
مع انعقاد اللقاء الثاني المباشر بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفيرين، برعاية أميركية مباشرة في واشنطن، بدأ لبنان يستخدم المتاريس الواقية لمواجهة مرحلة “التفاوض تحت الضغط”، معتمدًا استراتيجية جديدة تقوم على “تبريد” الاندفاعة الإسرائيلية-الأميركية المحمومة، وتحويل المسار من إملاءات ميدانية إلى مسار دبلوماسي هادئ. فمن خلال التوجيهات إلى السفيرة في واشنطن ندى معوض، يحاول لبنان الانتقال من وضعية “المتلقي” للمطالب والشروط إلى وضعية “المشترط” أيضًا، حيث حماية المدنيين ووقف تدمير القرى هما “ممر إلزامي” قبل الخوض في تفاصيل الزمان والمكان والمضمون لأي مفاوضات سياسية.
الطلب اللبناني بتمديد الهدنة إلى ما بين 20 و40 يومًا هو محاولة لانتزاع اعتراف إسرائيلي بوقف تدمير القرى المحتلة قبل أي خطوة أخرى. فلبنان الرسمي يدرك أن التفاوض فيما عمل الجرافات والنسف مستمران يعني التوقيع على “أمر واقع” جغرافي. لذا أعاد “ثنائي السلطة التنفيذية” الرئيسان عون وسلام تصويب البوصلة السيادية بوضوح منعًا لأي سوء فهم داخلي أو خارجي. فالتأكيد على أن أي اتفاق لن يُوقع ما لم يتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا إلى الحدود الدولية هو رد مباشر وصريح على “شروط الخط الأصفر” ومنطق المناطق العازلة. هذا الموقف يهدف إلى إحراج الجانب الإسرائيلي في واشنطن، التي سيزورها بنيامين نتنياهو ساعيًا إلى تكثيف الضغط الأميركي على لبنان. ويتلخص موقف لبنان بإعادة الصراع إلى مربعه القانوني الأول: السيادة اللبنانية غير القابلة للتجزئة.
والبارز اليوم هو الدخول السعودي على الخط، وبقوة، من خلال زيارة الأمير يزيد بن فرحان لكل من قصر بعبدا وعين التينة، والاتصال الذي جرى بين وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان والرئيس نبيه بري. وهذا الدخول السعودي بدا التحول الاستراتيجي الأبرز في المشهد اللبناني، قبيل انطلاق الجلسة الثانية بين السفيرين في واشنطن. فدخول الرياض كضامن عربي وحليف تاريخي لواشنطن يوفر للبنان الرسمي ثلاثة مكاسب فورية:
توازن القوى: كسر الانفراد الأميركي-الإسرائيلي بالضغط على المفاوض اللبناني.
التغطية الداخلية: تأمين “شبكة أمان” للرئيس عون ورئيس الحكومة أمام المزايدات الداخلية، مما يقلل من مفعول “الفيتو” المحلي عبر إضفاء شرعية عربية على المسار التفاوضي.
عقلنة إدارة ترامب: الرياض هي الطرف الأقدر على مخاطبة إدارة ترامب بلغة المصالح الكبرى، ما قد يخفف من حدة الانحياز الأميركي الى نتنياهو.
فلبنان يحاول ألا يكون وحيدًا في مواجهة “مقصلة المواعيد” الإسرائيلية- الأميركية. وبينما تحاول إسرائيل فرض “اتفاق إذعان” مستندة إلى قوة النيران والجرافات في الجنوب، يحاول لبنان الرسمي أن يظهر صلابة في التفاوض، وأن يتكئ على شروط إنسانية محقة ودعم عربي وازن.
السؤال الآن: هل ستقبل تل أبيب بالنزول عن شجرة “الخط الأصفر” أمام هذا الضغط الدبلوماسي المستجد، أم أن الميدان سيبقى هو “المفاوض الأول” الذي ينسف هذه المساعي؟
واشنطن: تفاوضٌ فوق النار
تدخل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن جولتها الثانية، على مستوى السُّفراء، فيما الميدان الجنوبيّ يواصل إرسال رسائله الدموية، كأنّ تل أبيب تريد من الطاولة أن تُوقّع ما تعجز عنه الدبّابة وحدها. هنا، لا يتفاوض لبنان من موقع الرفاه السياسيّ، بل من موقع من يحاول انتزاع هدنةٍ فعليةٍ من بين أنياب التصعيد، ومدّ وقف إطلاق النار شهرًا إضافيًّا قبل انتهاء هدنة الأيّام العشرة.
في المقابل، لا يبدو أنّ إسرائيل تُخفي نواياها. فهي تواصل خروقاتها، وتُبقي العدوان مفتوحًا، وتتعامل مع التفاوض بوصفه أداة ضغطٍ مكمّلة لا مسارًا موازيًا لوقف التدهور. لذلك، تبدو واشنطن اليوم أمام اختبارٍ مزدوج: إمّا أن تكون منصّة تهدئة، وإمّا أن تتحوّل إلى غرفة إدارة أزمةٍ لا أكثر.
لا تفاوضَ على أنقاض القرى
بحسب المعطيات، فإنّ التوجيهات التي أُعطيت إلى السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة معوّض، جاءت دقيقةً ومباشرة، وتدور حول ثلاثة عناوين لا تحتمل الالتباس: تمديد مهلة وقف إطلاق النار، ووقف الخروقات وعمليات تدمير المنازل في المناطق الخاضعة للاحتلال، ووقف الاعتداءات على الفرق الصحيّة والإسعاف والصليب الأحمر، إضافةً إلى تسهيل وصول المساعدات إلى القرى المحاصرة. والسفيرة ندى حمادة معوّض تشغل منصب سفيرة لبنان في واشنطن، فيما يتولّى العماد جوزاف عون رئاسة الجمهورية، ويرأس نواف سلام الحكومة اللبنانية.
هذه ليست تفاصيل تقنية في دفتر التفاوض، بل محاولة لبنانية واضحة لنقل النقاش من “الترتيبات الأمنية” التي تريدها إسرائيل إلى “الالتزامات الإنسانية والسيادية” التي يريدها لبنان. المعنى السياسيّ هنا بالغ الدلالة: لا يمكن للبنان أن يفاوض على الخرائط فيما الجرافات تغيّر الجغرافيا، ولا أن يناقش الضمانات فيما القرى تُمحى تدريجًا من على أطراف الحدّ.
السعودية تدخل بثقلها
الحدث الأبرز في المشهد هو دخول الرياض المباشر على خطّ الأزمة، عبر زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، ولقاءاته في بعبدا وعين التينة، بالتوازي مع تواصل وزير الخارجية السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي.
هذا التحرّك لا يمكن قراءته كزيارة مجاملة. إنّه إشارةٌ إلى أنّ لبنان لم يعد متروكًا بالكامل في ممرّ الضغط الأميركيّ، الإسرائيليّ، وأنّ هناك من قرّر توفير غطاءٍ عربيٍّ واضحٍ يمنع انزلاق التفاوض إلى مسار الإذعان. فالسعودية، بحكم موقعها العربيّ والدوليّ، قادرة على منح لبنان ثلاثة عناصر قوّة دفعةً واحدة: توازنٌ في وجه الاحتكار الأميركيّ، وشرعيّةٌ عربيّةٌ للمسار الرسميّ، وقدرةٌ على مخاطبة واشنطن بلغة المصالح لا بلغة التوسّل.
الأهمّ أنّ هذا الحضور السعوديّ يبعث برسالةٍ داخليّةٍ أيضًا، مفادها أنّ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ليستا وحدهما في الميدان السياسيّ، وأنّ أيّ محاولة لإحراجهما داخليًّا أو عزلهما تفاوضيًّا لن تمرّ بلا شبكة أمان عربية.
وعلمت “المدن” بأنّ التّحرّك السّعوديّ يهدف إلى تعزيز التّواصل بين المسؤولين اللّبنانيّين، وتهدئة الأجواء الدّاخليّة، وحماية الحكومة، والحفاظ على الاستقرار.
وبحسب المعلومات، تضمّنت النّصائح السّعوديّة الدعوة إلى تعزيز التّواصل والحوار، على أن يبدأ ذلك بلقاءٍ بين الرؤساء الثّلاثة لتوحيد الموقف من المفاوضات، على أن يوسّع إطار الحوار لاحقًا ليشمل مختلف القوى السّياسيّة.
وأضافت المعلومات أنّ العنوان الأساسيّ لهذا التّحرّك يتمثّل في عدم السّماح لإسرائيل بالاستفراد بلبنان، وعدم الذّهاب إلى اتّفاق سلام، إلى جانب الحفاظ على “اتّفاق الطّائف” والعمل على تطبيقه.
تل أبيب تفاوض بالنار
على الضفّة الأخرى، يتّسع منسوب التهديد. تقارير إسرائيلية تحدّثت عن استعدادات لاحتمال انهيار وقف إطلاق النار مع “حزب الله” في أيّ لحظة، فيما جاءت دعوة الخارجية الأميركية لمواطنيها إلى مغادرة لبنان لتضيف جرعةً إضافيةً من القلق إلى المناخ المحيط بالجولة التفاوضية.
بهذا المعنى، لا تجري المفاوضات في مناخٍ سياسيٍّ مستقرّ، بل تحت ضغط نارٍ مفتوحة، وفي ظلّ معادلةٍ شديدة الهشاشة: واشنطن تتحدّث دبلوماسيًا، والميدان يتكلّم بلغةٍ أخرى. وهذا ما يجعل أيّ تقدّمٍ محتملٍ في العاصمة الأميركية مرهونًا بقدرة الوسطاء على وقف الانحدار الميدانيّ، لا الاكتفاء بإدارته أو تدويره.
الجنوب يدفع الثمن
ميدانيًا، جدّد المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفيخاي أدرعي تحذيراته إلى سكّان الجنوب، داعيًا إلى عدم التحرّك جنوب “خطّ القرى المعروضة ومحيطها”، وعدم الاقتراب من مناطق نهر الليطاني ووادي السلوقي ووادي الصلحاني، “حتى إشعارٍ آخر”. وهو تحذيرٌ لا يمكن عزله عن سياق محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة تحت عنوانٍ أمنيٍّ فضفاض.
ولم تتوقّف الاعتداءات عند حدود التهديد. فقد تواصل القصف والغارات، واستمرّت سياسة هدم المنازل وتفجيرها، بما أدّى إلى تدميرٍ واسعٍ في عددٍ من البلدات. وبلغ المشهد ذروته المأسوية مع استشهاد الزميلة آمال خليل جرّاء غارةٍ إسرائيليةٍ استهدفت منزلًا في بلدة الطيري، وإصابة الصحافية زينب فرج بجروح. هنا، لا يعود استهداف الإعلاميين تفصيلًا عابرًا، بل يندرج في سياق محاولة إسكات الشهادة على الجريمة.
وفي بُعدٍ آخر من الانتهاكات، تتوسّع صورة العدوان من التدمير العسكريّ إلى النهب المنظّم. فقد وثّقت تقارير إعلامية إسرائيلية، من بينها ما نقلته “هآرتس”، شهادات جنودٍ من القوات النظامية والاحتياط تحدّثوا عن سرقة ممتلكات المدنيين من المنازل والمحالّ التجارية في جنوب لبنان، من درّاجات نارية وأجهزة تلفاز ولوحاتٍ فنيةٍ وسجّاد، في ما تحوّل إلى سلوكٍ روتينيٍّ معروفٍ لدى المستويات العسكرية المختلفة.
سياسيًا، هذا ليس تفصيلًا أخلاقيًا فحسب، بل دليلٌ إضافيّ على طبيعة الحرب الدائرة: تدميرٌ للحيّز، وإذلالٌ للسكان، ومحاولةٌ لمحو معنى البقاء نفسه، لا الاكتفاء بالسيطرة على الأرض.
تثبيت السقف السياديّ الرسميّ
في الداخل، بدا واضحًا أنّ المؤسّسات اللبنانية تحاول إعادة الإمساك بخيط المبادرة، ولو بالحدّ الأدنى الممكن. فقد شهد قصر بعبدا سلسلة لقاءات سياسية ودينية، أبرزها لقاء الرئيس عون بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالتوازي مع لقاءات حكومية وسياسية تبحث في إدارة المرحلة.
وفي هذا السياق، برز موقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أكّد أنّ لبنان لا يمكنه توقيع أيّ اتفاقٍ لا يتضمّن انسحابًا كاملًا للقوات الإسرائيلية، وأنّه لا يمكن القبول بما يُسمّى “منطقة عازلة” تُمنع معها عودة النازحين إلى قراهم ومدنهم. كما شدّد على أنّ احتكار الدولة للسلاح مصلحةٌ لبنانيةٌ سيادية، وأنّ مسار بسط سلطة الدولة ليس استجابةً لشرطٍ إسرائيليّ، بل ضرورةٌ لبنانيةٌ داخلية. ونواف سلام هو رئيس الحكومة اللبنانية وفق الوكالة الوطنية للإعلام في تقاريرها الرسمية الحديثة.
هذه المقاربة تكتسب أهميتها من كونها ترفض الفصل بين السيادة على الحدود والسيادة في الداخل. فالدولة، في منطق سلام، لا تستطيع أن تفاوض على الانسحاب الإسرائيليّ وهي عاجزة عن تأكيد احتكارها للقرار الأمنيّ، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يتحوّل هذا المسار إلى ذريعةٍ لفرض شروط إسرائيلية على لبنان.
لا تفريط ولا تراجع عن الحقوق
موقف البطريرك الراعي بدوره جاء بالغ الوضوح، إذ أكّد أنّ المفاوضات التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية خاليةٌ من أيّ تضحيةٍ أو تفريطٍ بحقوق لبنان، وأنّ الرئيس عون لا يقبل بهذا الأمر. الأهمّ في كلام الراعي أنّه أعاد تثبيت المعادلة الوطنية التي حاول البعض تشويهها: رئيس الجمهورية لا يتكلّم بصفته الطائفية، بل باسم لبنان كلّه، ومن موقع مسؤوليته الوطنية الجامعة.
هذا الكلام لا يوفّر فقط غطاءً معنويًا للرئاسة، بل يقطع أيضًا الطريق على محاولات تصوير المسار التفاوضيّ كأنّه انحرافٌ عن الإجماع الوطنيّ، أو كأنّه قرارُ فريقٍ دون آخر. إنّه، باختصار، تثبيتٌ لفكرة الدولة حين تتكلّم باسم الجميع.
في المقابل، لم يبدُ “حزب الله” في وارد منح السلطة شيكًا سياسيًا على بياض. فقد دعا النائب حسن فضل الله إلى وقف كلّ أشكال التواصل المباشر مع العدوّ، معتبرًا أنّ الاستمرار في هذا التواصل يمنح إسرائيل صورةً سياسيةً مجانيةً تغطّي على جرائمها، ورأى أنّ عدم اتخاذ موقفٍ وطنيٍّ حاسم في هذا الشأن يُشكّل خطًا كبيرًا.
هذا الاعتراض يضع السلطة أمام معادلةٍ شديدة التعقيد: كيف تحافظ على خطّ تفاوضيٍّ رسميٍّ يحظى بدعمٍ عربيٍّ ودوليّ، من دون أن تنفجر التناقضات الداخلية في وجهها؟ وكيف تُبقي على سقف “السيادة الكاملة” من دون أن تُتّهم، في الداخل، بأنّها تسلك طريق التنازل؟
ما يجري اليوم ليس مجرّد جولة مفاوضات جديدة، بل محاولة لبنانية لإعادة تعريف معنى التفاوض نفسه. فبدلًا من الذهاب إلى واشنطن كطرفٍ يُستدرج إلى قبول الوقائع، يحاول لبنان أن يفرض شروطه الإنسانية والسيادية كمدخلٍ إلزاميٍّ لأيّ بحث سياسيّ. وبدلًا من أن يواجه وحيدًا اندفاعة الضغط الأميركيّ، الإسرائيليّ، يبدو أنّه ينجح، إلى حدٍّ ما، في استدعاء عنصرٍ عربيٍّ وازنٍ يخفّف من اختلال موازين اللحظة.
لكنّ المشكلة تبقى هنا، في الجنوب، لا في النصوص وحدها. فإسرائيل تريد أن تجعل من الميدان المفاوض الأوّل، فيما يحاول لبنان أن ينتزع للمؤسّسات والدبلوماسية حقّ الكلام الأخير. وبين هذين المسارين، يتقرّر ما إذا كانت واشنطن ستنتج تهدئةً قابلةً للحياة، أم مجرّد هدنةٍ هشّةٍ فوق ركام القرى.
المصدر: المدن






