لماذا لا يشفي خطاب الوحدة؟ الشروط البنيوية للتعافي بعد النزاع

        فضل عبد الغني

لا يقتصر أثر العنف الجماعي على تفتيت بُعد واحد من أبعاد الحياة الجماعية، بل يمتد إلى إلحاق الضرر بالعلاقات بين الأفراد، وبالمؤسسات التي تجعل التعاون أمرًا متوقعًا، وبالقدرات النفسية لمن عانوا منه، وبالأطر الرمزية التي تُعرِّف الجماعات نفسها من خلالها.

لذلك لا يمكن أن يسير التعافي في مسار واحد. ومع ذلك، فإنَّ عمليات الانتقال في أعقاب الفظائع كثيرًا ما تنجذب إلى محور واحد، هو استحضار التماسك السابق للنزاع أو المصير المشترك بوصفه الأداة الترميمية الأولى. وهذا التوجه، الذي يمكن وصفه بخطاب الوحدة، ويُعرَّف هنا بأنَّه دعوات من أعلى إلى أسفل للانتماء الجماعي تسبق الاعتراف بالضرر وتحل محله، وهو توجه لا يكافئ حجم الضرر.

فعندما يحل محل العمل الهيكلي، تفشل المصالحة المبنية عليه عند أول اختبار جدي. فالتعافي الدائم يعتمد على عملية منظمة من الاعتراف، وإعادة البناء عبر الممارسات الروتينية، ومعالجة الصدمة، لا على مجرد تأكيد وجود جماعة دمّر العنف شروط قيامها المسبقة.

أول أوجه الفشل هو فشل الاعتراف. فالشخص الذي حُرم من مكانته لا يستعيدها لمجرد أنَّ المجتمع السياسي يؤكد انتماء جميع أفراده إليه. فالاعتراف عملية ثنائية، تتطلب إقرارًا من طرف آخر محدد، يكون في العادة هو الطرف الذي أنكر هذه المكانة، وذلك في ثلاث مجالات منفصلة: السلامة الجسدية، والمكانة القانونية، والتقدير العام. ويحمل تحليل أكسل هونيث لهذه المجالات دلالة بالغة الأهمية بالنسبة إلى سياسات ما بعد الفظائع.

فما تقدمه خطابات الوحدة ليس اعترافًا، بل إدماجًا في وصف ذاتي جماعي، وفي أسوأ الأحوال، اعتراف رمزي، حيث يُطمس موقع الجاني داخل “نحن” التي يُعاد تأكيدها بوصفها كيانًا واحدًا متكاملًا. ولا يمكن للشفاء البنيوي أن يتجاوز هذا الفعل الثنائي. فلا بد من تسمية ما حدث، ولمن حدث، وباسم من حدث. وحتى يتحقق ذلك، تكون الدولة قد خاطبت الطرف المتضرر من دون أن تعترف به.

أما الفشل الثاني فهو فشل الثقة. فالاعتراف لا يتحقق إلا إذا كانت البيئة الاجتماعية التي يحدث فيها قابلة للتنبؤ بدرجة كافية تجعله ذا مصداقية. والثقة بين الخصوم السابقين ليست شعورًا يُستثار بخطاب، بل هي توقع راسخ يتكون من التكرار، ومن ثبات السلوك المؤسسي، ومن تراكم لقاءات عادية لا تنقلب إلى عنف.

غير أنَّ الصراع العنيف يُدمّر هذه القدرة على التنبؤ على وجه التحديد. ولا يمكن لتأكيد لفظي على هوية مشتركة أن يعيد بناءها، لأنَّ الثقة تعمل في مستوى أعمق من ذلك الذي تعمل فيه البلاغة. فهي تُبنى في طوابير المكاتب الحكومية، وفي الفصول الدراسية المختلطة، وفي المحاكم التي تُصدر الحكم نفسه في كل قضية مماثلة. وهذا عمل غير جذاب، لكنَّه يشكل البنية التحتية التي يعتمد عليها الاعتراف. وحيثما تغيب هذه البنية، لا تردم إعلانات الوحدة الفجوة، بل تكشف عنها فحسب.

أما الإخفاق الثالث فهو إخفاق التوقيت. فالصدمات واسعة النطاق تُخلّ بالترابط السردي، والتسلسل الزمني، وإضفاء المعنى، ولا تنسجم معها اللغة السياسية التصريحية. وكما أوضحت جوديث هيرمان في عملها البحثي، فإنَّ التعافي يمر بتسلسل محدد: الأمان، ثم التذكر والحداد، ثم إعادة التواصل مع الحياة الطبيعية. وكل مرحلة تعتمد على سابقتها، ولا يمكن تجاوز أي منها.

وعلى المستوى الجماعي، يشير هذا التسلسل إلى أنَّ المجتمع الخارج من عنف الدولة الممنهج لا يمكنه بلوغ المصالحة قبل ضمان الأمان واستيعاب الخسارة مؤسسيًّا. ومع ذلك، تحاول خطابات الوحدة في الغالب تسريع مراحل لم يُنجزها المجتمع بعد. فهي تُعلن إعادة التواصل قبل الحداد، والحداد قبل الأمان، وتخلط بين الإعلان والإنجاز.

وأما الفشل الرابع هو فشل السرد. فكثيرًا ما يُوصف التعافي بعد الفظائع بأنَّه استعادة لقصة مشتركة، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن نوع هذه القصة هو ما يصنع الفارق. فالسرد الذي يُصر على الاستمرارية مع ما قبل الصراع، وعلى التماثل الجوهري للمجتمع فيما فعله وما عاناه، يُغلق الباب أمام الرواية الصادقة الوحيدة: تلك التي يُدمج فيها التمزق والفقدان في هوية جماعية متغيرة.

فالشفاء ليس عودة إلى الذات السابقة، بل هو تحول يتماسك بالسرد. وهذا السرد لا يكون مجديًا إلا إذا كان صوت المتضررين عنصرًا أساسيًّا فيه. وإنَّ سرد القصص الجماعي من هذا النوع، بما هو متعدد الأصوات، يُعد في حد ذاته عملًا رمزيًّا ومشروعًا. لذلك، فإنَّ الخلاف مع خطاب الوحدة لا يدور حول أهمية السرد الجماعي، بل حول من يكتبه ومتى يُكتب.

والاعتراض الطبيعي هنا هو أنَّ الممارسات الرمزية، مثل إحياء الذكرى، وإعادة تسمية الأماكن العامة، والاحتفالات المدنية المشتركة، كلها جزء من عملية التعافي، وأنََّ تجاهلها سيترك سياسات ما بعد النزاع من دون أدوات هي في أمسّ الحاجة إليها. وهذا الاعتراض صحيح، ولا يوجد في الحجج المناهضة لخطاب الوحدة ما ينفيه.

لكن الفرق يكمن في الترتيب والترابط. فالممارسات الرمزية التي تأتي بعد الإنصاف القانوني، والاعتراف بالتعويض، وإعادة الحياة إلى طبيعتها، تعزز العمل الذي بدأته مؤسسات أخرى بالفعل. أما خطاب الوحدة الذي يسبق هذه الخطوات ويحل محلها، فلا يعززها، بل يستبدل نفسه بها. والفرق هنا بنيوي أيضًا.

فالتعافي الحقيقي يتطلب جهات فاعلة محددة ذات التزامات واضحة: محاكم تُدين الجناة، ولجان تقصّي حقائق تُعد سجلًّا رسميًّا، وهيئات تعويضات توزّع التعويضات، وبرامج دعم نفسي اجتماعي ترافق الناجين في مسار التعافي. أما خطاب الوحدة فلا يتطلب شيئًا من ذلك. وتكمن جاذبيته السياسية، تحديدًا، في كونه مجانيًّا.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى