
قبل أذان المغرب بقليل، يصل حسن إلى منزله في معرة النعمان حاملاً كيس خبز وقطعة “معروك” اشتراهما لأطفاله بعد يوم طويل من العمل المتعب.
لم يكن ذلك سوى حصيلة ساعات من التنقل بين أعمال المياومة، من إزالة الأنقاض إلى أعمال البناء، في محاولة لتأمين دخل يومي بالكاد يغطي احتياجات عائلته.
قصة حسن قاموعا ليست استثناءً في المدينة الواقعة جنوبي إدلب، حيث يحاول كثير من العائدين إعادة بناء حياتهم بعد سنوات النزوح والدمار. لكن العودة إلى المدينة لا تعني بالضرورة عودة الحياة كما كانت، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتضرر البنية التحتية، يجد الأهالي أنفسهم أمام واقع اقتصادي صعب.
ومع غياب الرقابة على الأسعار وتراجع المساعدات الإنسانية، اضطر كثير من العائدين إلى البحث عن مصادر رزق بسيطة، فانتشرت البسطات الصغيرة والأعمال الحرة في الأسواق والشوارع، كوسيلة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
رزق العائدين تحت ضغط الغلاء
مع عودة الأهالي إلى معرة النعمان بدأت الأسواق تستعيد بعضاً من حركتها، لكنها عودة مختلفة عمّا كانت عليه قبل النزوح.
فبين الأبنية المدمرة والبنية التحتية المتعبة، يحاول السكان إعادة بناء مصادر رزقهم بوسائل بسيطة، كان أبرزها انتشار البسطات الصغيرة في الشوارع والأسواق.
بالنسبة لكثير من الأهالي، تحولت هذه البسطات إلى خيار اضطراري لتأمين دخل يومي، في ظل قلة فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوت الأسعار في الأسواق.
يقول حسان رمضان أبو قدور، صاحب بسطة خضر في مدينة معرة النعمان، لموقع تلفزيون سوريا: “البسطة لم تكن خيارنا الأول، لكنها جاءت نتيجة للظروف التي مرّت بها المدينة وأهلها خلال سنوات النزوح”، مشيراً إلى أن تفاوت الأسعار وغياب الرقابة يشكلان تحدياً يومياً للبائعين الصغار.
ويوضح أنه كان يمتلك محلاً لبيع الخضراوات قبل عام 2019، لكن النزوح الذي تعرّض له أهالي المدينة آنذاك أدى إلى خسارته لمصدر رزقه، قبل أن يعود لاحقاً إلى المعرة بعد تحررها.
ويضيف أن العودة إلى المدينة لم تكن سهلة، فحجم الدمار الكبير في الأبنية والأسواق، إلى جانب صعوبة الأوضاع المعيشية، دفع كثيرين إلى البحث عن أعمال بسيطة لتأمين قوت يومهم.
ويشير أبو قدور إلى اضطرار أصحاب البسطات أحياناً إلى رفع الأسعار بشكل محدود حتى يتمكنوا من الاستمرار في العمل.
كما يؤكد أن غياب الرقابة على الأسعار لدى بعض التجار الكبار يزيد من صعوبة الوضع، إذ ينعكس ارتفاع أسعار الخضراوات والفروج وغيرها من المواد الأساسية على البائعين والزبائن معاً، ويضيف أن أزمة الغاز التي كانت تؤثر على حياة الناس بدأت تشهد انفراجاً نسبياً في الفترة الأخيرة.
الأعمال اليومية الحرة
لكن البسطات ليست القصة الوحيدة في أسواق معرة النعمان، فالمعاناة تمتد أيضاً إلى العمال الذين يعتمدون على الأعمال اليومية الحرة.
أبو عوض، أحد أهالي المدينة العائدين حديثاً، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن الحياة اليومية بعد العودة ما تزال صعبة جداً في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة.
ويضيف أنه يعمل في الأعمال الحرة كعامل مياومة، متنقلاً بين إزالة الأنقاض أو العمل في الإنشاءات، في محاولة لتأمين دخل يعيل به أسرته.
ويشير إلى أن الدخل اليومي غالباً ما يكون محدوداً، في حين تبقى المصاريف مرتفعة، موضحاً أن “عائلة مكونة من زوج وزوجة وطفلين تحتاج إلى أكثر من أربعين دولاراً يومياً لتأمين احتياجاتها الأساسية”.
ويروي أبو عوض أنه قبل موعد الإفطار بساعتين في أحد الأيام لم يتمكن من الحصول على الخبز من الأفران، ما اضطره إلى شرائه من البسطات بسعر أعلى وصل إلى عشرين ليرة تركية إضافية.
كما يلفت إلى أن سعر أسطوانة الغاز يبلغ نحو 11 دولاراً داخل المراكز المخصصة للبيع، في حين قد يصل إلى قرابة 20 دولاراً خارجها، رغم أن الأزمة بدأت تشهد انفراجاً تدريجياً في الآونة الأخيرة.
قصص من سوق المدينة
ولا تتوقف شكاوى الأهالي في معرة النعمان عند صعوبة العمل أو ارتفاع الأسعار، بل تمتد لتشمل جوانب متعددة من الحياة اليومية، في ظل غياب فرص العمل الكافية وتضرر البنية التحتية بعد سنوات الحرب.
ويروي عدد من العائدين إلى المدينة تجارب مختلفة في محاولة تأمين لقمة العيش، فيقول بدر يوسف قشيط، من أهالي معرة النعمان، إن الغلاء بات الحديث الأبرز بين الناس، مؤكداً أن البسطة التي يعمل عليها لبيع الحلويات بالكاد تؤمّن الحد الأدنى من الدخل، خاصة أنه يشتري البضاعة من المحال الكبيرة بأسعار مرتفعة.
ويضيف أن منزله مدمر ولا يملك القدرة على استئجار منزل يتجاوز إيجاره مئة دولار، فضلاً عن كونه مصاب حرب، ما يجعل ظروفه المعيشية أكثر صعوبة.
أما بلال المعري، وهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، فيعمل سائق تكسي عمومي على سيارة ليست ملكاً له، ويتقاضى يومياً ما بين ستة إلى عشرة دولارات فقط، وهو مبلغ يقول إنه لا يكفي لتأمين احتياجات عائلته الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار.
ويشير إبراهيم سرجاوي، صاحب بسطة لبيع الخضراوات في أحد أسواق المدينة، إلى أن تقلب الأسعار يومياً يجعل العمل غير مستقر، إذ يضطر أحياناً إلى البيع بهامش ربح بسيط كي يحافظ على استمرار عمله.
في حين يوضح إبراهيم ريحاني، بائع مواد غذائية على بسطة صغيرة، أن ضعف القدرة الشرائية لدى الأهالي بات واضحاً، إذ يكتفي كثير من الزبائن بشراء كميات قليلة جداً من المواد الأساسية.
أما عمار المصري، الذي يعمل على بسطة لبيع الفواكه الموسمية، فيقول إن قلة رأس المال تمنعه من توسيع عمله، ما يجعله يعتمد على بيع كميات محدودة لا تحقق دخلاً ثابتاً.
ويضيف محمود جميل قزموز، بائع مواد متنوعة على بسطة في السوق، أن غياب الرقابة على الأسعار وارتفاع تكاليف النقل والبضائع يزيد من معاناة الباعة الصغار، الذين يحاولون الاستمرار في عملهم رغم الصعوبات اليومية.
عودة بطيئة إلى الحياة
بين أنقاض المنازل والأسواق المتضررة، يحاول أهالي معرة النعمان استعادة حياتهم تدريجياً، يعتمد كثير منهم على أعمال بسيطة ودخل محدود لتأمين احتياجات أسرهم، وبين الغلاء وتفاوت الأسعار وضعف الخدمات، تبقى معاناة العائدين اليومية شاهداً على صعوبة العودة بعد سنوات النزوح والدمار.
ومع ذلك، يواصل كثير من الأهالي العمل بما توفر من فرص. فبالنسبة لهم، لا تعني العودة إلى معرة النعمان نهاية المعاناة، بل بداية محاولة جديدة لبناء حياة من بين الأنقاض.
المصدر: تلفزيون سوريا






