المواقع الأثرية في الرقة.. تدهور متصاعد يهدد هوية المدينة التاريخية

أحمد العثمان    

تكشف المواقع الأثرية في الرقة عن تدهور واسع طال إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، في ظل سنوات من غياب مؤسسات الدولة وتعدد الجهات المسيطرة، ما جعلها عرضة للتخريب والتعديات، من البناء العشوائي وتجريف التلال إلى التنقيب غير القانوني الذي استمر لفترات طويلة، لا سيما خلال سنوات سيطرة “تنظيم الدولة” (داعش) على المحافظة لأكثر من ثلاث سنوات.

وتعد الرقة من المدن السورية الغنية بالمواقع الأثرية نتيجة تعاقب الحضارات عليها، حيث تغلب على آثارها الصبغة العباسية والبيزنطية، وتضم أكثر من 100 موقع وتل أثري، من أبرزها قلعة جعبر، وسور الرقة، وقصر البنات، وتل زيدان، وهرقلة، وقلعة الرصافة.

أبنية فقدت قيمتها

وتعرضت مواقع أثرية في الرقة، يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل الميلاد، لعمليات تخريب وإهمال متواصلة خلال السنوات الماضية، وفق ما أوضح الصحفي أسامة خلف لموقع “تلفزيون سوريا، مشيراً إلى أنها تحولت بعد سيطرة تنظيم “داعش” ثم “قوات سوريا الديمقراطية” “قسد” إلى مواقع مهملة أو أبنية فقدت قيمتها.

ويقدم خلف أمثلة على مظاهر الإهمال، لافتاً إلى أن منطقة الجامعة المنصورية “الجامع العتيق” تحولت إلى مكان للتعاطي، في حين أصبح “قصر البنات” مقصداً لمتعاطي الخمور والمخدرات، إضافة إلى تحوله إلى أقبية غير آمنة.

ولفت إلى أن مواقع أخرى من أبرز معالم الرقة، مثل قلعة جعبر، تعرضت لعوامل طبيعية، من بينها الحث والترسيب وارتفاع نسبة الرطوبة، في ظل غياب أعمال الترميم.

كما لم تسلم أسوار الرقة الأثرية من التعديات، إذ تعرضت أجزاء منها للهدم على امتداد يقارب أربعة كيلومترات، واستُخدمت حجارته في البناء، إضافة إلى ظهور تجويفات وتصدعات في بنيته.

سنوات الفوضى

وفي الثامن عشر من كانون الثاني الماضي، دخلت الحكومة السورية إلى الرقة بعد طرد “قسد” من المحافظة وأجزاء من ريف دير الزور وريف حلب، في خطوة أنهت سنوات من تعدد السيطرة، لتبدأ بعدها المؤسسات الحكومية بمحاولات تحسين واقع المواقع الأثرية التي تعرضت لتخريب واسع وصفه ناشطون بأنه “ممنهج” خلال فترات حكم متعاقبة.

ويرى خلف أن الجهود الحكومية وحدها لا تكفي للحفاظ على المواقع الأثرية، مشدداً على ضرورة تضافر جهود المجتمع المحلي والجهات الثقافية، نظراً لوجود العديد من المواقع ضمن الأحياء والأسواق الشعبية، ما يتطلب تعزيز الوعي بأهمية حماية الإرث التاريخي.

إهمال وتخريب متعمد

بدوره، أشار الناشط في مجال الآثار والثقافة، محمود النجرس، إلى أن السور ومعظم المعالم الأثرية ما تزال “بحالة مقبولة” نسبياً، رغم تعرضها لإهمال استمر لأكثر من عشر سنوات.

وأوضح أن هذا الإهمال كان “متعمداً ومقصوداً” بهدف تشويه المعالم ومحو هوية المدينة، محملاً في الوقت نفسه الجهات المسؤولة الجزء الأكبر من المسؤولية.

وأكد النجرس أن غياب الوعي لدى بعض السكان يسهم في تفاقم المشكلة، لكنه شدد على أن المسؤولية الأساسية تقع على المؤسسات المعنية، سواء في مجالات الآثار أو السياحة أو الإدارة المحلية.

وأضاف: “هذه المعالم الأثرية هي ما نعتز به ونفتخر به، وكل أمة بلا تراثٍ ولا تاريخ هي أمة بلا جذور”.

ودعا إلى اتخاذ إجراءات صارمة بحق المعتدين على المواقع الأثرية، لافتاً إلى أن بعضها يعود إلى أكثر من ألف عام.

وتناول أعمال الترميم التي نُفذت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن بعضها “مقبول إلى حد ما”، في حين أن جزءاً منها “شوّه المعالم الأثرية نتيجة غياب المختصين، وتولي أشخاص غير مؤهلين إدارة ملفات مرتبطة بهذه المواقع”، وفق تقديره.

مطالب بالحماية والرقابة

وتتزايد مطالب الناشطين بضرورة وضع حراسة دائمة على المواقع الأثرية، في ظل تحول بعضها إلى مكبات للنفايات، وغياب الرقابة الفعلية عليها.

وطالب النجرس المديرية العامة للآثار والمتاحف بضرورة الالتفات إلى هذه المواقع، والعمل على صيانتها وترميمها، محذراً من تعديات مقصودة تطولها، سواء داخل المدينة أو خارجها، إضافة إلى حفريات تهدف إلى نهب الآثار، وفق تقديره.

كما دعا الناشط علوان زعيتر إلى فرض حراسة على المواقع الأثرية لحمايتها من التعديات، مشيراً إلى أن هذه المواقع شهدت إهمالاً كبيراً منذ التحرير، مع غياب شبه كامل للحراسة عليها.

ويضيف: “أصبحت بعض المواقع مكباتٍ للنفايات. وليس فقط الجيران المحيطون بالموقع من يقومون بذلك، بل يأتي أشخاص من أماكن أخرى ويرمون النفايات ثم يغادرون، في ظل غياب الحراسة والرقابة”.

ولفت إلى “وجود حالات قطع أشجار، منها شجرة عمرها يقارب خمسين عاماً، إضافة إلى قطع نخيلٍ مثمر. وهناك تعديات على مواقع مثل قصر البنات، وكذلك على السور الأثري، حيث توجد محالّ صناعية بالقرب منه، ويتم رمي الزيوت والشحوم في المنطقة”.

كما أظهرت مقاطع مصورة انتشار مظاهر التخريب، من إشعال إطارات داخل المواقع الأثرية إلى نقل الأتربة من السور، في مشهد يعكس حجم الفوضى التي تعاني منها هذه المواقع.

ويعد السور الأثري من أكثر المواقع عرضة للتخريب، نتيجة انتشار ورشات تصليح السيارات على جانبيه، في حين يرى آثاريون أن تعديلات أجرتها “الإدارة الذاتية” عليه شوّهت طبيعته الأثرية، ولم تلتزم بالحد الأدنى من معايير الترميم والمواصفات.

في المقابل، دعا الناشط محمد الأصيل الجهات المعنية، وعلى رأسها مديرية الآثار والمتاحف، إلى المساهمة في حماية هذه المواقع ومنع سرقة تربتها التي تعد خصبة للزراعة، رغم احتوائها على مرافق أثرية مهمة، مشيراً إلى غياب أي عناصر حماية على امتداد هذه المواقع.

وأضاف أن مساهمة مديرية الآثار والمتاحف في حماية هذه المعالم ما تزال محدودة، مؤكداً أن هذا الواقع يُطرح بشكل علني.

تداعيات الإهمال على المواقع الأثرية في الرقة

في الخامس والعشرين من نيسان الجاري، أقامت مديرية الثقافة في الرقة فعالية توعوية بعنوان “عزف على الخراب”، بهدف تسليط الضوء على واقع المواقع الأثرية وضرورة حمايتها.

وأقرت مديرة المديرية ريماز العجيلي بوجود “واقع صعب جداً”، مشيرة إلى أن سنوات الحرب وتعدد السيطرة، من “داعش” ثم “قسد”، أدت إلى غياب شبه كامل للاهتمام بالآثار، سواء من حيث الحماية أو الترميم أو صيانة المواقع.

وأوضحت لموقع “تلفزيون سوريا” أن المواقع الأثرية تشهد تعديات واسعة، من بينها البناء المخالف، مشيرة إلى أن تل أسود تعرض لتجريف وانجراف في طبقاته، وأقيمت عليه أبنية عشوائية، ما أدى إلى فقدانه هويته الأثرية وتحوله بشكل شبه كامل إلى سهل.

وتابعت: “لدينا أيضاً مواقع تعرضت لتعديات زراعية، مثل تل زيدان، حيث توجد تجاوزات بالزراعة داخل الموقع. كما لاحظنا أن بعض المواقع الأثرية تحولت إلى مكباتٍ للنفايات بسبب الإهمال، وهذا الإهمال قديم وليس وليد اليوم، بل هو تراكم لسنواتٍ طويلة”.

وتل أسود موقع أثري يعود تاريخه إلى الألف السابع قبل الميلاد، وهو موقع أثري عاصر حضارات ما قبل الفخار، ويقع على الضفة الشرقية لنهر البليخ 80 كم شمالي مدينة الرقة وجنوبي مدينة تل أبيض الحدودية مع تركيا. بينما يعد تل زيدان من أهم التلال الأثرية، ويعود تاريخه إلى الألف السادس قبل الميلاد، ويقع على بعد 10 كم شرقي الرقة. وهذان التلان شاهدان على تعديات الزراعة والبناء في ظل غياب الدولة.

وأشارت العجيلي إلى انتشار التنقيب العشوائي وبيع القطع الأثرية خارج البلاد، في ظل غياب الرقابة، واعتبرت ذلك “مشكلة كبيرة جداً”.

تحديات الترميم والحماية

وترى العجيلي أن هذه التعديات “يمكن التغلب عليها، لكنها تحتاج إلى وقت”، وفق تقديرها. مشيرة إلى عقبة في إجراءات التوظيف، قائلة: “لدينا في بعض المواقع حراس متطوعون، وهؤلاء يجب تثبيتهم أولاً. فالحارس المتطوع، لكن لا يمكن إلزامه أو محاسبته بشكلٍ رسمي، أما إذا كان تابعاً للدولة ومثبتاً بشكلٍ نظامي، فيمكن محاسبته وتنظيم عمله”.

ولفتت إلى ضرورة تأهيل المواقع الأثرية، “لأن كثيراً منها بلا حماية، فلا أسوار حديدية ولا أبواب ولا أي تجهيزات. كما يجب تطبيق القانون على المعتدين على المواقع الأثرية”.

وتحتاج جميع المواقع الأثرية في الرقة إلى عمليات ترميم، نتيجة غياب الاهتمام لسنوات طويلة، وتعرضها لعوامل جوية وجيولوجية لاسيما الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في شباط 2023.

وتعرضت المواقع الأثرية بسبب التجريف والتنقيب والعوامل الطبيعية، لأضرارٍ كبيرة، وتسبب الإهمال الذي تراكم لسنوات بانهيار واجهات، كما نالت تلك المواقع نصيبها من الحرب التي دارت في البلاد، إذ تعرضت لقصف بالصواريخ والمدفعية، كما أن بعض أطراف النزاع حوّل بعض المواقع لتحصينات ومستودعات أسلحة.

وأكدت العجيلي ضرورة ترميم المواقع الأثرية خلال المرحلة المقبلة، مع تعزيز التعاون مع منظمة “اليونيسكو”، مشددة على أهمية الاستفادة من خبراتها في حماية التراث، وفتح المجال مستقبلاً لإدراج بعض المواقع ضمن لائحة التراث العالمي بعد تأهيلها، نظراً لما تمثله من قيمة تاريخية ومقومات جذب سياحي.

وتعمل مديرية الثقافة، وفق ما أوضحت العجيلي، على رصد المخالفات والتعديات وتوثيقها في المواقع الأثرية، بالتوازي مع جهود لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه المواقع، لافتة إلى ضرورة تنظيم رحلات مدرسية تسهم في ترسيخ ثقافة الحفاظ على الإرث التاريخي لدى الأجيال الجديدة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى