حين يحارب ترامب باسم الرب

ماجدولين الشموري

 

قيل الكثير عن إيران و”الروح الكربلائية” في مواجهة “الشيطان الأكبر”. وقيل الكثير عن إسرائيل و”جيش الرب” و”شعب الله” وهي تبرّر حروبها. أقلّ بكثير قيل عن الولايات المتحدة نفسها. عن دونالد ترامب وإدارته التي تخوض حربها بتكليف من الله دفاعاً عن المسيحية. هذا في وقتٍ تقصف فيه إسرائيل، حليفة واشنطن في الحرب نفسها، الكنائس في غزّة، وتمنع بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة لإقامة قدّاس الشعانين في القدس، ويُحطّم جنودها تمثالاً للمسيح جنوبي لبنان. هذا هو السياق. تُشنّ الحرب باسم المسيحية، وتُخاض مع من يقصفون كنائسها ويمنعون شعائرها ويسيئون إلى رموزها.

على عكس إيران وإسرائيل، حيث الدين مُعلن ومؤسّس في تعريف الدولة وخطابها، ينصّ الدستور الأميركي على الفصل بين الدين والدولة. في خطاب الحرب، لا يعود هذا الفصل قائماً. الله نفسه يُستدعى طرفاً فيها. في 6 إبريل/ نيسان الحالي، قال ترامب إنه يعتقد أن الله يدعم تحركات الولايات المتحدة في الحرب على إيران. وأضاف، ردّاً على سؤال لصحافي من “واشنطن بوست” خلال مؤتمر في البيت الأبيض: “أعتقد ذلك، لأن الله طيب. والله يريد أن يرى الناس يُعتنى بهم”. ولم يجب على سؤال حول ما إذا كان قد طلب توجيهاً إلهياً، لكنه لمح إلى أن الله يدعم التحرك الأميركي، حتى وإن كان “منزعجاً” من العنف. وقال: “الله لا يحب ما يحدث. وأنا لا أحبّ ما يحدث. يقول الجميع إنني أستمتع بذلك، لكنني لا أستمتع”. كذلك ألمح إلى أن الحرب قد تكون صراعاً وجودياً بين المسيحية والإسلام. وكتب في منشور يوم أحد الفصح: “افتحوا المضيق اللعين، أيها المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم – فقط شاهدوا! الحمد لله”.

في ذروة هذا الخطاب، نشر ترامب صورةً لنفسه تُحاكي الأيقونات المسيحية، يظهر فيها كأنه الشافي والمخلّص؛ أي المسيح ببساطة. في اليوم نفسه، فتح مواجهةً حادّةً مع بابا الفاتيكان. وصفه صراحة بأنه “يساري وضعيف في مواجهة الجريمة، وسيئ جداً في السياسة الخارجية”، ومضى أبعد حين قال: “لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان”. وهذا كلّه رداً على رفض البابا لاوون الرابع عشر محاولات شخصيات، مثل وزير الحرب بيت هيغسيث، استخدام المسيحية لتبرير الحرب، قائلاً: “لا يمكن لأحد أن يستخدم المسيح لتبرير الحرب (…) أيديكم ملطّخة بالدماء”. هذا ليس مجرّد سجال سياسي، بل مواجهة مباشرة مع المرجعية التي تتولى، تقليدياً، تعريف المعنى الأخلاقي للمسيحية.

يقدّم ترامب نفسه صوتاً للإرادة الإلهية، إلى حدّ الاصطدام بالبابا لاوون الرابع عشر نفسه

بعد جدل وانتقادات كثيرة أثارتها الصورة، حذفها ترامب، وزعم أنه لم يقصد تشبيه نفسه بالمسيح. وأضاف: “كيف توصّلوا إلى هذا؟ من المفترض أن أكون طبيباً أجعل الناس أفضل، وأنا أفعل ذلك فعلاً”. لكنه عاد ونشر صورةً جديدةً يظهر فيها وهو يحتضن المسيح وسط هالةٍ من الضوء، وخلفهما العلم الأميركي.

ولا يتوقّف هذا الخطاب عند ترامب. داخل المكتب البيضاوي، أحاط قساوسة مسيحيون بالرئيس الأميركي، وضع بعضهم أيديهم على كتفيه أو ذراعه، وقدّموا له صلواتهم وبركاتهم. وخلال فعالية أسبوع الآلام، استشهد القس فرانكلين غراهام بقصة من سفر أستير، قائلاً إن “الإيرانيين” أمروا بقتل جميع اليهود، قبل أن يضيف: “اليوم، يريد الإيرانيون، هذا النظام الشرّير، قتل كل يهودي وتدميرهم بنار نووية. لكنّك، يا الله، أقمت الرئيس ترامب لهذه اللحظة. ونصلّي أن تمنحه النصر”. في السياق نفسه، قالت مستشارة ترامب الدينية (لماذا يحظى الرؤساء الأميركيون بمستشارين دينيين؟)، باولا وايت، إن هناك أوجه تشابه بين حياته وما عاشه المسيح، وأضافت أن “لا أحد دفع ثمناً كما دفعه ترامب”، وأكملت مخاطبةً ترامب: “لقد تعرّضتم للخيانة، وتم توقيفكم، واتُهمتم ظلماً. هذا نمط مألوف أظهره لنا ربنا ومخلصنا. لم ينته الأمر بالنسبة له هناك، ولن ينتهي بالنسبة لكم أيضاً”، وأضافت: “المسيح قام في اليوم الثالث، وانتصر على الشر، وقهر الموت والجحيم والقبر. وبما أنه قام، نعلم جميعاً أننا يمكن أن نرتقي… قيامه هو ما جعلكم ترتقون أيضاً”. كذلك اعتبرت وايت أن الرب “يقف إلى جانب ترامب ويستخدمه أداة”، مدعيةً أن ذلك سيؤدي إلى “نجاحه في كل ما يقوم به”.

داخل قطاعات واسعة من اليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة، لا يُفهم هذا الخطاب كمجاز، بل يُؤخذ حرفياً. ترامب ليس رئيساً فقط، وليس مثالياً أيضاً، بل يُقدَّم بوصفه أداةً ضمن خطة إلهية أوسع، ويُقارَن بشخصيات توراتية مثل الملك كورش. في الرواية التوراتية، لم يكن كورش مؤمناً من داخل الجماعة، لكنه أدّى دوراً حاسماً حين سمح لليهود بالعودة من السبي وبناء الهيكل. هنا تكمن جاذبية المقارنة: الله لا يختار الأفضل أخلاقياً، بل الأنسب وظيفياً، وهو ما يفسّر، إلى حدٍّ كبير، عدم تأثر هذه القاعدة بفضائح ترامب أو سلوكه الشخصي. لا يقتصر هذا التصوّر على ما يصدُر عن ترامب نفسه، بل يتغذّى من قاعدة شعبية نشطة تُنتج سرديات دينية تضعه في موقع “المختار” أو “المنقذ” وتعيد تدويرها. من لافتات مثل “الله اختار ترامب” و”القائد الممسوح” في التجمعات، إلى مقارنته المتكرّرة بكورش، يتشكّل خطاب يرى فيه أداةً إلهيةً لا نموذجاً أخلاقياً تقليدياً. وقد تحوّل هذا التصوّر إلى منتج ثقافي وإعلامي متكامل، من أفلام مثل “نبوءة ترامب” التي تروّج فكرة أن وصوله إلى السلطة كان تحقيقاً لنبوءة إلهية، إلى كتب وخطابات دينية تعيد تأطير دوره ضمن سردية لاهوتية.

صُوّرت الحرب للجنود الأميركيين تمهيداً لهرمجدون، لا عملية عسكرية، بل معركة أخيرة بين الخير والشر

في هذا السياق، تُفهم السياسة داخل قطاعات من القاعدة الإنجيلية بوصفها “حرباً روحية”، وتُستخدم شعارات مثل “نحن في معركة بين الخير والشر” و”ترامب يقاتل من أجلنا”، وهي تعبّر عن تصوّر كوني للصراع. هذا التفاعل لا يسير في اتجاه واحد، بل يعيد إنتاج نفسه باستمرار. تنتج هذه القاعدة رموزاً دينية حول ترامب، تنتشر عبر المنصات الرقمية، ثم يعيد هو نشرها أو يحاكيها، فتُقرأ كإقرار ضمني، ما يدفع إلى إنتاج محتوى أكثر تطرفاً.

أما ترامب فيعرّف نفسه، منذ عام 2020، بأنه مسيحي غير منتمٍ إلى طائفة محدّدة (non-denominational Christian)، بعد تخلّيه عن انتمائه البروتستانتي المشيخي. تعريف واسع، مفتوح على كل تأويل… وباللغة نفسها، قدّم ترامب ومسؤولون أميركيون آخرون عملية إنقاذ طيار أميركي في إيران على أنّها “معجزة عيد الفصح”. في حديثه عن العملية، نسب الفضل إلى الله، قائلاً: “كنا في أجواء عيد الفصح… لكنّ الله كان يراقبنا. أمر مذهل”. واستحضر وزير الخزانة سكوت بيسنت رمزيةَ عيد الفصح، وقال إن “معجزة القيامة تُعدّ أعظم انتصار في التاريخ”، وأضاف أن من “الملائم في هذا اليوم المقدّس أن يُنقذ جندي أميركي شجاع من خلف خطوط العدو، في واحدةٍ من أعظم عمليات البحث والإنقاذ في التاريخ العسكري”. ونشر وزير الحرب بيت هيغسيث عبارة “الله طيب” تعليقاً على العملية، معيداً نشر منشور لترامب عن نجاح العملية، في وقت أفاد فيه موقع أكسيوس بأن هذه العبارة كانت أيضاً ما قاله الطيار عبر جهاز الاتصال بعد إنقاذه. ثم شبّه هيغسيث الإنقاذ برواية صلب المسيح وقيامته: “أُسقط يوم الجمعة، الجمعة العظيمة، واختبأ في كهف، في شقّ صخري، طوال يوم السبت، ثم جرى إنقاذه يوم الأحد (…) أُخرج من إيران مع شروق الشمس في أحد الفصح… طيّار وُلد من جديد”.

وجد هذا الخطاب طريقَه إلى داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، في انتهاكٍ واضحٍ لمبدأ الفصل بين الدين والدولة، إذ تلقت مؤسّسة الحرية الدينية العسكرية (غير ربحية) أكثر من مئتي شكوى من أفراد في مختلف فروع الجيش، أشاروا إلى أن قادة ومشرفين يروّجون فكرة أن الحرب جزء من “خطة إلهية”، بل إن أحد القادة وصفها بأنها تمهيد لمعركة “هرمجدون”، مدّعياً أن ترامب “ممسوح من المسيح لإشعال الشرارة في إيران”. ونُقل عن أحد الضباط قوله إن قائده “حثّنا على إبلاغ الجنود بأن هذا كله جزء من خطة الله”، مستشهداً بمقاطع من سفر الرؤيا عن النهاية الوشيكة وعودة المسيح. وطالب 30 نائباً ديمقراطياً الشهر الماضي (مارس/ آذار) بفتح تحقيق بشأن هذه التقارير، وأكدوا في رسالة إلى المفتش العام لوزارة الدفاع أن “الحفاظ على الفصل الصارم بين الدين والدولة، وحماية الحرية الدينية للجنود، أمرٌ بالغ الأهمية”، وشدّدوا على ضرورة استناد العمليات العسكرية إلى “الوقائع والقانون، لا إلى نبوءات دينية متطرّفة”.

يختزل وزير الحرب بيت هيغسيث الجندي المقبول في الجيش الأميركي في صورة واحدة: رجل مغاير جنسياً، ومسيحي، وقومي

في قلب هذا التحوّل، يقف وزير الحرب بيت هيغسيث الذي يختزل الجندي المقبول في الجيش الأميركي في صورة واحدة: رجل مغاير جنسياً، ومسيحي، وقومي. ويُعرف بتبنّيه القومية المسيحية، إذ سبق أن أيّد عقيدة “سيادة المجالات”، وهي رؤية تدعو إلى بسط الهيمنة المسيحية على مفاصل الدولة والمجتمع، من السياسة إلى الجيش والإعلام والتعليم، وتتبنّى نموذجاً عائلياً وكنسياً أبوياً صارماً، وتدعو إلى فرض عقوبات قاسية تصل إلى الإعدام على المثلية الجنسية.

في 25 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وخلال قداس مسيحي أُقيم داخل البنتاغون، وهو أمر غير معتاد، دعا إلى ممارسة “عنف ساحق ضد أولئك الذين لا يستحقّون الرحمة”، في إشارة إلى إيران، معتبراً أن إيمانه المسيحي يمنح الجنود “منظوراً” لما يخوضونه. كما دعا الأميركيين إلى الصلاة يومياً “باسم يسوع المسيح” من أجل تحقيق نصر عسكري، متعهداً بـ”إمطار إيران بالموت والدمار”، ومعتبراً أن الولايات المتحدة “تقاتل متعصّبين دينيين يسعون إلى قدرات نووية من أجل هرمجدون دينية”. ولا يبدو أن هيغسيث يكترث بانتقادات الفاتيكان، إذ ينتمي إلى تيار كالفيني متشدّد يرفض سلطة البابا ويؤمن بمبدأ “القدرية”، أي أن كل ما يحدث هو بإرادة الله. حتى لو كان قصف مدرسة أطفال؟ بل حتى لو كان إبادة جماعية.

وهذا التصوّر ليس طارئاً بسبب الحرب على إيران. في عام 2020، أصدر كتاباً بعنوان “الحملة الصليبية الأميركية”، دعا فيه إلى “حرب مقدسة” داخلية وخارجية، ويرتبط بتيارات القومية المسيحية التي تسعى إلى إعادة تعريف الولايات المتحدة “أمة مسيحية”. حتى إنّه نقش وشوماً ذات دلالات صليبية مثل Deus Vult (هكذا أراد الله باللاتينية، ويُعتقد أن المقاتلين المسيحيين كانوا يردّدونها استجابةً لدعوة البابا أوربان الثاني عام 1095 للتوجه إلى الأراضي المقدسة وإعادة السيطرة عليها لصالح العالم المسيحي) وصليب قدسي، إلى جانب كلمة “كافر” بالعربية.

نشأ بيت هيغسيث (45 عاماً) في مينيسوتا، وخدم في العراق وأفغانستان وغوانتانامو، قبل أن ينتقل إلى العمل في شبكة فوكس نيوز، حيث لفت انتباه ترامب بدفاعه عن قرارات العفو التي أصدرها الرئيس الأميركي بحق جنود متهمين بقتل مدنيين وانتهاك قوانين الحرب. وعام 2018، اتجه هيغسيث نحو تديّن أعمق، معتبراً أن “الإيمان أصبح حقيقياً”، وشارك في تأليف كتاب يرى أن بقاء “الحضارة الغربية” مرهون بإعادة المسيحية إلى التعليم الأميركي. وفي هذا السياق، يرتبط هيغسيث فكرياً بالقس دوغلاس ويلسون الذي يسعى إلى إقامة “نظام ديني” قائم على الشريعة المسيحية، ويؤمن بسلطة أبوية صارمة، ويعارض حقوق النساء، ويدعم عقوبات قاسية.

حين تُقدَّم الحرب بوصفها مهمّةً دينية، لا يعود مهماً من أين يأتي النص. من الكتاب المقدّس، أو من فيلم. المهم أن يبدو “منزَلاً

وعلى الرغم من أن هذه الأفكار كانت هامشية في السابق، فإنها باتت أكثر انتشاراً، خصوصاً مع صعود خطاب “الرجولة العسكرية” داخل التيار الإنجيلي الذي يبرّر العنف باسم الدين. ومع وصول هيغسيث إلى موقع القرار، لم يعد هذا الخطاب مجرد شعارات، بل تحوّل إلى سياسة فعلية. يسعى هذا التيار إلى إعادة تعريف الولايات المتحدة كـ”أمة مسيحية”، رغم أن الدستور يؤكد الفصل بين الدين والدولة. مع ذلك، يحظى هذا التوجه بدعم ملحوظ، إذ يُظهر استطلاع أن نحو ثلث الأميركيين يؤيدون فكرة “الأمة المسيحية”. وتختلف التيارات المسيحية في تفسيرها لدور الدين في السياسة الخارجية، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: استخدام الحرب لتعزيز نفوذ الدين في الدولة.

لكن هيغسيث، الذي يرفع الحرب إلى مقام العقيدة، يستشهد في ذروتها بنصّ من فيلم. خلال الفعالية الدينية التي استضافها في البنتاغون، تلا ما أرادها آية من الإنجيل، وقال بعدما دعا الحضور إلى الدعاء معه إن “طريق الطيّار الساقط محفوفٌ من كل جانب بظلم الأنانيين وطغيان الأشرار. طوبى لمن، باسم الرفقة والواجب، يقود الضالين عبر وادي الظلمات، لأنه بحقّ حافظ أخيه وواجد الضائعين. وسأُنزل عليك غضباً عظيماً وانتقاماً شديداً على الذين يحاولون أسر أخي وتدميره، وستعلم أن نداءي هو ساندي واحد حين أوقع انتقامي عليك. آمين”. لكنها في الحقيقة نسخة معدّلة من الإصحاح 25:17 من سفر حزقيال، كما وردت في فيلم “بالب فيكشن” الشهير. في الفيلم، يتلو “جولز وينفيلد” (سامويل إل. جاكسون) النص المحرّف عن “وادي الظلمات” و”الانتقام العظيم” قبل أن يُقدم على قتل رجل رمياً بالرصاص.

المفارقة ليست في الخطأ. فحين تُقدَّم الحرب بوصفها مهمّةً دينية، لا يعود مهماً من أين يأتي النص. من الكتاب المقدّس، أو من فيلم. المهم أن يبدو “منزَلاً”. وفي النهاية، يبدو أن كل رصاصة تُطلَق، إن في الفيلم أو في الواقع، تسبقها “آية” ما.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى