لماذا هذا الخوف من الإسلام؟

    صلاح الدين الجورشي

هناك حاجزٌ نفسيٌّ سميك لا يُرى، يتدخّل في كل مرة يتعامل خلالها عموم الغربيين مع الإسلام والمنتمين إليه. التعرّف إلى هذا المعطى من شأنه أن يساعد على فهم مواقف بعض كبار المثقفين والساسة الذين وجدوا أنفسهم أمام مسائل الدين والجغرافيا. فالأمثلة الموالية تؤكّد هذا، رغم أهمية هؤلاء ومكانتهم المرموقة. واللافت أن هذا الحاجز السميك يمكنه الانتقال كالعدوى إلى مثقفين وسياسيين من دول الجنوب، فيعيدون إنتاج السلوك العدواني تجاه الإسلام والمسلمين بعنصرية غير مبرّرة.

الشخصية الأولى التي قد تفاجئ القرّاء عندما يعرف اسمها ودورها ألمانية توفيت أخيراً، تاركة وراءها جهوداً فلسفية ضخمة. هو الفيلسوف وعالم الاجتماع بورغن هابرماس الذي عرف بنزاهته الفكرية، ودفاعه عن الديمقراطية باعتبارها “الخيط الرابط بين معظم أفكاره”، حسب كاتب سيرته ستيفان مولر. ورغم قدرته النقدية العالية، حيث تشكّل وعيه الأول خلال الفترة النازية، وإيمانه بأن اللغة والحوار هما الأساس الذي يقوم عليه التفاهم الاجتماعي، إلا أنه في آخر حياته وقع على بيان مع ثلاثة من زملائه ضد ما وصفوه بتهديد “الحياة اليهودية”، بمناسبة واقعة “طوفان الأقصى”. وأخطر ما في تلك الرسالة قولهم إن إسرائيل “لا تقوم بأي مجزرة في حق الشعب الفلسطيني”! فتدمير غزّة وقتل عشرات آلاف من أطفالها ونسائها كان مجرّد عمل شرعي ضد الهمجية الفلسطينية. كيف تبخّر التحليل العقلاني والوعي الإنساني الذي عرف بهما هذا الفيلسوف الكبير؟ أم أن ذلك الحاجز اللعين تدخل في اللحظة الأخيرة لإخفاء الجانب المتعلق بالقيم، وحجب جريمة الإبادة الجماعية.

الشخصية الثانية يكاد يعرفها أغلب المثقفين في العالم، إن لم يكن جميعهم، كارل ماركس. عند قراءة كتابه “رأس المال”، يتجلى هذا العقل استثنائيّاً بقدراته العجيبة على التحليل الاقتصادي والاجتماعي. فمنهجه في تفكيك صعود الرأسمالية وأزماتها كان لافتاً للنظر. مع ذلك، عندما وجد نفسه أول مرة على أرض إسلامية هي الجزائر، انكفأ هذا العقل، وارتدّ إلى الخلف، واستعمل مفردات بعيدة عن المساواة الإنسانية مثل “عصابة من العرب، البدو، العروق الدنيا”. كذلك لم يقم بإدانة عميقة وجذرية لظاهرة الاستعمار، الذي اعتبره حتمية تاريخية لتمدين شعب لم تبلغه الحضارة. ورغم إدراكه أن الفوارق الطبقية “لم تؤثر في شعور أبناء محمد بالمساواة المطلقة التي يظهرونها في علاقاتهم الاجتماعية”، إلا أن هذا لم يمنع ماركس من السخرية من لص جزائري اتهموه بالسرقة، وحكم عليه المستعمرون بقطع رأسه، فعلق على هذا بقوله: “هذا المسكين حين يصل إلى الجنة يجد محمداً يرفض دخوله إليها حتى يعود إلى الكفار ويأخذ رأسه، فالجنة لا يدخلها مسلمٌ بلا رأس”.

ويتعلق المثال الأخير بشخصية يحترمها أحرار العالم، ويعتبرونها من الزعماء لكبار. هو المهاتما غاندي الذي نجح في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني باعتماده سياسة اللاعنف. لم ينشأ في قرى الهند ومعابدها، بل “تخلقت أفكاره وتبلورت في غرف الرسم الأنيقة في إنكلترا في العصر الفيكتوري المتأخر خلال سنوات دراسته للقانون هناك”. ورغم أن تخرجه من جامعات لندن لم يكن غربياً، وحاول تجاوز النعرات الطائفية، وآمن بأن الهند بلد متعدّد الأعراق والديانات، ودعا إلى بناء “الوحدة الهندوسية الإسلامية”، مع هذا، كشفت المؤرّخة كاثرين تيدريك، في كتابها “غاندي: حياة سياسية وروحية”، “أن هذا الحكيم العلماني الذي مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في خطبه السياسية، هو نفسه الذي منع ابنه من الزواج بمسلمة، بحجج دينية إقصائية لا تخلو من نزعة عنصرية”، رغم تعلق الابن بحبيبته. وأمام إصرار الأب وعناده، وعدم تقديره هذه التجربة العاطفية، ترك ابنه ينهار نفسياً، ويتحوّل إلى مدمنٍ للخمر، يهيم على وجهه في حالة ضياع مؤلم.

هكذا يتبيّن أن الإسلام دين لا يعاني فقط مما فعله أبناؤه عبر التاريخ، ولكنه يواجه أيضاً حواجز شتى تجعله عرضة للإقصاء والتهميش.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى