
أُعلن، في 22 إبريل/ نيسان 2026، تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران الذي جرى التوصّل إليه في 8 من الشهر نفسه، بوساطة باكستانية. وفي هذا السياق، أوضح رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، أنّ قرار التمديد يهدف إلى إتاحة المجال أمام الجهود الدبلوماسية لمواصلة مسارها، معرباً عن تطلّعه إلى التزام الأطراف بالهدنة، والانخراط في مفاوضات تُفضي إلى “اتفاق سلام” شامل.
تندرج هذه الوساطة ضمن مسار تراكمي يرتبط بالتحوّلات البنيوية الأوسع التي يشهدها الإقليم، ولا سيّما مع تنامي التداخل بين جنوب آسيا والشرق الأوسط، خصوصاً في المجالَين الأمني والدفاعي. ويعكس تصاعد الاتفاقات الدفاعية العابرة للأقاليم خلال الفترة الماضية، بالتوازي مع تزايد الدعوات إلى بناء تحالفات أمنية مرنة، ومُتعدّدة الأطراف، اتجاهاً تدريجياً نحو إعادة صياغة التصوّرات الأمنية وأُطر التعاون الدفاعي، بما يُسهم في إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الإقليميين. وفي المقابل، يُفضي هذا المسار إلى تكريس حالة من السيولة الاستراتيجية تتجلّى في ارتفاع مستويات عدم اليقين بشأن مستقبل البنية الأمنية والدفاعية في المنطقة.
وفي إطار هذا التداخل بين فضاءي جنوب آسيا والشرق الأوسط، يمكن تفسير الوساطة الباكستانية باعتبارها أداةً لإعادة تموضع إسلام أباد داخل شبكة التفاعلات الإقليمية. إذ تعكس هذه المقاربة توجّهاً استراتيجياً يقوم على توظيف الدور الوسيط لتعزيز الشرعية الدبلوماسية وتوسيع هامش التأثير في مخرجات التوازنات الإقليمية. ويكتسب هذا التوجّه أهميةً متزايدةً في ضوء إدراك باكستان لاحتمالات إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي على نحو قد يرجّح كفّة إسرائيل، بما قد يفضي إلى إنتاج أنماط أكثر تعقيداً من سياسات الاحتواء، تمتدّ تداعياتها إلى فاعلين إقليميين آخرين، بما في ذلك باكستان ذاتها. ومن ثم، يغدو الدور الباكستاني جزءاً من استراتيجية أشمل لإدارة المخاطر الاستراتيجية، تتجاوز احتواء الأزمات الآنية نحو السعي إلى التموضع داخل معادلات توازن إقليمي آخذة في التعقيد.
أظهرت باكستان، منذ 2025، حركية دبلوماسية متزايدة في تعاطيها مع التحولات المتسارعة، بخاصّة في ملفات الوساطة
مطلب إيراني واستجابة استراتيجية
تتعدّد المحدّدات التي تفسّر اختيار باكستان وسيطاً بين الولايات المتحدة وإيران، في مقدّمها ما تتمتّع به إسلام أباد من هامش علاقات متوازنة مع كلا الطرفَين، بما يهيّئها مبدئياً للاضطلاع بهذا الدور. غير أنّ هذا العامل لا يكفي بمفرده لتفسير ترجيح هذا الخيار؛ إذ تبرز مسألتان محوريتان تعكسان اعتبارات أكثر تعقيداً تتصل بالأمن والسيادة.
تتصل المسألة الأولى بالاعتبارات الأمنية المرتبطة بسلامة الوفود التفاوضية وبيئة انعقاد المحادثات. فاختيار باكستان، بوصفها دولةً مجاورةً لإيران، يعكس توجّهاً إيرانياً نحو تقليص المخاطر الأمنية المرتبطة بتنقل الوفود وطبيعة البيئة المستضيفة. وقد تعزّز هذا التوجّه في ضوء سوابق حديثة، لا سيّما العدوان الإسرائيلي على قطر في سبتمبر/ أيلول 2025، وطاول وفداً من قيادة حركة حماس خلال وجوده في الدوحة لمناقشة ترتيبات إنهاء الحرب على غزّة، وهو ما يبدو أنّه ظلّ حاضراً في الحسابات الأمنية الإيرانية. ويُسهم ذلك في تفسير تراجع بعض مسارات الوساطة الإقليمية التقليدية، مثل قطر، بسبب تعرّضها لهجمات خلال فترات التصعيد، وأيضاً نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي طاولها.
وترتبط المسألة الثانية بحساسية وجود القواعد العسكرية الأميركية بوصفها عاملاً سيادياً وأمنياً مؤثّراً في تحديد مواقع التفاوض. إذ إنّ ارتباط بعض البيئات الإقليمية ببنى عسكرية أميركية يجعلها، من منظور بعض الأطراف، امتداداً لمسرح الصراع، لا سيّما في ظلّ تعرّض هذه القواعد للاستهداف خلال فترات التصعيد. وفي هذا السياق، يمنح غياب الوجود العسكري الأميركي المباشر في باكستان قدراً من الحياد البنيوي، ويعزّز من إدراكها بوصفها ساحة تفاوض أقلّ انخراطاً في توازنات القوة العسكرية، بما يدعم أهليتها لتأدية دور الوسيط خياراً توافقياً في المرحلة الراهنة.
وعلى الرغم من أنّ هذه الوساطة تعكس، في أحد أبعادها، مطلباً إيرانياً، فإنّها، في الوقت نفسه، تعبّر عن أهمية استراتيجية متنامية بالنسبة إلى باكستان. ولا ينبغي اختزال هذا الدور في أنّه استجابة ظرفية للتطوّرات الجارية، بل يتعيّن فهمه في إطار مسار تراكمي من التحولات العسكرية والاستراتيجية المتزامنة في كلٍّ من جنوب آسيا والشرق الأوسط. ففي مايو/ أيار 2025، شهد جنوب آسيا تصعيداً عسكرياً لافتاً تمثّل في مواجهات جوّية مباشرة بين الهند وباكستان، أعقبه في يونيو/ حزيران من العام ذاته اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل وإيران. وأسهم هذا التزامن في إعادة تشكيل إدراكات التهديد لدى الفاعلين الإقليميين، فأعقبته تحرّكات هندية – إسرائيلية متزايدة ذات طابع أمني ودفاعي. ففي يوليو/ تموز 2025، شهدت تفاهمات بين الهند وإسرائيل بشأن اتفاق على تعزيز التعاون الدفاعي طويل الأمد، والعمل لتطوير إطار مؤسّسي دفاعي، فضلاً عن تبادل التقديرات الاستراتيجية بشأن تطوّرات المشهد في الشرق الأوسط، واستعراض الخبرات التكنولوجية والعملياتية والتكنولوجية، بما في ذلك ما عُرف بـ”عملية الأسد الصاعد” ضدّ إيران خلال حرب الـ12 يوماً.
وفي هذا السياق، برز تنامي التقارب الهندي – الإسرائيلي بوصفه أحد المحدّدات البنيوية المؤثّرة في توجّهات السياسة الخارجية الباكستانية تجاه الشرق الأوسط، سيّما في ظلّ ما ينطوي عليه من توسّع نوعي في مجالات التعاون الدفاعي والأمني بين الطرفَين. ومنذ النصف الثاني من عام 2025، أظهرت باكستان حركيةً دبلوماسيةً متزايدةً في تعاطيها مع التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، خاصّةً في ملفات الوساطة، فكانت من بين ثلاث دول تقدّمت بطلب إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشة العدوان الإسرائيلي على قطر في سبتمبر/ أيلول 2025، كما اضطلعت بدور ملحوظ في الشهر التالي ضمن الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب على غزّة، وصولاً إلى انخراطها في مسار الوساطة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة.
ورغم تعقيد هذه الوساطة وحساسيتها؛ نظراً إلى ما تنطوي عليه من أبعاد جيوسياسية واقتصادية تتجاوز نطاقها الإقليمي إلى المستوى الدولي، فإنّه يمكن تفسير الحراك الباكستاني في إطار مقاربة “توازن القوى المرن”، إذ تميل الدول المتوسّطة القوة إلى توسيع هامش مناورتها الاستراتيجية عبر الانخراط في أدوار الوساطة، بما يتيح لها إعادة التموضع ضمن معادلات النفوذ الإقليمي. ويندرج هذا التوجّه ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تعزيز الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط، في ظلّ تصاعد التنافس مع الهند، التي وسّعت حضورها الإقليمي خلال السنوات الماضية، خصوصاً عبر تعميق شراكاتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وتوسيع شبكة علاقاتها مع دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج مثل الإمارات والسعودية.
تنامي التقارب الهندي – الإسرائيلي أحد المحدّدات البنيوية المؤثّرة في توجّهات السياسة الخارجية الباكستانية تجاه الشرق الأوسط
وفي هذا الإطار، شهدت الفترة الممتدّة بين أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026 نشاطاً دبلوماسياً مكثّفاً بين باكستان ودول في الخليج، شمل قطر والسعودية والإمارات، وتجلّى في زيارات متبادلة على مستوى القيادات السياسية والعسكرية، بما يعكس سعي إسلام أباد إلى ترسيخ موقعها شريكاً إقليمياً فاعلاً ضمن معادلات التوازن في المنطقة.
ديناميات دفاعية ثنائية وطروحات أمنية متعدّدة
بالتوازي مع الحراك السياسي والدبلوماسي الباكستاني، برزت مؤشّراتٌ متزايدةٌ على تشكّل ديناميات أمنية ودفاعية موازية على المستوى الإقليمي، تجسّدت في تسارع وتيرة إبرام الاتفاقات الدفاعية بين عدة فاعلين آسيويين ودول الشرق الأوسط، إلى جانب تنامي الطروحات المتعلّقة بإمكانية تشكيل تكتّلات أمنية ودفاعية مُتعدّدة الأطراف. ففي 17 سبتمبر/ أيلول 2025، وقّعت باكستان والسعودية اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، أعقبها في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، توقيع مذكّرة تفاهم بين الهند وإسرائيل لتوسيع نطاق التعاون الدفاعي، ثم في 19 يناير/ كانون الثاني 2026، توقيع خطاب نيّات بشأن شراكة دفاعية بين الهند والإمارات.
وفي السياق نفسه، برزت طروحات أمنية ذات طابع مُتعدّد الأطراف؛ فقبل توقيع الاتفاقية الدفاعية الباكستانية – السعودية بيوم، أي في 16 سبتمبر 2025، دعا وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف في مقابلة مع قناة جيو نيوز إلى تشكيل “تحالف عسكري إسلامي” موحّد على غرار حلف شمال الأطلسي (ناتو) لمواجهة التهديدات المشتركة. ولاحقاً، أشارت تقارير لوكالة رويترز، في 15 يناير 2026 إلى إعداد مسودّة اتفاق دفاعي ثلاثي يضمّ باكستان والسعودية وتركيا، مع التأكيد على أنّ هذا المسار لا يزال منفصلاً عن الاتفاق الثنائي السعودي – الباكستاني، ولم يرتقِ بعد إلى مستوى الاتفاق النهائي.
في المقابل، وقبل اندلاع الحرب على إيران، برزت مقاربات إسرائيلية ذات طابع تحالفي أوسع؛ إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 22 فبراير/ شباط 2026 توجهاً إلى تشكيل ما أسماه “التحالف السداسي”، في إطار مواجهة ما وصفه بـ”المحور الشيعي الجريح” و”المحور السنّي الناشئ”، مع احتمالات انضمام الهند وأطراف أخرى إليه. وتُظهر هذه الطروحات توجّهاً استراتيجياً يستهدف بالأساس كلّاً من إيران وتركيا.
وتعكس الترتيبات الثنائية، على اختلاف مستوياتها الإجرائية ومجالات التعاون التي تغطّيها، إلى جانب طروحات مُتعدّدة الأطراف، بتباين طبيعتها ومستوياتها المؤسّسية، حالةً من السيولة الاستراتيجية التي يشهدها الإقليم. ويعزّز ذلك اتجاهاً متصاعداً نحو إعادة تشكيل الأطر الدفاعية، بما قد يمهّد لظهور أنماط أكثر تعقيداً وتركيباً من التكتلات الأمنية والدفاعية.
ومع ذلك، يجدر التنويه إلى وجود قدر من التحفّظ لدى بعض الأطراف حيال الانخراط في تحالفات ذات طابع استقطابي مباشر، وفي مقدّمتها الهند، التي لم تعلن رسمياً تبنّيها أيّ اصطفاف تحالفي من هذا النوع، بما يعكس قدراً من التحفّظ الاستراتيجي. وفي هذا الإطار، تميل الهند إلى ترجيح مسارات التعاون الثنائي بوصفها الأداة الرئيسة لإدارة علاقاتها الدفاعية، غير أنّ هذا النمط من التعاون يسهم بصورة غير مباشرة في تغذية بنية أكثر تعدّدية في التفاعلات الأمنية، في ظلّ توسّع شراكاتها الدفاعية مع إسرائيل. وفي السياق ذاته، وعلى الرغم من أنّ خطاب النيات المتعلّق بالشراكة الدفاعية بين الهند والإمارات لا يزال في مراحله التمهيدية، فإنّ مسارات تطوّره تبقى مرهونةً بتطوّرات البيئة الإقليمية، وباحتمالات تشكّل ترتيبات أمنية أوسع نطاقاً، بما في ذلك التفاهمات الثلاثية المحتملة بين باكستان وتركيا والسعودية.
وفي هذا الإطار، يمكن تفسير المخاوف التركية باعتبار أنّ أيّ إعادة صياغة للتوازنات الإقليمية لمصلحة إسرائيل قد تفضي إلى إعادة تموضعها ضمن استهداف لاحق في إطار ترتيبات “القوة السنّية الناشئة”، وفق المنظور الإسرائيلي. أمّا باكستان والسعودية، فمن المرجّح أن يُنظَر إليهما ضمن سياقات أوسع لسياسات احتواء تستهدف قوى إقليمية ذات ثقل إسلامي، وهو ما تعكسه مؤشّرات توسّع التعاون الدفاعي الثنائي والمُتعدّد الأطراف. وفي هذا الإطار، تبقى آفاق تطوّر مسار التفاهمات الثلاثية المحتملة بين إسلام أباد وأنقرة والرياض مرهونة بدرجة ترسّخ أو تراجع استراتيجيات الاحتواء الإقليمي، بما قد يفضي إلى إعادة اصطفاف أمني ودفاعي أكثر وضوحًا في بنية الإقليم.
إرسال باكستان طائرات مقاتلة وقوات عسكرية إضافية إلى الأراضي السعودية جزء من مقاربة أوسع لإعادة ضبط معادلات الردع عبر تحييد السعودية
الوساطة أداة لترتيبات محتملة
بالتوازي مع استضافة باكستان المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، يُرجَّح أن تنخرط إسلام أباد في تفاهمات غير معلَنة مع الجانب الإيراني، تستهدف تحييد السعودية في حال تجدّد التصعيد الإقليمي. وتكتسب هذه المسألة أهميةً جيوسياسية خاصّة بالنسبة إلى باكستان، بالنظر إلى أنّ السعودية أحد المفاصل الحسّاسة في معادلات التوازن الإقليمي التي تتحرّك ضمنها إسلام أباد.
وفي هذا الإطار، تحمل مشاركة السعودية، في بعض مسارات الوساطة (على الرغم من تعرّضها لهجمات خلال فترات التصعيد) دلالات مركّبة. فمن جهة، تعكس هذه المشاركة سعياً سعودياً إلى تأكيد استقلالية موقفها عن ديناميات التصعيد الإقليمي، وتوجيه رسائل مزدوجة لكلّ من الولايات المتحدة وإيران، مفادها أنّها ليست طرفاً في أيّ مواجهة عسكرية محتملة، وهو ما يعكس مطلباً واضحاً بتحييدها عن مسارات التصعيد. ومن جهة أخرى، يمكن قراءتها تعبيراً عن رفض ضمني للانخراط في ترتيبات قد تُفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية لصالح إسرائيل. وهو ما يتقاطع مع هدف استراتيجي مشترك مع باكستان، ما يتطلّب الدفع نحو تفاهمات مع إيران تُسهم في ترسيخ هذا التحييد في حال تجدّدت المواجهات.
وفي سياق متّصل، يمكن النظر إلى خطوة باكستان في 11 إبريل/ نيسان 2026، المتمثّلة في إرسال طائرات مقاتلة وقوات عسكرية إضافية إلى الأراضي السعودية، بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة ضبط معادلات الردع عبر تحييد السعودية. فعلى الرغم من أنّ هذه الخطوة تستند إلى الاتفاق الدفاعي السابق بين البلدَين، فإنّ توقيت تفعيل بعض متطلّباته خلال فترة هدنة وقف إطلاق النار يمنحها دلالات سياسية إضافية.
آفاق تطوّر مسار التفاهمات الثلاثية المحتملة بين إسلام أباد وأنقرة والرياض مرهونة بترسّخ أو تراجع استراتيجيات الاحتواء الإقليمي
ويمكن قراءة هذه الدلالات في ضوء النصّ الوارد في الاتفاق: “أيّ اعتداء على أحد الطرفَين يُعدّ اعتداءً على كليهما”. غير أنّ عدم تفعيل هذا البند في حالات تعرّضت فيها السعودية لتهديدات أو ضربات خلال التصعيد، يعكس قدراً من الغموض الذي لا يزال يحيط بآليات التطبيق وحدود الالتزام العملي وشروط التفعيل. وعليه، لا يمكن تفسير إرسال القوات الباكستانية بوصفه مؤشّراً مباشراً على استعداد للتدخّل العسكري، خاصّة في ظلّ احتفاظ باكستان بعلاقات متوازنة مع إيران، إلى جانب انخراطها النشط في مسارات الوساطة والتهدئة. بل يمكن تفسير هذه الخطوة باعتبارها جزءاً من ترتيبات دفاعية ذات طابع ردعي، تهدف إلى توجيه رسائل غير مباشرة إلى الأطراف الإقليمية، بما فيها إيران، بشأن جدّية الالتزامات الدفاعية الباكستانية تجاه السعودية.
كما يكتسب هذا التحرّك بُعداً سياسياً إضافياً، إذ يُفهم ضمنياً بوصفه تذكيراً لإيران، بوجود ترتيبات تعاون دفاعي قائمة بين باكستان والسعودية، بما يفرض التزامات على باكستان تجاه الرياض، على غرار تعرّض الأخيرة لهجمات خلال التصعيد. وانطلاقاً من هذا المنطق، يُحتمل أن ينعكس هذا الالتزام في تفعيل دور دبلوماسي أكثر حيويةً تضطلع به إسلام أباد عبر الدفع نحو قنوات تواصل وتفاهم مع الجانب الإيراني بشأن تحييد السعودية، في حال تجدّد التصعيد الإقليمي. غير أنّ تحقّق مثل هذه الترتيبات يظلّ مرهوناً بجملة من المحدّدات، في مقدّمها التصوّرات الاستراتيجية الإيرانية تجاه الإقليم، إضافةً إلى النقاشات المرتبطة باستخدام القواعد العسكرية الأميركية في بعض دول الخليج، وحدود إعادة توظيفها ضمن سياقات التوتّرات المتصاعدة.
الخاتمة
في الختام، تؤدّي الوساطة الباكستانية وظيفةً بنيويةً تسعى منها إسلام أباد إلى تعزيز تموضعها على مختلف المستويات في منطقة الشرق الأوسط. ويظلّ الهاجس الاستراتيجي من منظور باكستان مرتبطاً باحتمالات إعادة ترجيح ميزان القوى الإقليمي على نحو قد يميل لمصلحة إسرائيل، بما قد ينعكس على تعزيز حضور شريكتها الاستراتيجية في المنطقة، الهند، الأمر الذي يسهم في تسريع وتيرة تصاعد أنماط الاصطفاف والتقارب بين الهند وإسرائيل.
ويضع هذا التطوّر المحتمل، إسلام أباد أمام تحدٍّ استراتيجي مركّب يتمثّل في تقييد هامش حركتها الإقليمية، وما قد يترتّب على ذلك من محدودية في توسيع نفوذها. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنّ مخرجات الوساطة الباكستانية ستكون ذات انعكاسات واضحة على مستقبل البنية الأمنية والدفاعية في الشرق الأوسط، مع بروز متزايد لأدوار فاعلين آسيويين ضمن هذه المعادلات المتحولة.
المصدر: العربي الجديد






