فلسطينية مستقلة وجامعة، مهما تعدّدت ساحات الشتات. معلوم أن “فتح” انحرفت عن هذه الأهداف، على الأقل منذ اتفاق أوسلو عام 1993، والذي على أرضيته قامت السلطة الفلسطينية في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزّة. وهي، وإن كانت انخرطت في انتفاضة الأقصى عام 2000 بعد أن أدرك زعيمها الراحل ياسر عرفات أن “أوسلو” كانت فخّاً نُصب للفلسطينيين، وَرّطَ نفسه والشعب معه فيه، وأنه ليس طريقاً لدولة مستقلة، بل ترسيخ لسلطة وكيلة للاحتلال، إلا أنها ما لبثت مع زعيمها الذي ورث عرفات عام 2005، محمود عبّاس، أن لعبت الدور الذي رُسِمَ لها إسرائيلياً وغربياً، ومن بعض النظام الرسمي العربي، بدقة وعناية.

ما زالت فتح تحمل في أحشائها ذلك التناقض بين جينتها التأسيسية المقاومة وجينتها المُعَدَّلةِ أو المُفْسَدَةِ

ورغم هذا، لا يزال هناك من يصرّ على الحديث عن حركة فتح باعتبارها “عمود الخيمة الفلسطينية”! إنها الفرية نفسها التي تمارس منذ أكثر من ستة عقود أن رصاصة الثورة الفلسطينية الأولى كانت فتحاوية، في محاولة لتزييف الوعي الفلسطيني واحتكار تاريخ نضاله وإعادة كتابته، وكأن هذا الشعب بقي صامتاً على الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية منذ عام 1917، ومن بعد قيام إسرائيل عام 1948، في انتظار انطلاقة “فتح” مطلع 1965 ليخرج الشعب الفلسطيني من أتون “عقيدة الانتظار”! إذا كان هذا الكليشيه حقيقة، فكيف نؤطّر، إذاً، ثورة موسم النبي موسى عام 1920 ضد الهجرة اليهودية وسرقة الأراضي؟ وفي أيِّ خانة نضع ثورة يافا عام 1921 احتجاجاً على هجمات العصابات اليهودية واعتداءاتهم ضد الفلسطينيين؟ وماذا تكون ثورة البراق وعمليات “الكف الأخضر” المسلحة عام 1929، وثورة عز الدين القسام عام 1935، و”الثورة الكبرى” (1936 – 1939)، ومقاومة “جيش الجهاد المقدس” عامي 1947 و1948 بقيادة عبد القادر الحسيني؟ هذا غيضٌ من فيض.

لا يعني هذا أن “فتح” لم تقدم للمشروع الوطني الفلسطيني، بل على العكس، كانت إضافة نوعية له لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد أو متحيز. وهي قادت مشروع النضال الفلسطيني عقوداً طويلة. لكن هذا يقودنا إلى مسألة الانحراف من جديد. “فتح أوسلو” ليست هي نفسها “فتح الانطلاقة”. الأولى مقاومة، والثانية تحترف “التنسيق الأمني” مع الاحتلال الإسرائيلي. عبارة “التنسيق الأمني” بحد ذاتها كليشيه سخيف، ذلك أن تسمية الأمور بمسمّياتها قد لا يستسيغه بعض “الذوق الخاص”، وربما قد لا يمر من تحت مقص الرقيب. المفارقة أن “فتح” اليوم ما زالت تحمل في أحشائها ذلك التناقض بين جينتها التأسيسية المقاومة وجينتها المُعَدَّلةِ أو المُفْسَدَةِ. ترى هذا بوضوح في نتائج انتخابات لجنتها المركزية أخيراً، إذ تصدّر الأسير المناضل مروان البرغوثي قائمة الأصوات، متبوعاً برمز “التنسيق الأمني” في السلطة الفلسطينية ورئيس جهاز المخابرات العامة في الضفة الغربية منذ عام 2009 ماجد فرج!. هذه مفارقة لافتة تحتاج دراسة مستفيضة لتحديد هوية “فتح”.

لنكن صريحين، وبعيداً عن الكليشيهات. لم تعد “فتح” حركة تحرر وطني منذ هيمن عليها أبو مازن

ولا تقف المفارقات عند هذا الحد، إذ أعاد المؤتمر الثامن “تجديد البيعة” لمحمود عبّاس (أبو مازن)، الذي قاد منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح منذ 21 عاماً، ومن دون انتخابات للسلطة منذ عام 2009. ليس فقط أن عبّاس لا يملك رؤية للمشروع الوطني الفلسطيني.. وليس فقط أن هذا المشروع تفكّك تحت سمعه وبصره.. وليس فقط أن إسرائيل حوّلت السلطة بقيادته إلى وكيلٍ لها تمارس القمع بحقّ شعبها.. وليس فقط أن القدس ضاعت، والضفة الغربية تُهَوَدُ في كل تصنيفاتها (أ، ب، ج)، وغزّة تباد، وهو كأن الأمر لا يعنيه رغم إصراره أنه رئيس فلسطين، بل بلغ الرجل أيضاً من الكبر عتياً (91 عاماً). وكأن أرحام الفلسطينيات قد عقمت عن أن تنجب من هو “أكفأ” منه، أو على الأقل بمثل “كفاءته”! أما رحم “فتح” فيبدو أنه لا يزال خصباً، إذ إنه تمكن من إنجاب ياسر عبّاس، الابن، الذي انتُخب في ما يصفه بعض أقطاب المعارضة في “فتح” بأنه مخالفة للوائح الحركة نفسها، عضواً في لجنتها المركزية. ولا ندري إذا كان عبّاس الابن يطمح في أن يكرّر تجارب بشار الأسد وجمال مبارك وسيف الإسلام القذافي. إذ كان كذلك، فربما يكون من الأوْلى له ولأبيه أن يتعلما من مآلاتهم.

لنكن صريحين، وبعيداً عن الكليشيهات. لم تعد “فتح” حركة تحرر وطني منذ هيمن عليها أبو مازن. كانت حركة تحرر وطني ما بين أعوام 1965 و1994، ثمَّ تحوّلت إلى حركة ملتبسة في هويتها حتى عام 2005. ومنذ ذلك الحين، أَفْسَدَتْ السُلْطَةُ “فتح” وأفسدت “فتح” السُلْطَة. الأنكى أن “فتح” في صيغتها الراهنة أصبحت إفساداً للمشروع الوطني الفلسطيني برمته. “فتح” محتكرة من مجموعة خطيرة، همشت رموزها الوطنيين ومناضليها، وتحتكر القرار الوطني الفلسطيني. ومن ثمَّ، لا غرو أن كثيراً من الأجيال الفلسطينية الشابة، وتحديداً خارج فلسطين المحتلة، لا تعرف حركة فتح، إذ إنها غائبة أو متماهية في سلطة يمقتون أفعالها وممارساتها. يحلو لكثيرين من قادة “فتح” والسلطة ومنظمّة التحرير أن يدينوا الفعل الأرعن المتمثل في “طوفان الأقصى” الذي أطلقته حركة حماس في أكتوبر / تشرين الأول 2023 ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت نتيجته دمار غزّة وحرب إبادة حقيقة في حق شعبها. لست هنا في وارد تقييم “الطوفان”، ولكن، ربما من المفيد لمن يتدثرون خلف عباءة “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني أن يسألوا أنفسهم كيف أنهم احتكروا هذه الصفة، ومنعوا مشاركة الكل الفلسطيني في مؤسّسات “الشرعية” وأطرها، بحيث لا ينفرد فصيل فلسطيني واحد بقرار جوهري له تداعيات وطنية، كما انفردت “فتح” من قبل بقرار “أوسلو”، وليس “حماس” وحدها بقرار “الطوفان”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى