الأحزاب السياسية العربية! الهامشية السلطوية وتراجع الأدوار

نبيل عبد الفتاح

تبدو حالات الأحزاب السياسية في المنطقة العربية غائمة وشاحبة وغائبة، ما بعد نهاية عالم الإيديولوجيات، والسرديات الكبرى الفلسفية، والأممية، والقومية، والوطنية. لم تعد حاضرة في ظل السلطويات الشعبوية ما بعد الربيع العربي على الرغم من تكاثر بعضها في بعض الدول. لا تظهر غالب هذه الأحزاب إلا من خلال البيانات السياسية العابرة على الحياة الرقمية، أو صور بعض قياداتها، وأعضاءها، واجتماعاتها، ولا تأثير لها في ظل طوفان المنشورات، والتغريدات والصور، والفيديوهات الطلقة التي تنتجها الجموع الرقمية الغفيرة على تعدد انتماءاتها الاجتماعية.

حالة الضعف البنيوي، والسياسي، والاجتماعي للأحزاب السياسية ما قبل، وما بعد الربيع العربي، تثير أسئلة عديدة، بما فيها الأحزاب السلطوية، أو الداعمة للسلطة الحاكمة في عديد البلدان العربية. هل أزمة الأحزاب هي انعكاس لأزمات الدول الوطنية الهشة ما بعد الاستقلال، أم مرجعها النظام السياسي وطبيعة السلطويات المسيطرة ؟!  أم أنها أزمات بنيوية في نشأة وتكوين هذه الأحزاب، وسردياتها السياسية والاجتماعية، وما تأثير الثورة الرقمية على وضعية هذه الأحزاب، ووظائفها السياسية؟

سنحاول تقديم بعض الملاحظات حول أزمات الأحزاب السياسية في المقال التالي  علي النحو التالي:

أولا: أزمات الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال.

ثانيا: أزمات الأحزاب السلطوية ما بعد الاستقلال.

أولا: أزمات الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال

نشأة بعض الأحزاب السياسية، في بعض الدول العربية ما قبل الاستقلال، على نحو ما ظهر في الحالة المصرية شبه الليبرالية، بعض هذه الأحزاب كان مواليا للقصر الملكي، وبعضها كان يقود الحركة القومية المصرية مثل حزب الوفد.  كانت الأحزاب الليبرالية وقادتها من النخب السياسية من كبار الملاك، والطبقة شبه الرأسمالية الصاعدة، ومن ثم كانت قواعدها الاجتماعية محدودة، بينما كان حزب الوفد، ومطالبه بالاستقلال، والدستور، هو تعبير عن صعود طبقة الأفندية، ورجال القانون -المحامين- الذين لعبوا دورًا كبيرا في الانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1919، وكان بعضهم أعضاء  في أحزاب الأقلية، وغالبهم داخل حزب الوفد.

الحيوية السياسية للوفد، ودوره الوطني وسع قاعدته الشعبية في المدن الكوزموبولتيانية، والأرياف، إلا أن محاصرة القصر، والسفارة البريطانية، ودعم بعض  أحزاب الأقلية السياسية لهم ، ساهم مع بعض التغيرات في إحداث تغير في التركيبة القيادية للحزب، من خلال سيطرت طبقتي كبار الملاك، وشبه الرأسمالية، على نحو أدى إلى بعض التناقضات والفجوات  بين القاعدة الاجتماعية للحزب، وبين قيادته، ناهيك عن الخطاب السياسي النمطي للحزب، وبرامجه السياسية، وهو ما أدى إلى خروج بعض من قواعده من الطبقة الوسطى إلى الأحزاب الماركسية لاسيما من بعض المصريين النوبيين، والأقباط، وبعضهم من الأقباط انتقل إلى الحركة الرهبانية، لإصلاح الكنيسة القبطية مثل البابا شنودة الثالث الذي تبوأ موقعه في عهد السادات ومعه أساقفة كبار م.

3- كانت بعض أحزاب الأقلية في السلطة أداة من أدوات القصر الملكي ، ةوالمندوب السامي البريطاني، وبعض قواعدهم الاجتماعية المحدودة.

4- كانت الأحزاب الماركسية، تعمل في سرية بعد فرض قيود على شرعية وجودها القانوني، وكانت أحزاب صغيرة، ومن الطبقة الوسطى، وبعض العمال، والقادة من الأقليات الدينية -المسيحيين واليهود والنوبيين-، وكانت أحزاب مغلقة تركز جُل اهتماماتها على القضايا التنظيمية، وأمنها الداخلي، والتنشئة الإيديولوجية لكوادرها، ولعب بعض الأدوار السياسية.

5- الأحزاب السياسية العربية ما قبل الاستقلال كان جُل اهتماماتها مسألة تعبئة الشعور الوطني في مواجهة الاحتلال -البريطاني والفرنسي والإيطالي- وكانت غالبُ قواعدها الاجتماعية، من المتعلمين وبعض الفئات الوسطى، ولم تكن تشكل أحزابا متماسكة تنظيميا، لأن وضعية مواجهة الاستعمار، كانت تتطلب  أداء أدوار التعبئة للشعور الوطني، والمطالبة بالاستقلال، أو تنظيم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال . بعض هذه الحركات الوطنية، اتسمت محمولاتها بجذور وخلفيات الانقسامية المجتمعية العرقية، والدينية والمذهبية والمناطقية والقبلية والعشائرية.

كان السمت الأساس للأحزاب العربية الوطنية ما قبل الاستقلال تتسم بالسيولة، وبعض من عدم النضج التنظيمي، والسياسي، وشيوع النزعة الشعاراتية، وبعض الاستثناء كانت في الأحزاب الماركسية، والعروبية.

من هنا لا نستطيع القول أن تجارب الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال، لم تكن على مستوى من النضج السياسي، والتنظيمي والبرنامجي، وكانت أحزاب وتنظيمات للحركات الوطنية ضد المستعمر، وركزت على الأبعاد السياسية في التعبئة للشعور الوطني الجماعي، ومقاومة الاحتلال الاستعماري سياسيا، والمقاومة المسلحة، على نحو ما ثم في الجزائر.

من هنا كان الإرث الحزبي، ما قبل الاستقلال يتسم بالهشاشة والسيولة، والشعارات السياسية التعبوية، وهو ما تم استصحاب غالبه ما بعد الاستقلال من قادة حركات التحرر الوطني العربية، في بناء الحزب الواحد ومعه بعض من قواعدهم في الجماعات التكوينية الدينية والمذهبية والقبلية والعشائرية والعرقية والمناطقية .

ثانيا: أزمات الأحزاب السلطوية ما بعد الاستقلال

الأحزاب السياسية ما بعد الاستقلال، بعضها استصحب معه أدواره في مواجهة الاستعمار، وفي انجاز الاستقلال الوطني، وفي قلب ذلك الدور التاريخي لأباء الاستقلال، ومن ثم محمولاتهم اثناء عمليات بناء الدولة في مجتمعات انقسامية  -باستثناء مصر والمغرب-،  وتقاليد الإدارة أغير المباشرة البريطانية ، والمباشرة الفرنسية ، ومن ثم- تأثرت الأحزاب السلطوية، والمعارضة بأنماط تراث وتقاليد البيروقراطية ما قبل الاستقلال  وهو ماشكل جذور بعض المشكلا الهيكلية للدولة، وذلك على النحو التالي:

  • في بناء الدولة الهشة العربية، ركز قادة ما بعد الاستقلال على مفاهيم السيادة، والوطنية، والتحرر الوطني، من خلال أجهزة الدولة الإيديولوجية، ونظام التعليم والتنشئة السياسية، والتركيز على الأجهزة الامنية والاستخباراتية، على حساب بناء المؤسسات المدنية، وهو ما أدى إلى إضعاف آية محاولات لبناء ثقافة سياسية مدنية، وديمقراطية، ومشاركة المواطنين، في حياة سياسية تعددية خاصة في ظل ظاهرة موت السياسة .

2- اعتماد قادة ما بعد الاستقلال علي الموالين والاتباع  من بعض قواعدهم الاجتماعية -القبلية والعشائرية والدينية والمذهبية والعرقية ومناطقهم كما حدث في العراق وسوريا واليمن  والسودان وتونس والجزائر – وغيرهم من المحاسيب ، ودمج بعضهم في مواقع أساسية داخل أجهزة الدولة والحزب الحاكم لضمان موالاتهم في دعم الحاكم الفرد الشعبوي .

3- ركزت السلطويات الشعوبية، وأيديولوجياتها الصاخبة على بناء أحزاب سلطوية داعمة للاولجاركية الحاكمة، وحول الحاكم الفرد، مع إضعاف السلطتين التشريعية الموالية، والقضائية غير المستقلة، ومن ثم غياب الفصل بين السلطات، وتوزيع القوة فيما بينهم، لصالح الحاكم الفرد، على نحو ما ساد ولايزال في غالب البلدان العربية.

3- أدى النظام  الارليجاركي ، والدمج بين السلطات، إلى إضعاف عمليات بناء الدولة وسلطاتها ، وهشاشة واضطراب الوعي الجمعي بها، وإضعاف النزعة المؤسسية، وثقافة المؤسسات، وإدارتها لصالح النزعة الشخصانية السياسية للحاكم الفرد، الشعبوي  ومراكز القوى حوله، وجذورها في بعض الجماعات التكوينية في مجتمعات انقسامية.

4- تم التركيز على الحزب الواحد، لأداء وظائف التعبئة السياسية، والاجتماعية، وغالب هذه التنظيمات السياسية الواحدية -وحتى في ظل الجبهات الوطنية الحزبية الهشة- لم تكن ذات تجانس اجتماعي معبر عن الواقع الموضوعي ، وإنما كانت تعبيرا عن حشود من مكونات اجتماعية ومصالح متنافرة ،ولا دور فاعل لها داخل هذه الأحزاب التي وجهت من أعلى قيادتها التابعة للحكم، إلى كافة هياكلها الأسمية الهشة، تعبيرًا عن الموالاة والتبعية للاوليجاركية الحاكمة، ومن ثم كافة شعارات تحالف القوى الاجتماعية، كانت فارغة من مضامينها على مستوى الفكر والممارسة والواقع الاجتماعي الموضوعي.

ضعف البرامج السياسية للحزب الواحد، والأحزاب المشاركة في الجبهات القومية”، ودونما مشاركة ديمقراطية، فاعلة نظرا لفرض قيود باهظة امنيا واستخباراتيا وقانونيا على الأنشطة الحزبية- على المثال البعثي السلطوي في سوريا-، ومن ثم هيمنت البيروقراطية الحزبية، والنزعة التعبوية، ولا ديمقراطية القرارات السياسية في نظم الحزب الواحدة.

6- القواعد الاجتماعية للأحزاب اتسمت بالمحدودية في التعبير عن مصالح قواعدها المفترضة ، والهشاشة الاجتماعية لبعض من تمثلهم شعاراتياً ،وارتبطت بعض هذه القواعد في اطر الحزب الواحد بالمصالح الشخصية، والقبلية، والعرقية، والعشائرية، من خلال علاقات الزبائنية السياسية، والمحسوبية.

7- غالب الأحزاب السياسية السلطوية  كانت نشأتها وتأسيسها، ذات طابع أمني، ومن ثم تغلغلت، وسيطرت الأجهزة الأمنية السلطوية على تركيبة، وأنشطة هذه الأحزاب الحاكمة وداخل المعارضات ، وخضعت لرقاباتها.

8- السيولة، والتغيرات الإيديولوجية، مع تغير الأولجاريكية ، الحاكمة، على نحو ما تم في مصر في عهدي السادات، ومبارك، وتونس في عهد زين العابدين بن على.

من هنا كانت الأحزاب الحاكمة ذات أدوار تعبوية، وتديرها أجهزة الأمن، والاستخبارات -حزب البعث في عهديالأسد الأب والأبن-، ويعتمد بعضها على تضامنات بين مجموعات أقلوية دينية، أو قواعد مذهبية وعشائرية ومناطقية في مواجهة مكونات مذهبية أخرى، وقومية كالشيعة والأكراد في ظل حكم صدام حسين.

بعض الأحزاب الطائفية، ذات قاعدة طائفية دينية مثل الخاتمية، والمهدية في السودان، في ظل

 ثنائية الحكم المدني، والعسكري بعد الاستقلال، وتهميش المكونات العرقية الأخرى، لصالح قبائل الوسط النيلي العربية، وهو ما أدى إلى تمدد الإسلام السياسي مع انقلاب حسن الترابي، وعمر البشير، ثم انقلاب بعض تلامذة الترابي عليه مع البشير والجيش ، ونشأة حزب المؤتمر الوطني -الإسلاموي- وهيمنته على الحكم وأجهزة الدولة، والجيش، والاقتصاد والتجارة ، ثم استقلال جنوب السودان، وانفجار الحرب الأهلية بين الدعم السريع، والجيش.

بعض الأحزاب السياسية اللبنانية، ارتكزت على البناء الطائفي، وقواعده الدينية والمذهبية، وسيطرت بعض البيوتات الطائفية على الأحزاب، وأجهزة الدولة، وسلطاتها، ومن ثم إضعاف الدولة لصالح مفهوم المحاصصات الطائفية في أجهزتها، وهو ما أدى ضمن أسباب أخرى إلى الحرب الأهلية واتفاقية الطائف، وضعف الدولة لصالح الأحزاب الطائفية لاسيما حزب الله. الذي اصبح فاعلاً سياسياً إقليميا مادون الدولة ، في علاقات الوثيقة بايران ، وتوظيف المظلومية التاريخية للطلئفة الشيعية في لبنان .

كانت ولا تزال الأحزاب السلطوية، والداعمية للاوليجاركية العربية، تتسم بالضعف المؤسسي،وتراجع أدوارها السياسية الهامشية، لصالح الزبائية السياسية، ومواقع القوة حول الحاكم الفرد، وضعف الثقافة السياسية المدنية، والديمقراطية وأزمات الشرعية السياسية، وخاصة بعد الربيع العربي، والثورة الرقمية، وأثرها على الأحزاب السياسية في الدول الرأسمالية النيوليبرالية،،  وعمليات التحول من الإناسة  الروبوتية إلى ما بعد الإنسان، في عالم سائل، وبه عديد الاضطرابات، والتغيرات فائقة السرعة.  (وللحديث بقية).

المصدر: الأهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى