
نبيل سليمان روائي سوري متميز له العديد من الروايات، قرأت منها السجين والمسلة منذ عقود كذلك قرأت اوْشام، والتباب ونقده، وليل العالم ، وتحولات الإنسان الذهبي وكتبت عنهم.
حجر السرائر رواية نبيل سليمان التي اكتب عنها تعتمد في سردها على لسان الراوي العليم، زمانها في أربعينيات القرن الماضي في سورية، شخصياتها الأساسية متعددة، ويدور الحدث الروائي حول المتغيرات السياسية والعسكرية والمجتمعية في سنوات ما بعد الاستقلال عن المستعمر الفرنسي.
تبدأ الرواية من متابعة حراك المحامي رمزي الكرمان الذي يعمل مع آخرين على كتابة دستور جديد لسورية التي استقلت حديثا عن الفرنسيين عام ١٩٤٦م. كان منشغلا بهذا حتى أطلقوا عليه لقب أبو الدستور. لكن رمزي يموت بظروف غامضة، يبدو وكأنه موت طبيعي لكنه يموت مسموما، على يد درّة زوجته وقريبها التي كانت تخونه معه. وسرعان ما تكتشف الجريمة وتحال الزوجة إلى السجن محكومة بالاعدام وتترك وراءها ابنتها نديدا الصغيرة تعاني من مقتل أبيها مظلوما ومن سجن امها. تحقد على أمها وتعيش فقد لأبيها يضاف اليه مشاعر الغضب من امها وشعور العار مما فعلته. تعيش في كنف جدتها في بيت عمها وتكبر كواحدة من العائلة.
الام القاتلة تتعرف بالسجن على الضابط حسني الزعيم المسجون ايضا في السجن لأسباب لها علاقة بدوره في الجيش في بداية استقلال سورية والصراع على الحدود مع الصهاينة الذين أعلنوا دولتهم على أرض فلسطين وحصل بينهم وبين الدولة السورية صراع ثم مفاوضات واتفاقات بعدها ثبت الحدود بين سوريا والكيان الصهيوني.
وثق حسني الزعيم من كونه سيخرج من السجن، وكانت معاملة درّة الزوجة القاتلة معه جيدة. وعدها انه سيساعدها بإخراجها من السجن. فقد خفف حكمها من الاعدام الى المؤبد. ثم بعد ذلك أفرج عنها بعفو رئاسي بعد أن أصبح حسني الزعيم الرئيس في أول انقلاب عسكري في سورية. وأصبحت تعيش تحت رعايته. لكن حكم حسني الزعيم لا يطول فسرعان ما يتم انقلاب عليه من الضابط سامي الحناوي الذي يحكم على حسني الزعيم ورئيس وزرائه بالقتل وتم إعدامهم. ولم يستمر حكم سامي الحناوي طويلا وحصل انقلاب آخر عليه من أديب الشيشكلي. لم يعدمه ونفاه إلى لبنان وهناك تم اغتياله ايضا.
في تلك السنوات كانت السياسة في سورية تتحرك تحت سلطة الجيش والمكتب الثاني الاستخبارات ووسيلة حل الخلافات بينها الاغتيال.
تعرفت نديدا على أغلب القيادات المؤثرة في السلطة الحاكمة وقتها. بقيت حاقدة على امها. التي توارت عن الأنظار بعد الانقلاب على حسني الزعيم ومقتله. والحقيقة أن ابن عمها الهارب الى فرنسا الذي أصبح فرنسي الجنسية. حضر الى سورية بعد خروجها من السجن واصطحبها معه وعاش واياها في فرنسا.
أما شبكة علاقات نديدا فقد أصبحت من هؤلاء المسؤولين المحيطين بالضباط الذين ينقلبون على بعضهم ويلوغون بدماء بعضهم البعض.
تزوجت نديدة ممن اعتقدت أنها تحبه. وأنجبت ابنا اسمته رمزي على اسم أبيها. ودرست الحقوق وأصبحت محامية. تشارك في المرافعات التي تحصل متابعة الشأن السوري العام.
شبكة علاقات نديدا زوج طلّقته لكن لا تستغني عن خدماته. وآخر قريب من أجواء الصحافة. وعدد من الضباط الذين يرون بها الانثى الاجمل والتي يتقربون منها. حتى لو كان بالزواج. ستحب البعض وتعجب بالبعض وترفض البعض واخيرا تستقر زوجة لاحدهم الاكثر مالا وجاها ومستقبلا زاهرا.
تنتهي الرواية عندما تعانق نديدا طوق الكهرمان الذي ورثته عن جدتها وتسمى إحدى حباته حجر السرائر وهي تعانق بعريّها البحر سابحة فيه.
في التعليق على الرواية اقول:
تعيدنا الرواية بطريقة السرد المتداخلة بين الخاص والعام في مرحلة نشوء الدولة السورية المستقلة في سنواتها الأولى. الى تلك المرحلة في معلومات مكثّفة فيه أسماء كثيرة لا اعلم هل هي حقيقية أم هي جزء من النسيج الروائي. وبكل الأحوال نجحت الرواية أن تضعنا في ذلك الزمان وتلك المرحلة بكل تخبطها وحيويتها وجنونها ونتائجها المؤلمة.
أشارت الرواية الى بدايات التصنيف الطائفي المجتمعي وأن سوريا كانت حبلى بكل أصناف التيارات الفكرية والسياسية بدء من الاخوان المسلمين الى البعث والى الاشتراكي العربي وحزب القوميين السوريين والقوميين العرب. توقفت عند القبض على انطون سعادة في سورية وتسليمه الى السلطة اللبنانية التي أعدمته. والى بدايات العمليات المسلحة لبعض الجماعات السياسية الاسلامية التي نسبت للاخوان المسلمين.
عشنا الوجع مما حصل في فلسطين وما تم التوقيع عليه من اعتراف ضمني بالصهاينة من خلال ترسيم الحدود السورية مع الكيان الغاصب.
لقد بدأ السوريون يحصدون نتائج التقسيم الفرنسي لسورية على أساس طائفي وعرقي. ليس فقط الدول السبعة التي تم تجاوزها بعد ذلك وليس فقط بكتائب الجيش من العلويين والدروز والأكراد. الذين كانوا من ملاك جيش المستعمر الفرنسي. وعندما زال المستعمر لم يزل معه غياب التأسيس الواقعي للصراع الطائفي العرقي في سورية. رغم كون الهوى السياسي العام كان هوى فوق سورية التي أسسها تقسيم سايكس بيكو. هواها كان سوريا الكبرى كما القوميين السوريين حزب انطون سعادة او الامة العربية كما حركة البعث التي أسسها ميشيل عفلق وصلاح البيطار والاشتراكي العربي لمؤسسها أكرم الحوراني. أو الامة الاسلامية كنما نظّر لذلك الاخوان المسلمون.
لكن سوريا وقتها وقعت ضحية الجيش بضباطه وأطماعهم الذاتية وهوسهم بالسلطة. وما لم تذكره الرواية بكونهم كجيش مسيطر في سوريا هم الاداة الاكثر استجابة لارادة الدول الغربية فرنسا وانكلترا الذين غادروا كمستعمرين ولكن لم يغادروا كرعاة لمصالحهم وكانت طبقة العسكر أداتهم للحفاظ عليها وحمايتها.
مرة أخرى للرواية ميزة إعادة إحياء تلك المرحلة للوعي و للحفاظ على الذاكرة المجتمعية لمرحلة مهمة من تاريخ سورية.






