لماذا يُقتل الشعراء؟

  آدم فتحي

                                                              

“قد أكون الضحيّة/ الشهيدة إن شاؤوا

في الصدع فأس/ في الصدر جرح

أمدّ يدي اليمنى/ تليها اليسرى/ ربّما معاً ننجو”

هكذا كتبت الشاعرة اللبنانيّة خاتون سلمى، التي استشهدت في الغارة الصهيونيّة الوحشية على بيروت، يوم الأربعاء القاتم (8 إبريل/ نيسان 2026). لم تمت وحدها. اغتيلت مع زوجها في بيتهما بتلّة الخيّاط. وكان يمكن حذف السطر الأخير. لا يموت الشعراء والكتّاب وحدهم إطلاقاً. إنّهم دائماً أكثر من واحد. هكذا تغيّب لوركا وبول نيزان وأبولينير وغسان كنفاني، إلى آخر قائمة يبدو أنّها بلا آخر. صار الخطّ المفتوح بين لبنان وفلسطين موعداً لكلّ من فقد شاعراً أو كاتباً في هذه الأرض. ها نحن نراهم: جملة أصوات متضافرة تتقاسم الهواء نفسه، لتقول إنّ الهواء ليس ملكاً لأحد. وما يُقصف في مثل هذه الحالات ليس مجرّد بيت، بل طريقة في رؤية البيت. ما يُقصف ليس جسداً محضاً، بل إمكانية أن يتكلّم الجسد. لذلك لا يُخشى الشاعر عادةً بسبب ما يظهر منه بقدر ما يُخشى بسبب ما يَخفَى. حتى لكأنّ تغييب الشعراء مديحٌ لما لا يرى، وجزءٌ من نظامٍ أكبر، يُعيد ترتيب العالم، بحيث لا يبقى فيه مكانٌ للجملة التي تُفكّر بجمال.

لكن لماذا يُقتل الشعراء؟ هل هم إرهابيون؟ هل تحتوي دفاترهم على خرائط أنفاقٍ تحت اللغة؟ هل تُخفي قصائدُهم شيفرات إطلاق صواريخ؟ هل تتحوّل تشابيههم إلى عبوّات ناسفة؟ هل يدُسّون قنابل في الاستعارات؟ هل تحتوي صورهم على أسلحة دمار شامل؟ لنحدّد السؤال أكثر: بأيّ ذنبٍ قُتلت خاتون سلمى؟ هل كانت في المكان غير المناسب في اللحظة غير المناسبة؟ وهل للشعراء زمان ومكان مناسبان؟ أليس من دورهم أن يكونوا دائماً وأبداً حيث يضيق بهم الزمان والمكان؟

الشعراء، في تعريفهم الأكثر إزعاجاً، كائناتٌ لا تجيد الصمت. تبحث عن الانزياح. تستعصي على الترويض. لا تنتج شيئاً قابلاً للقياس. لا تضيف إلى الناتج القومي. لا تحسّن ميزان المدفوعات. لا تصرُخ مع الصارخين، بل تفعل أسوأ من ذلك: تسمع ما لا يُسمع لمن لا يُسمع. تضع كلمة واحدة في غير مكانها، فتنهار الجملة الرسمية، ويتداعى النظام الفاسد، وتتوهّج الحرية. الحروب الحديثة لا تحتاج إلى قتل الأجساد فقط، بل تقتل المعنى، الذي يأتي الشعراء لإحيائه. هل يُقتل الشاعر بسبب ذلك؟ هل يُقتل لأنه مصدر خطر أم لأنه بلا حماية؟ السؤالان وجيهان. لا يُقتل الشاعر لأنه يشكّل خطراً مباشراً، بل لأنه يذكّر بأنّ هناك شيئاً يجب أن يُحمى. والحروب لا تحبّ التذكير طبعاً. موت الشاعرة ليس طارئاً إذنْ. إنه جزءٌ من نظامٍ أكبر يُحاول ترتيب العالم بحيث لا يبقى فيه مكانٌ للجملة التي تُفكّر بجمال. ثمّ إنّ الشاعر لا يملك دبابة، ولا قبةً حديدية، ولا حساباتٍ مصرفية في ملاذاتٍ آمنة. إنّه يكتب بجسده، وتلك خطيئته الأولى، ويُقيم في لغته، وتلك خطيئته الثانية، ولا يُقدّم معلومةً، بل تجربة، وتلك خطيئته الثالثة.

قُتلت الشاعرة، إذنْ، بوصفها كنايةً عن كلّ من قُتِل وما زال يُقتَل: تلاميذ المدارس في الشوارع والساحات، والرضّع، والأجنّة في بطون أمّهاتهم، وعاملات المصانع، والعاطلون، والأطبّاء والصحفيّون والعلماء، والأبرياء الخارجون من همومهم اليوميّة إلى همومهم اليوميّة، والذين كوّمهم الكانيباليزم الصهيونيّ في الشوارع والحقول. لن يفوتنا طبعاً تشغيل طاحونة الشيء المعتاد: نقول إنّ ما حدث مأساة. نكتب جملةً جميلة عن “الروح الباقية والقصائد الخالدة”. نشارك صورة أو تدوينة. نرسم قلباً أحمر بلوح المفاتيح أو بأصابع اليد، ثم نكمل يومنا، من دون أن ننتبه إلى أنّه مختلف، تنقصه خاتون سلمى، كما ينقصه آلافٌ ماتوا بضغطة زرّ من مجانين قتلة، يلتذّون بأكل اللحم الآدميّ. قتلت الشاعرة خاتون سلمى لأنّ جريرة الشاعر أن يحبّ هؤلاء، ورغبةً في أن تُقتل معها إمكانية أن يكون الحبّ جملةً قابلةً للاستمرار. الحرب بشكل عام، وهذه تحديداً، تكره الحبّ، تعتبره عنصراً زائداً، شبيهاً بالزخرفة في مبنى عسكري، ليس من حاجة إليه، بل هو خطر، لأنّه يذكّر بأنّ هناك شيئاً جوهريّاً يدور خارج المعركة. ذاك ما يقوله الشعر. ربما لهذا السبب تحديداً، من العبث قتلُ الشعراء، لأنهم، حتى وهم يُقتلون، يتركون وراءهم شيئاً لا يموت بموتهم.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى