
السبت ١٦ / ٥ / ٢٠٢٦، غادر هذه الدنيا الفانية إلى دار الخلود أخي ورفيق دربي وصديقي علي فتال. بعد معاناة متقلبة مع المرض استغرقت عدة أسابيع.
ولا شك أن كل من عرف أبا ربيع يشعر أنه خسر بفقده صفحة مهمة في حياته الشخصية والكفاحية، كان خلالها هذا الراحل بعمله وإخلاصه لأمته، وخلقه مثلا يحتذى، ومنارة تنير الدرب، وتهدي في الوقت والزمن الصعب.
ولا شك أن أكثر الخاسرين والمفتقدين: زوجه، وأبناءه: ربيع وفادي وفراس ونور، وأخويه بدر /أبو ياسر ، وأحمد أبو الفضل، وكذا الأحفاد.
لكني أضع نفسي في إطار أكثر الخاسرين، فالعلاقة التي جمعتني بالراحل كانت علاقة انسانية وأسرية وحياتية ونضالية، ومن شأن تمازج هذه المستويات أن تعطي شجرة وارفة من العلاقة لا يمكن أن يدرك كنهها إلا من عايشها بكل تشعباتها.
أكثر من خمسين عاما كنا فيها معا. حركة وهما وتطلعا، ثم تفاعلا ومحاولة تأثير في بيئة العمل الوطني والقومي، كنا معا في سوريا أولا. ثم حين تنقلنا بين طرابلس الغرب والقاهرة ولبنان واليونان، وحين استقر بنا المقام في شارقة الخير في الامارات.
ورغم أن أبا ربيع لم يكن رجلا يعمل تحت الأضواء. فإن مئات الرجال من صناع الأحداث يعرفونه وقد التقوا به وتفاعلوا معه خلال زياراته للدول والأقاليم العربية من موريتانيا اليمن، ومن مصر والسودان الى سوريا ولبنان، ومن ساحات أوروبا الى الولايات المتحدة، وكل ذلك في إطار جهود إعادة بناء تنظيم الطليعة العربية الذي أعطى جمال عبد الناصر إسارة البدء في انطلاقه، وحال رحيله المبكر دون أن يرى هذا الغرس قد أينع، فكان علي فتال. وثلة من أبناء هذا التنظيم الأوائل ممن حملوا الراية في محاولة جادة ومثابرة لانضاج هذا التنظيم. وجعله يحمل الراية التي غرسها القائد المعلم.
وفي تنقله بين عواصم الأقاليم العربية، كان دائما في عين العاصفة التي أحاطت بالأمة، وكانت تنفجر بين الحين والآخر تصفيات ومجازر، تستهدف قوى الثورة الشابة التي خلفها جمال عبد الناصر، وكانت تتطلع لاستئناف الطريق، ورفع الراية، كان قريبا جدا حين عصف “علي عبد الله صالح” بقيادات التنظيم الناصري في حمام دم مشهود وغير مسبوق في اليمن، وأقام حكمه ونظامه على أجساد طلائع هذا التنظيم، ولم يكن بعيدا عن الوضع المشابه الذي حدث في موريتانيا، ولا عن الوضع البربري الذي أشاده النظام الأسدي في سوريا. أو الوضع في السودان الذي كان واعدا قبل أن يغرق في وحال حكم البشير. ولا عما أصاب الساحة الفلسطينية والأردنية من مآزق وتحديات.
كان في كل الأقاليم التي يصلها يعمل بصمت ومثابرة ووعي مستهدفا بناء عمل منظم يملك إمكانيات النمو والعطاء، وكان – كما كنا جميعا – يسلط الضوء على خطورة جعل السلاح أداة لحسم الخلافات داخل الوطن. وبين قواه مهما كان جحم التناقض بين هذه القوة، وكان التركيز الدائم على أهمية الاستناد الى العمل الجماهيري المنظم، وأهمية الثقة بقوى الأمة وبشباب هذه الأمة وبقدرته على حسم الصراعات الداخلية بالوعي، وبالتحرك الشعبي وفق الأصول الديموقراطية السياسية.
عبر أكثر من نصف قرن من العمل التنظيمي المباشر. ومن تبادل الرأي والموقف – بعد أن توقفت سبل العمل التنظيمي – لا أذكر أني اختلفت مع الراحل العزيز أو اختلف معي في موقف سياسي أو في رؤية فكرية، كان الانسجام بيننا تاما، رغم أنه كان لا يترك صغيرة أو كبيرة تصدر عن التنظيم في الفكر والسياسية إلا ويقف أمامها مطولا يقلب فيها وجهات النظر، ويدقق، ويثقف. كان لا يحابي. ولا يفوت شيئا يستأهل التوقف والتمحيص. وقد ظهرت هذه الميزة وهو يراجع معي كل الفصول والوقائع والشواهد التي تضمنها كتابنا عن “الطليعة العربية”.
ولا شك أن الذين رافقوا الراحل أدركوا خصالا مهمة فيه، ولعل من أهمها أنه كان “حليما”، يندر أن يستثار، رغم أننا كنا بحكم كل ما يحيط بنا نعايش أجواء متقلبة ومتوترة سياسيا، وأمنيا، وحتى قيميا، ومع ذلك كان الترفع والهدوء والمثابرة من خصاله، لذا كان الاطمئنان في الفكر والسلوك إزاءه هو الموقف السائد. إذ إنك تجاهه لا تخشى شيئا، ولا تتوقع مفاجأة.
وكان من كريم أخلاقه أن يصون من حوله، ومن معه، فلا يضع أحدا موضع شبه، ولا يدفع أحدا ممن معه إلى أتون تجارب قد لا تكون محمودة، فأنت معه تكون مطمئنا على نفسك، وسبلك، وأهلك.
وتميز “أبو ربيع” بالاضافة إلى عناصر الاصرار، والمتابعة، والصلابة، – والذي يبدو أنه اقتبسها عن خاله المناضل المرحوم”أديب النحوي”- ، تميز بشعاع من روح التصوف، وهو ما أعطاه ميزة “الحلم” التي أتيت عليها، ولعله أخذ هذه الصفة من والده الحاج ربيع فتال وقد كان من خواص الشيخ “محمد النبهان” رحمه الله تعالى، ولهذه الخصيصة كانت علاقته طيبة مع الشيخ الدكتور محمد علي الملا الذي قاد حملة الحج التي شارك بها “أبو ربيع وزوجه”، ولهذه الخصيصة كانت وصيته أن يكفن بالمناشف التي كان محرما بها في تلك الحجة، وقد كان له ما أراد.
ولهاتين المزيتين كان وجوده أبو ربيع وهو من مواليد ١٩٣٩ في قيادة تنظيم “الطليعة العربية” على كثرة ما مر بهذا التنظيم من ظروف، وجودا مرغوبا، ومطلوبا، وقد كان مع رفاق في مثل عمره، حلقة الوصل بين جيل متقدم في القيادة تمثل بالأخوة، محمد فائق( ١٩٢٩)، ومحمد عروق (١٩٣١)، وعبد الهادي ناصف(١٩٢٧)، وأديب الجادر ( ١٩٢٨)، كانوا رفقة مرحلة جمال عبد الناصر، وجيل متأخر عمريا من أعضاء قيادة التنظيم مثله عبد القدوس المضواحي (١٩٤٦)، ومخلص الصيادي (١٩٤٧)، وخالد الناصر (١٩٤٩) وأمثالهم.
ولا شك كانت هناك فوارق بين الجيلين في الاندفاع، وفي رؤية المخاطر والامكانات، وفي تقدير الخطوات التكتيكية في إطار توفر رؤية استراتيجية واحدة.
أقدر أن من حقي أن أنعي أخي وصديق ورفيق دربي “علي فتال / أبو ربيع”، باسم الطليعة العربية التي كانت. …. وباسم جيل عاش وعمل في شعاعها، وكان وما زال يؤمن بأن طريقها الجوهري المعبر عنه بجمع الأمة، وفي القلب منها قوى العمل الرئيسية في آطار مشروع حضاري واحد، يستطيع أن يعيدها إلى ألق العطاء على المستويات كلها، ويحقق لها التحرر والنماء والتقدم والعدالة.
أنعي الراحل وأنا على يقين أن حلمه – وحلمنا – الذي عاش عليه سيتحقق في يوم قادم، فليس أمام الأمة طريقا آخر، وحين يتم ذلك سيكون لهذه المشاعل التي أضاءت الطريق مكانها ومكانته في ذلك الانجاز.
رحم الله “علي فتال / أبو ربيع”، وأسكنه فسبح جناته، وتقبل منه صالح أعماله وجزاه خيرا على كل ما قدم، وألهم أبناءه وذويه وأصدقاءه، وألهمنا الصبر على هذا الفقد، ولا حول ولا قوة إلا بالله
١٦ – ١٧ / ٥ / ٢٠٢٦
اسطنبول






