رحيل حسن عبد العظيم.. سيرة معارض سلمي بقلب التحولات السورية

    

رحل المعارض والسياسي السوري البارز حسن عبد العظيم، المنسق العام لـ”هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي”، اليوم السبت، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد مسيرة امتدت لعقود، شكلت نموذجاً خاصاً للمعارضة السورية الداخلية، القائمة على العمل السياسي السلمي ورفض العنف.

ويمثل رحيل عبد العظيم نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المعارضة السورية، ارتبطت بجيل من السياسيين الذين نشأوا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ خمسينيات القرن الماضي، واستمروا في العمل السياسي رغم التحولات الحادة التي فرضها النظام الأمني، ثم الثورة السورية بعد عام 2011.

من القومية إلى العمل السياسي

وُلد عبد العظيم عام 1932، في مرحلة كانت سوريا فيها تعيش مخاض ما بعد الاستقلال، وتشهد صعود التيارات القومية واليسارية. تأثر مبكراً بالفكر القومي العربي، وانخرط في النشاط السياسي ضمن هذا التيار، الذي كان يعد آنذاك أحد أبرز الأطر الفكرية والتنظيمية في المنطقة.

درس الحقوق وعمل محامياً، ما أتاح له الجمع بين العمل المهني والنشاط السياسي، وأسهم في تشكيل شخصيته كمعارض يعتمد أدوات القانون والسياسة، بعيداً عن العمل العسكري أو السري.

موقع قيادي في المعارضة التقليدية

وبرز عبد العظيم كأحد القيادات البارزة في “الاتحاد الاشتراكي العربي” في سوريا، وهو أحد أبرز التنظيمات القومية الناصرية التي شكلت امتداداً للتجربة الناصرية في مصر.

وتولى منصب الأمين العام للاتحاد، في مرحلة شهدت تضييقاً واسعاً على الأحزاب السياسية خارج إطار حزب البعث الحاكم. ومن خلال هذا الموقع، حافظ على خط معارض يطالب بالإصلاح السياسي والتعددية، في وقت كانت فيه الحياة الحزبية شبه مجمّدة.

تميّزت هذه المرحلة بترسيخ موقعه كأحد رموز “المعارضة التقليدية”، التي لم تنخرط في السلطة، لكنها أيضاً لم تتبنَّ خيارات المواجهة المسلحة.

وعلى امتداد مسيرته، تعرّض عبد العظيم للاعتقال والملاحقة الأمنية أكثر من مرة، في سياق سياسة التضييق على المعارضين السياسيين في سوريا.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، استمر في نشاطه، معتمداً على العمل السياسي المحدود داخل البلاد، في ظل بيئة شديدة التقييد. ولم يغادر خطه القائم على التغيير التدريجي، عبر الضغط السياسي والحوار.

معارضة الداخل وخيار “الطريق الثالث”

ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، برز عبد العظيم كأحد أبرز وجوه “معارضة الداخل”، من خلال دوره في “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي”، التي شكلت إطاراً سياسياً يضم أحزاباً وشخصيات معارضة داخل البلاد.

تبنّت الهيئة، بقيادته، موقفاً مغايراً لجزء كبير من أطراف المعارضة، حيث رفضت عسكرة الانتفاضة، وعارضت التدخل الخارجي، ودعت إلى حل سياسي تفاوضي. ووضع هذا الموقف عبد العظيم في موقع معقد، إذ تعرض لانتقادات من أطراف معارضة اتهمته بالتساهل مع السلطة، في حين ظل يؤكد أن خياره يستند إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

بين النقد والعزلة

ومع تصاعد الصراع وتحوله إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف، تراجع حضور “هيئة التنسيق” مقارنة بالقوى التي حظيت بدعم إقليمي ودولي.

إلا أن عبد العظيم حافظ على خطابه السياسي، الذي ركّز على الحفاظ على وحدة الدولة السورية، ورفض التقسيم، والدعوة إلى انتقال سياسي تدريجي، وبهذا، مثّل تياراً يمكن وصفه بـ”الواقعي” أو “الإصلاحي”، في مقابل تيارات أخرى تبنت خيارات أكثر حدة.

ويُنظر إلى حسن عبد العظيم كأحد أبرز ممثلي المدرسة التي ترى في السياسة أداة للتغيير، لا المواجهة المسلحة. وقد شكّل هذا الخيار سمة أساسية في مسيرته، سواء قبل 2011 أو بعدها.

ورغم محدودية تأثير هذا التيار في مسار الصراع، إلا أنه حافظ على حضور فكري وسياسي، يطرح أسئلة حول جدوى العنف في التغيير السياسي، وحدود التدخل الخارجي، وإمكانيات الحلول التفاوضية.

الرحيل في لحظة تحول

ويأتي رحيل عبد العظيم في مرحلة تشهد فيها سوريا إعادة تشكّل لمعادلاتها السياسية، بعد سنوات من الحرب والتدخلات الدولية. ويعيد غيابه تسليط الضوء على إرث جيل من السياسيين الذين عملوا ضمن هوامش ضيقة، وحاولوا الحفاظ على العمل السياسي كمسار للتغيير، في بيئة طغت عليها الخيارات العسكرية.

وبرحيل حسن عبد العظيم، تفقد المعارضة السورية أحد أبرز وجوهها التاريخية، وأحد آخر ممثلي جيل آمن بإمكانية التغيير السلمي من داخل النظام السياسي.

لكن الأسئلة التي طرحها هذا التيار—حول السياسة، والعنف، والدولة—تبقى مفتوحة، في بلد لم تُحسم بعد مساراته النهائية.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى