الاقتصاد أولا.. كيف تعيد السلطة السورية ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية؟

مالك الحافظ

تتجه تصريحات مسؤولي السلطة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية إلى التركيز على الاستقرار والاقتصاد وإعادة الإعمار وتحريك السوق وفتح مجالات الاستثمار، غير أن هذا الحضور المتكرر للملف الاقتصادي لا ترافقه صياغة سياسية واضحة تشرح شكل النظام الذي يجري الإعداد له، ولا توضح قواعد الحياة العامة المقبلة، ولا تقدم مدى زمنياً محدداً ينقل البلاد من السلطة الانتقالية إلى نظام تمثيلي منتخب.

بينما توضح تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع في لقاءاته الأوروبية الأخيرة طبيعة هذا التوجه. فالحديث يتركز على إعادة الإعمار والاستثمار وتنشيط الاقتصاد وفتح العلاقات الخارجية من هذا الباب، وتبقى الانتخابات وقوانين الأحزاب والإطار السياسي ضمن حديث مؤجل يرتبط بالدستور وإعادة بناء المؤسسات. وبهذا الترتيب تخرج الاستحقاقات السياسية من المجال التنفيذي المباشر، ولا تظهر لها خطوات تبدأ الآن ضمن خطة معلنة.

الانتقال من دون خريطة سياسية واضحة

كذلك لا تظهر في الخطاب الرسمي خريطة زمنية تشرح مراحل الانتقال السياسي على نحو متدرج ومحدد، حيث لا توجد مواعيد تقريبية لبدء تنظيم الحياة الحزبية، ولا إعلان واضح عن تأسيس مؤسسات تشريعية ورقابية مستقلة، ولا خطوات منشورة تفتح المجال العام وفق قواعد معروفة. هذا الفراغ يطول بنية المرحلة نفسها، ويجعل مدتها قابلة للاتساع من دون إطار سياسي مضبوط.

تظهر المشكلة بصورة أوضح عند النظر إلى الأدوات التي يفترض أن تنظم الحياة السياسية، فلا يوجد حتى الآن قانون للأحزاب، ولا آلية معلنة لتسجيلها، ولا قواعد تنظم العمل السياسي وتضبط حدوده وحقوقه. ومن دون هذه الأسس، لا يمكن التعامل مع الحديث عن الديمقراطية باعتبارها مساراً قائماً، لأن البناء القانوني والتنظيمي الذي يمنحه معنى فعلياً لم يبدأ بعد في صورة واضحة.

في حين ينعكس غياب التنظيم السياسي أيضاً على ملف إعادة الإعمار، فقد أشارت تقارير صادرة عن مؤسسات دولية معنية بالدول الخارجة من النزاعات، ومنها البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى حاجة إعادة الإعمار إلى مؤسسات عامة تعمل وفق قواعد واضحة وصلاحيات موزعة على نحو منظم، لأن الثقة العامة واستقرار السياسات وقدرة الدولة على إدارة الموارد ترتبط بوجود تمثيل سياسي ومؤسسات قابلة للمساءلة.

المقارنة تكشف منطق المرحلة السورية

وتُظهر تجارب دول خرجت من نزاعات داخلية أو تحولات حادة نمطاً يتكرر في إدارة المراحل الانتقالية، حيث يتقدّم الاقتصاد وإعادة الإعمار في الخطاب العام، ويأخذ موقعاً مركزياً في إدارة الدولة، في حين يتراجع العمل السياسي المنظم إلى موقع ثانوي.

في مصر، بعد عام 2013، برز خطاب اقتصادي مكثف ركّز على المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها توسعة قناة السويس الجديدة التي أُعلنت في عام 2014 ونُفذت خلال فترة قصيرة، ثم مشاريع بنية تحتية واسعة مثل العاصمة الإدارية الجديدة. خلال تلك المرحلة، ضاق المجال السياسي، وتراجع حضور التعددية الحزبية الفعلية، واستمر اتخاذ القرار ضمن نطاق تنفيذي مركزي.

وفي الجزائر، بعد نهاية العشرية السوداء مع مطلع الألفية الثالثة، وتحديداً منذ وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999، اعتمدت السلطة على استقرار اقتصادي نسبي قائم على عائدات النفط والغاز، ووسّعت برامج الإنفاق العام خلال العقد الأول من الألفية، خاصة بين عامي 2001 و2014، عبر خطط دعم اجتماعي ومشاريع بنية تحتية.

وخلال تلك السنوات، ظل القرار العام متركزاً داخل المؤسسات التنفيذية، ولم يأخذ الإصلاح السياسي مساحة كافية تعيد تشكيل الحياة الحزبية أو توسع التمثيل، الأمر الذي جعل الاستقرار الاقتصادي النسبي جزءاً من طريقة إدارة السلطة وإطالة عمرها.

الديمقراطية في سوريا.. أدوات غائبة

من جانبه يرى الباحث السياسي باسل ترجمان، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن موقع الديمقراطية يتحدد داخل المراحل الانتقالية منذ القرارات الأولى التي تضبط شكل السلطة، ويشير إلى أن تأسيسها يحتاج إلى أدوات واضحة تبدأ بالدستور وتمتد إلى قانون ينظم الأحزاب ويحدد قواعد العمل السياسي، ثم الوصول إلى انتخابات تُنتج تمثيلاً عاماً، ويؤكد أن غياب هذه الأدوات يترك المجال السياسي دون تنظيم ويمنح القرار التنفيذي حضوراً واسعاً داخل إدارة الدولة.

ويشرح أن الخطاب السياسي يغيّر موقع الديمقراطية عندما يفصلها عن أدواتها العملية، حيث يجري تقديمها بصياغات عامة ترتبط بالاستقرار أو بإعادة بناء المؤسسات، دون إدخال إجراءات تبدأ في الحاضر، ويشير إلى أن هذا الأسلوب يضع المفهوم خارج التطبيق ويمنع تحوّله إلى مسار منظم، ويجعل الحديث عنها منفصلاً عن أي خطوات تنفيذية.

كذلك يضيف أن هذا النمط في التعامل مع الديمقراطية يعيد تشكيل المجال العام، حيث تتركز إدارة الدولة داخل نطاق تنفيذي محدود، وتبقى القواعد التي تنظّم المشاركة السياسية خارج العمل الجاري، ويؤكد أن استمرار هذا المسار يؤدي إلى تثبيت إدارة تعتمد على القرار المباشر، ويُبقي المجتمع خارج عملية سياسية قائمة على التمثيل والتنظيم.

يكشف هذا المسار شكلاً في الحكم يجعل الاقتصاد والإدارة والخدمات في مركز الخطاب، إذ يظهر ذلك في ترتيب الأولويات، وفي موقع القضايا السياسية داخل المرحلة، وفي اتساع الدور التنفيذي في إدارة الشأن العام، ومن خلال هذا الترتيب، يكتسب الاقتصاد وظيفة تتجاوز معناه القطاعي، لأنه يدخل في صلب الطريقة التي تُدار بها المرحلة كلها.

حضور الاقتصاد في إدارة السلطة

يحضر الاقتصاد في الخطاب الرسمي عبر وعود متصلة بالنمو والاستثمار وإعادة الإعمار وتحسين حركة السوق، لكن هذا الخطاب يسبق المؤشرات الملموسة التي تسمح بقياس أثره في الإنتاج والدخل وفرص العمل. لذلك يبدو الملف الاقتصادي في صورته الحالية جزءاً من إدارة المجال العام وصياغة أولويات المرحلة ولا يزال حتى الآن أقرب إلى وعد سياسي منه إلى حصيلة اقتصادية مثبتة.

في حين تُدار الملفات الأساسية في المرحلة الحالية من داخل المستوى التنفيذي، حيث تتجمع القرارات الكبرى في هذا الإطار، ولا تظهر حتى الآن مؤسسات مستقلة مكتملة تستطيع موازنة هذا التركيز أو الحد من اتساعه. ويكشف هذا الشكل في الإدارة الطريقة التي تتكون بها السلطة خلال هذه المرحلة.

يزداد هذا الاتجاه مع بطء تشكل المؤسسات التشريعية والتنظيمية، لأن مؤسسات التمثيل والرقابة لا تزال غير مكتملة، ولأن الحياة السياسية لم تدخل بعد طوراً منظماً تحكمه قواعد معلنة، حيث يمنح هذا الفراغ القرار التنفيذي مجالاً أوسع للحركة، ويجعل بناء الحياة السياسية أبطأ وأقل تماسكاً.

وتكشف هذه الصورة العامة أن إدارة المرحلة في سوريا تسير وفق ترتيب يضع الاقتصاد والاستقرار وإعادة الإعمار في مقدمة الخطاب والعمل، في وقت لا تظهر فيه حتى الآن خريطة سياسية واضحة تنقل البلاد إلى مؤسسات تمثيلية منتخبة ضمن مدى زمني محدد. ويظهر أثر هذا الترتيب في شكل السلطة وفي ترتيب الأولويات وفي السرعة البطيئة التي يسير بها البناء السياسي. ومع استمرار هذا المسار، تتسع مساحة الإدارة التنفيذية، ويستمر التأجيل في بناء الحياة السياسية المنظمة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى