
نبتعد عن أجواء الحرب في الشرق الأوسط، التي أرهقت النفوس، وحبست الأنفاس، وضيّقت فسحة الأمل لدى الأفراد والشعوب. ونعود بالقراء إلى المربع التونسي. لن يكون الحديث هذه المرّة عن الاعتقالات والمحاكمات المستمرّة، التي تتسع رقعتها حتى ملّ الجميع أخبارها، باستثناء من يتلذّذون بآلام الضحايا. وكان جديد هذا المسلسل محاكمة الأمسية الرمضانية التي صدر في أعقابها حكم قاسٍ آخر ضد راشد الغنوشي بلغ 20 عاماً. في المقابل، يركز هذا المقال على الحديث عن مثقف تونسي تصدّر المشهد، وعرفه من بقي يتابع الشأن الفكري والسياسي المحلي. هذا الجامعي الذي يتجنب تقديم نفسه مختصّاً في علم الاجتماع، ويلح على أنه “مواطن باحث”.
في رصيد مولدي القسومي أكثر من 20 كتاباً، أخرها “الوصايا العشر” الذي تناول مسائل حارقة، مثل الدّولة والجمهورية والنُّخب والجامعة والنقابة والمثقّف والإعلام والتحوّل الرقمي. تعرّض أخيراً لهجوم شديد من بعضهم بسبب مواقفه السياسية والفكرية. وليس غريباً أن يكون أشدّ المتحاملين عليه رفاقه السابقون في حزب “الوطد” اليساري الذي انسحب منه بعد اغتيال شكري بلعيد، بسبب اكتشافه أن المشروع الذي كان يعمل من أجله الشهيد، بناء جبهة عريضة تضم يساراً موحّداً، قد تبخّر، وأن التمييز بين الحزب والطائفة قد تلاشى، وتم الانتقال من العقل النقدي إلى “العقل الثأري”، حسب تعبير هذا المثقف المتمرّد على القوالب الجامدة، فقرّر الابتعاد نهائيّاً عمن اتهمهم” بسوء إدارة المرحلة والخصومة”. فالمرحلة، من وجهة نظره، تفرض على جميع الأحزاب والتيارات مراجعات عميقة، والتخلي عن المعارك القديمة. لكن جميع الأحزاب، حسب تقديره، رفضت هذا بشكل علني وصريح، وبقيت ترى في تراثها الأيديولوجي مرجعية مقدّسة، وتعتبر أن سجلها نقي، واستمرّت في معاركها ضد من تعتبرهم “خصوما تاريخيين”، رغم تغير الوقائع والسياق. وضرب القسومي مثالاً على هذا في حديثه المطوّل مع الصحافي محمد اليوسفي، وهو ما زاد في تأليب خصومه عليه. يتعلق بالمعركة المتواصلة من أجل الثأر من قتلة شكري بلعيد. ومما ذكره أنه كان عضواً في اللجنة التي تابعت مسار القضية، حيث كان مشرفاً على البحث العلمي للمركز التونسي للدراسات حول الإرهاب. وأصدر هذا المركز كتاباً تحت عنوان “الإرهاب في تونس من خلال الملفات القضائية”. وتبيّن له، بعد اطلاعه على جميع أوراق القضية، أن حركة النهضة “غير متورّطة في قتل بلعيد”. فكان قوله هذا بمثابة إعلان “الردة” في الفقه الإسلامي. لكن شجاعته ونزاهته جعلتاه يتمسّك برأيه، وهو صديق الشهيد، ومساند له، ووفي لمشروعه. كما اعتبر أيضا أن راشد الغنوشي وعبير موسي زعيمان سياسيان يجب التعامل معهما على هذا الأساس، فاتُّهم بـ”الخيانة”.
وحتى يبقى وفياً لقناعاته، انخرط القسومي في مبادراتٍ عديدة ذات منحىً تصالحي بعيداً عن المظلات الحزبية والأحكام المسبقة، اعتقاداً منه بأن الأحزاب التونسية فشلت في إيجاد طبقة سياسية تكون قادرة على “حماية الحياة السياسية من الانحرافات الكبرى”. كما حملها مسؤولية انهيار الانتقال الديمقراطي، بناء على دستور 2014 الذي صاغته، ونصت في بابه الرابع على الفصل 80 الذي استند إليه انقلاب 25 جويلية (يوليو/ تموز 2021).
على صعيد آخر، هاجم هذا “المواطن الباحث” عموم الجامعيين بأسلوبٍ شبيه بما فعله هشام جعيّط. إذ نادراً ما يهتم أحدهم بزملائه ويعترف بجهودهم. فالجامعة تعيش أزمة صامتة مخيفة، ويعتقد أن عقدة “الخواجة” تهيمن في الأجواء والعلاقات. وهو مؤمن بأن تونس في حاجة لمن وصفهم “الوسطاء الفاعلين” الذين يمكنهم بناء الجسور من جديد بين مختلف الأطراف المتناحرة. ويرى في البحث عن هؤلاء ضرورة قصوى للحدّ من هذا الانهيار الكبير. ورغم أنه ليس في برنامجه ولا من طبعه الترشّح لأي انتخابات مقبلة، لكنه مؤهل ليسهم في ترميم المؤسّسات الوسيطة التي تعرّضت لضرباتٍ قويةٍ همّشتها، وكادت تحوّلها إلى عروش خاوية، فهو ممن يؤمنون بالدور الاستراتيجي للثقافة في إنقاذ الدولة والمجتمع.
المصدر: العربي الجديد






