بين أوكونكو والكمأة   (سيرة ضرس منهار)

عساف سلامة السلمان 

                       

لم أكن أعلم أنني ذاهب لإعطاء درس في الأدب العالمي أم لحضور عرض حيّ لانهيار أشياء… بعضها أدبي، وبعضها سني. اتصلت بي طالبة بصوت فيه خفة لا تليق بعنوان رواية حزينة. قالت: “ريد درسا عن “عندما تتداعى الأشياء.” وافقت فورا، فالمثقف — كما تعلمت من الحياة — لا يرفض عملا، خصوصا إن كان مغلفا بالأدب العالمي واسم تشنوا أتشيبي. حين وصلت، فتحت لي الباب. ولوهلة، شعرت أن الرواية أخطأت العنوان… فبعض الأشياء لا تتداعى، بل تتفتح. كانت شابة يفيض وجهها بحيوية تشبه صباحا ربيعيا لا يعرف الكسل، عيناها فيهما فضول طفل ودهاء قارئ قديم، تتحرك بخفة كأنها لا تلامس الأرض تماما، وكأنها — لو أرادت — تستطيع أن تقنعك بأن الأدب أهم من الخبز… أو على الأقل يوازيه. جلست أمامي، ووضعت دفترها، وانحنت قليلا وهي تتهيأ للدرس، فشعرت أنني أمام طالبة… ومحاضرة… وسبب إضافي يجعلني أبدو أكثر ذكاء مما أنا عليه.

بدأت الشرح، لكن هذه المرة كنت أتكلم وأختصر العالم كله في جمل قليلة، كأنني أخشى أن يسبقني شيء إلى التداعي: “الرواية، ببساطة، تحكي عن رجل اسمه أوكونكو… رجل بنى نفسه على الخوف من الضعف. في مجتمع تقليدي متماسك، تحكمه العادات والآلهة والذاكرة. لكن هذا التماسك يبدأ بالتصدع… ليس لأن الناس تغيروا فجأة، بل لأن عالما جديدا دخل عليهم.” كانت تنظر إلي، فتابعت — وقد بدأت أصدق نفسي: “يأتي الاستعمار… لا فقط بالبندقية، بل بالدين والقانون والأفكار. ينقسم الناس: بعضهم يتمسك بالماضي، وبعضهم ينجذب إلى الجديد. وأوكونكو… يرفض أن يتغير. يظن أن القوة تعني الثبات، بينما العالم حوله يتحرك.”

هزت رأسها، وكأنها تقول: أكمل. فقلت، وأنا أراقب انعكاس صورتي في عينيها أكثر مما أراقب الفكرة نفسها: “وفي النهاية، لا يسقط الرجل وحده… بل يسقط العالم الذي كان يعرفه.

التداعي هنا ليس سقوطا مفاجئا… بل تفكك بطيء: قيم تنهار، علاقات تتصدع، وهوية تضيع بين ما كان وما صار.” رسمت لها شجرة الشخصيات. لكن، بصراحة، كنت أراقبها أكثر مما أراقب الشجرة. كانت تتابع بعينين لامعتين، تهز رأسها أحيانا، وتبتسم أحيانا أخرى، فشعرت أنني لو شرحت لها قائمة مشتريات لبدت بيانا فلسفيا عن أزمة الحداثة.

ثم أدخلتُ إدوارد سعيد إلى النقاش، وقلت: “كما يرى إدوارد سعيد، المشكلة ليست فقط في أن الآخر يسيطر عليك… بل في أنه يعيد تعريفك. وأوكونكو، في النهاية، لا يخسر أرضه فقط… بل يخسر صورته عن نفسه.” كنت في قمة اندفاعي، كأنني على وشك إنقاذ العالم من سوء الفهم الثقافي… حين انفتح الباب فجأة. دخل رجل كهْل، يحمل صينية فيها كرات بنية اللون، ووجهه يحمل وقارا لا علاقة له لا بالاستعمار ولا بالنقد الأدبي. ألقى التحية وجلس، كأنه جاء ليقول إن كل ما سبق يمكن استبداله بلقمة واحدة.

قالت الطالبة، بابتسامة حاسمة: “كفانا حديثا عن أشياء تداعت… لنلتقط مما رزقنا الله.” وهنا شعرت أن رجلا ساخرا يبتسم في مكان ما. عرّفتني عليه: “هذا أبي. كان في صمانة العجمان، وعاد ومعه فقع (الكمأة ).”

الأب لم يضيع الوقت. بدأ يلتقط الكرات ويقذفها في فمه بثقة رجل يعرف أن الحياة لا تحتاج إلى كل هذا الشرح. أما أنا، فقررت أن أكون مثقفا حتى في الأكل.

أخذت كرة صغيرة، ضغطتها قليلا، تأملتها، كأنني أبحث عن لحظة دخول الاستعمار إلى بنيتها الداخلية. ثم وضعتها في فمي. وفي لحظة… انهار كل شيء. صرير حاد، كأنه النسخة الواقعية لعبارة: عندما تتداعى الأشياء. رمل… حجر… ثم فراغ. في تلك اللحظة، فهمت ما لم أفهمه في كل الشرح: التداعي ليس فكرة تُقال… بل تجربة تُعاش. توقفت.

ابتسمت ابتسامة مشروخة، نصفها مجاملة ونصفها كارثة.

الألم كان واضحا، لكن كرامتي الأكاديمية كانت أوضح. فالمثقف الحقيقي — كما أقنعت نفسي — لا يصرخ، بل يحلل الانهيار من الداخل.

نظرت إليها — وكانت ما تزال مشرقة كما هي، لا يتداعى منها شيء — وقلت: “يبدو أن أضراسي بدأت تتداعى… مثل الرواية.”

لم تضحك. ربما لأنها لم تصل بعد إلى فصل السخرية.

أما الأب، فكان في منتصف كرة جديدة، غير معنيّ لا بأوكونكو، ولا بالاستعمار، ولا بانهيار حضارتي السنية.

شكرتهم، ونهضت، وغادرت.وفي الطريق، فكرت: تشنوا أتشيبي كتب عن رجل رفض أن يتغير فسقط… وإدوارد سعيد شرح كيف يُعاد تشكيل العالم في عيون الآخرين…

أما أنا… فكنت المثال التطبيقي الوحيد على أن بعض الانهيارات لا تحتاج إلى استعمار… بل إلى قطعة فقع صلبة… وثقة زائدة بالنفس. لكن الشيء الوحيد الذي لم يتداعَ… كان تلك الابتسامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى