لماذا يربح أعداء أميركا ويخسر أصدقاؤها؟ مفارقة الدبلوماسية الأميركية

أحمد خليل طه

ثمة سؤال حيّر كثيراً من المراقبين للسياسة الدولية خلال العقود الماضية: كيف تنجح الدول التي تصنفها واشنطن “خصوماً” في انتزاع تنازلات دبلوماسية ملموسة، بينما يجد أقرب حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم في كثير من الأحيان مهمشين أو مضطرين لتحمل أعباء لا طائل منها؟ من تايوان إلى أفغانستان، ومن كوريا الجنوبية إلى الأكراد السوريين، يتكرر مشهد واحد: الخصم يجلس إلى طاولة المفاوضات ويخرج بمكاسب، بينما يقف الحليف خارج الغرفة يتلقى القرارات بعد أن تُتخذ.

هذه ليست مصادفة تاريخية ولا مجرد انحرافات عابرة في إدارات بعينها. إنها سمة بنيوية تكشف عن طبيعة القوة الأميركية وكيفية إدارتها لعلاقاتها الدولية. ففي اللحظة التي تقرر فيها واشنطن التفاوض مع خصم لدود، يصبح الحليف التقليدي عبئاً دبلوماسياً يجب تحييده، لا شريكاً يجب استشارته. المفارقة التي صاغها هنري كيسنجر ساخراً

“it may be dangerous to be America’s enemy, but to be America’s friend is fatal.”

اي “ربما من الخطر أن تكون عدوًا لأميركا، لكن أن تكون صديقًا لأميركا أمرٌ قاتل “

لم تكن مبالغة أدبية، بل توصيفا دقيقا لديناميكية تتكرر منذ الحرب الباردة وحتى اليوم.

ولعل أقدم هذه الأمثلة وأكثرها رسوخاً في الذاكرة الاستراتيجية هو مصير تايوان. في عام 1979 قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع تايبيه وألغت معاهدة الدفاع المشترك من طرف واحد، لتفتح الباب أمام التطبيع مع بكين، كانت تلك هي المرة الأولى في التاريخ الأمريكي التي تتخلى فيها حكومة في وقت السلم عن معاهدة مع حليف دون سبب يذكر سوى اعتبارات المصالح العليا مع خصم آخر، هذه السابقة لم تنسها عواصم العالم، وهي اليوم تعود إلى الواجهة في حسابات كوريا الجنوبية واليابان وبولندا وأوكرانيا وغيرهم.

ثم في 2019 قرر الرئيس الأمريكي الانخراط في مفاوضات مع كيم جونغ أون زعيم كوريا الجنوبية، وتم استبعاد سيول تماماً من المشهد حيث لم تستشر الحكومة الكورية الجنوبية في المقترحات التي قدمت لبيونغ يانغ، ولم تُدع لحضور أي من اللقاءات التاريخية. بل إن ترامب وعد كيم بتعليق المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، في تنازل أحادي فاجأ حتى البنتاغون، وفجأة وجد الحليف الذي يستضيف آلاف الجنود الأمريكيين على أرضه نفسه مجرد متفرج على مصير أمنه القومي.

الأمر نفسه تكرر بصورة أكثر مأساوية في أفغانستان، فاتفاقية الدوحة التي وقعتها إدارة ترامب مع طالبان عام 2020 استبعدت الحكومة الأفغانية المنتخبة تماما،  ورغم أن كابول لم تكن طرفا في المفاوضات، فقد ألزمتها الاتفاقية بالإفراج عن خمسة آلاف من مقاتلي طالبان – وهو تنازل هائل عزز موقف الحركة عسكريا وسياسيا، لم تحصل الحكومة الأفغانية في المقابل سوى على وعود غامضة بحوار داخلي، وكانت النتيجة معروفة لكل المتابعين: انسحاب أمريكي فوضوي، وانهيار الحكومة الأفغانية، وعودة طالبان إلى السلطة، الخصم ربح كل شيء، والحليف خسر كل شيء.

أما قصة الأكراد السوريين فتكاد تكون نموذجاً مختزلاً  للسياسة الأمريكية تجاه حلفائها، فقد سقط الكثير من المقاتلين الكرد وهم يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب القوات الأمريكية، اعتقدت قوات سورية الديمقراطية “قسد” أن هذا التحالف مع القوة العظمى في العالم ، بل الأعظم على مر التاريخ ، هو طوق النجاة لمشروع الوطن القومي للكرد  أو حكم ذاتي في أسوء الأحوال، لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، حين تغيرت خارطة السيطرة في سورية و سقوط الأسد،  باعت واشنطن مجددا حليفها الذي قاتل معها لسنوات كتفا بكتف كما يقال ، وتحالفت مع خصمها التاريخي الذي رصدت 10 ملايين دولار لمن يدلي لمعلومات تفيد بقتله او اعتقاله.

ما الذي يفسر هذا النمط المتكرر؟

 قد تكمن الإجابة في طبيعة العلاقة بين الدول القوية وحلفائها الأصغر، في نموذج “التابع والراعي”، تحتاج الدولة الصغيرة إلى الحماية التي توفرها القوة العظمى، بينما لا تحتاج القوة العظمى إلى أي تابع محدد بنفس الدرجة من الإلحاح، هذا التفاوت يمنح القوة العظمى نفوذاً هائلاً على حليفها، لكنه لا يمنحها النفوذ نفسه على خصمها الذي لا يعتمد عليها أصلاً، الخصم يستطيع أن يرفض ويغادر الطاولة، أما الحليف فمرتبط بعلاقة تبعية لا يملك رفاهية الانسحاب منها بسهولة.

أضف الى ذلك تأثير السياسة الداخلية الأمريكية، فحين تتفاوض واشنطن مع دولة معادية، تكون المخاطر السياسية عالية، وتحتاج الإدارة إلى إظهار “نصر” ما لتبيعه للجمهور، هذا يخلق حافزاً لتقديم تنازلات تضمن إنجاز صفقة يمكن تسويقها للرأي العام، أما حين تتعامل مع حليف أو صديق، فالجو السياسي أقل توتراً، والمخاطر السياسية أقل ولا مبرر حين ذلك تقديم التنازلات.

ربما يمتد هذا الدرس بجذوره إلى أعماق التاريخ، فالإمبراطورية الأثينية في القرن الخامس قبل الميلاد بدأت كحلف دفاعي طوعي بين دول المدن اليونانية لمواجهة الخطر الفارسي، لكنها تحولت تدريجياً إلى إمبراطورية قسرية تفرض الجزية على “حلفائها” وتستخدم أموالهم لبناء معابدها في أثينا.

درس التاريخي بسيط جدا: التحالفات غير المتكافئة تنزلق نحو الاستغلال وما لا يستطيع الحليف أخذه بقوته الخاصة لن يأخذه عبر التحالف، ويصبح الحليف عندها مجرد أداة في خدمة مشروع القوة العظمى لا أكثر.

والأدهى من ذلك كله أن هذا المشهد القديم المتجدد يُعرض علينا اليوم بفصوله ذاتها على مسرح الخليج. ففي الوقت الذي تدق فيه طبول حرب إقليمية جديدة تستهدف إيران، نجد دول الخليج العربية، حليفة واشنطن الاستراتيجية وحارسة مصالحها النفطية والعسكرية لعقود، هي الأكثر عرضة للضرر، اقتصادها الذي قد يتهشم بفعل استهداف ممرات الطاقة، وأمنها الداخلي المهدد بردود الفعل الصاروخية، يجعلانها المتضرر الأكبر من هذه المواجهة العسكرية، ومع ذلك، ها هي هذه الدول تُقصى مجدداً من طاولة المفاوضات المصيرية التي تُعقد في باكستان، وكأن لا صوت لها في رسم حدود النار التي قد تلتهم أمنها القومي.

وما يزيد الطين بلة تلك التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي يؤكد فيها أن دول الخليج “ستدفع تكاليف الحرب” أو ستساهم بسخاء في إعادة الإعمار بعدها، إنها حرب لا ناقة لدول الخليج فيها ولا جمل، تُخاض فوق رؤوسهم، ويُطلب منهم تمويل فاتورتها بينما تُصادر إرادتهم السياسية، هكذا تتجسد المفارقة الكيسنجرية في أبهى صورها: الخطر يحدق بالحليف المطيع، بينما يجلس العدو على طاولة المفاوضات ليفرض شروطا وحدودا جيو استراتيجية جديدة على الارض على حساب الحليف المطيع، فهل من مُدّكر؟ يقرأ التاريخ بعناية ويعتبر!!

إن الرهان الدائم على “المظلة الأميركية” قد يتحول في لحظة فارقة إلى حبر على ورق لا يقي من لهيب الصواريخ ولا من بازار السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى