التحدّي المعيشي أولوية غالبية السوريين

عبد الباسط سيدا

يعاني المواطنون في سائر المناطق السورية من ظروف معيشية بالغة الصعوبة، تتمثّل في شبه انعدام فرص العمل، وارتفاع مستمرّ في أسعار المواد الأساسية والخدمات الرئيسة، خصوصاً الكهرباء، ومشكلات كبرى في السكن، والتنقّل بين المحافظات وعلى مستوى النقل الداخلي في المدن الكبرى، وفي المقدّمة منها دمشق وحلب. وهذه الصعوبات هي حصيلة تراكمية لسلبيات عقود من حكم سلطة آل الأسد الاستبدادي الفاسد والمفسِد، منها سنوات عصيبة شنَّت خلالها تلك السلطة حرباً وحشيةً على السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وذلك بعد أن انسدّت الآفاق أمامهم، وتبيّن لهم أن جميع وعود الإصلاح التي روّجتها الزمرة التي أشرفت على عملية التوريث لم تكن سوى أدوات لإضفاء مسحة من الشرعية على سلطة لم تكتسب الشرعية قط، سواء في عهد الأب أو الابن.
الوطن ليس حكراً على هذه المجموعة أو تلك، ومن حقّ الجميع أن يكون لهم رأي في شكل الإدارة ووظيفتها وصلاحياتها
ورغم الوعود الوردية الارتجالية الكثيرة بشأن وجود برامج وخطط وإجراءات لمعالجة الأوضاع الاقتصادية، وهي الوعود التي أطلقها المسؤولون في الإدارة السورية التي تسلّمت مقاليد الحكم في سورية بعد انهيار سلطة الأسد وهروب الأخير، بناءً على تفاهمات إقليمية ودولية لم تعد خافية، فإنّ معاناة السوريين مستمرّةً، خصوصاً معاناة من يعيشون في المخيّمات، وهم الذين دفعوا، ويدفعون، ضريبة باهظة نتيجة رفضهم العودة إلى حظيرة حكم آل الأسد، وإصرارهم على ضرورة التخلّص منه، الأمر الذي تحقّق بفضل نضال السوريين وصبرهم؛ ولكن معاناة السوريين لم تنتهِ بعد، وهم في انتظار نهاية محنتهم التي تستعصي على أيّ توصيف. وهي معاناة ستؤدّي، ما لم تُعالج، وبالتفاعل مع اختلاطات الجروح المجتمعية في مناطق سورية عديدة، إلى القهر واليأس والانعزال والانطواء سواء على المستوى الجماعاتي أم على الصعيد الفردي. وما سيترتب على ذلك كلّه هو الإحباط والتوجّس والشكّ والخوف من المستقبل، وهذا حصيلته هشاشة المجتمع في مواجهة التحدّيات الكبرى التي تواجهها المنطقة عموماً، وسورية على وجه التحديد، خاصّةً بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتبعاته وآفاقه المفتوحة على جميع الاحتمالات.
فمن بين الوعود التي سمعها السوريون أن بلادهم ستستلهم تجربة سنغافورة التي حقّقت معجزةً اقتصادية غير مسبوقة رغم مساحتها المجهرية (نحو 740 كيلومتراً مربّعاً)، وافتقارها إلى الموارد الطبيعية والكتلة البشرية الوازنة، إلا أنها تمكّنت من النهوض والازدهار بفضل إصرار قيادتها على إدارة البلاد بحكمة وواقعية، والتزمت بالقوانين التزاماً صارماً، وركّزت على الشفافية والنزاهة، واستثمرت في التعليم النوعي الذي مكّنها من تأمين الاختصاصات المطلوبة ضمن إطار خططها التنموية، سيّما الاقتصادية منها، ومن دون محاولات اختراع العجلة مجدّداً.
وتبقى تجربة سنغافورة بقيادة رئيس وزرائها لي كوان يو (1923 – 2015) خاصّةً يمكن الاستفادة منها بهذا الشكل أو ذاك؛ ولكن الأساس في تلك التجربة يتمثّل في الانطلاق من الخصوصية المجتمعية، ووجود رؤية وخطّة تأخذان بعين الاعتبار الإمكانات والتطلّعات، وذلك كلّه لم يكن له أن يثمر لولا قناعة الناس بأهمية وجدّية المشروع، ومصداقية العاملين فيه، هذا إلى جانب الشفافية. وما يعزّز هذه القناعة لدى المواطنين هو معرفتهم بما يجري، وشعورهم بأن لديهم دوراً ومشاركة. وهكذا تمكّنت سنغافورة خلال ستّة عقود، وبتنوّعها المجتمعي الذي يتشكّل من قوميات مختلفة (الصينيون، الملايو، الهنود، وغيرهم) وأديان متعدّدة (البوذيون، المسيحيون، الهندوس، المسلمون، وغيرهم)، من تحقيق ما حقّقته.
واليوم، وبعد مرور أكثر من 15 شهراً على سقوط سلطة آل الأسد، ما زال السوريون في انتظار بدء تحرّك العجلة الاقتصادية، ولو ضمن الحدود الدنيا وفي نطاق مشاريع اقتصادية صغيرة تركّز على الإنتاج الزراعي، والثروة الحيوانية، والمهن المختلفة، وفتح قنوات التصدير، والسعي من أجل إيجاد فرص عمل للشباب السوري في دول الجوار. فكلّ ترويج المشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة لم يسفر حتى الآن عن تحوّلات نوعية ملموسة على أرض الواقع، ولم تتحسّن الظروف المعيشية للناس، بل ارتفعت الأسعار، وتضاءلت القدرة الشرائية، وبات المرء يقرأ البؤس والقهر والتساؤلات في عيون غالبية السوريين بكلّ وضوح، وبكلّ أسف.
لن تأتي الاستثمارات الكبرى من دون استقرار مجتمعي، وهذا الأخير لن يتحقّق في غياب التوافقات الوطنية المتجسّدة في العقد الاجتماعي على المستوى الوطني. وهذا كلّه لن يكون من دون حوار وطني عام جادّ لا يستثني أيّ طرف مجتمعي أو سياسي شريك في الوطن والمصير؛ حوار يستمع فيه الجميع إلى الجميع، يبدّد الهواجس ويركّز على المشتركات ويعزّز الثقة المتبادلة، ويتناول شكل الدولة ونظامها، وحقوق الجماعات والأفراد، ويؤكّد أهمية فصل السلطات، واعتماد مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة. ولا يمكن في هذا المجال التهرّب من الاستحقاقات المطلوبة بذريعة ضرورات المرحلة الانتقالية الطويلة، التي من المفروض أن تكون المرحلة الأهم لتأسيس الدولة السورية الجديدة على أسس سليمة، لتكون قادرةً على التحرّر من إرث الاستبداد والفساد الذي خلّفته السلطات البعثية والحكم الأسدي أكثر من ستّة عقود.
وحتى نوفّر الوقت والجهد، ونخفّف من المعاناة، ونُبعد احتمالات التصادم والتفجير، لا بدّ من القطع مع النهج التجريبي الارتجالي الرغبوي، وتجاوز خطاب الذين لم يتحرّروا بعد من المفاهيم التي رسّختها سلطات الاستبداد في ذهنية كثير من السوريين، ولم يتمكّنوا من استيعاب حقيقة أنّ سورية لا يناسبها التعصّب القومي أو الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي.
وإذا اعتمدنا النموذج السنغافوري مثالاً ملهماً لنا، فعلينا أن نقتدي بما فعله أصحاب هذا النموذج حتى تمكّنوا من إنجاز ما يحظى بتقدير العالم أجمع. وهذا فحواه احترام التنوّع السوري المجتمعي والسياسي والفكري، والركون إلى المؤسّسات، والالتزام بمبادئ فصل السلطات، والنزاهة والشفافية في كل شيء، وفي المقدّمة منها الأمور الاقتصادية لأنّها تمسّ بصورة مباشرة لقمة المواطنين. فالتعتيم وعدم الوضوح وغياب المساءلة والمحاسبة عوامل تمهّد الطريق أمام الفساد، والفساد، كما نعلم، هو أساس كلّ الشرور، وفي رأسها الاستبداد.
لن تأتي الاستثمارات من دون استقرار مجتمعي والذي لن يتحقّق في غياب التوافقات الوطنية
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الاهتمام الذي حظي به مقال مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمّد طه الأحمد، في صحيفة الثورة السورية (22/2/2026)، وتضمّن نقاطاً كثيرة مهمة سبق أن كتب حولها، وتحدّث فيها، كثير من السوريين. ولكن أنْ يتحدّث مسؤول من داخل السلطة بشأنها ويركّز عليها، فهذا يستوجب التوقّف عنده والتمعّن فيه، لأنّه يقول ما يقوله من موقع المطّلع على ما جرى ويجري، والمتابع له، والقادر على استشراف ما قد يحصل، بناءً على ما هو مطّلع عليه، في حال عدم اتخاذ الخطوات المطلوبة في الوقت المناسب. فأنْ يقول الأحمد من موقعه الرسمي: “التحدي الداخلي الأكثر إلحاحاً يتمثّل في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والعرقي ضمن إطار وطني جامع”، ويدعو إلى “دمج القوى السياسية والاجتماعية في عملية صنع القرار ضمن إطار وطني جامع يرتكز على مصلحة الوطن العليا، وتفكيك أسباب التوتّر بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضه”، ويقترح “تحويل مراكز القوة المحلّية من عوامل تهديد إلى روافع استقرار، من خلال تعبئة القوى الفاعلة وتوظيفها في صناعة القرار وتبنّيه في كلّ الأحوال”، فهذا فحواه أنّ الشعور بضرورة إجراء مراجعة نقدية شاملة واعتماد المطلوب إنجازه خلال المرحلة الانتقالية لم يعد يقتصر على السوريين الحريصين على وطنهم وشعبهم من خارج دائرة السلطة، بل امتدّ ليشمل من يعملون ضمن السلطة. وتفسير ذلك هو الإحساس المشترك بالمخاطر في أجواء مؤشّرات الزلازل والعواصف السياسية الكبرى على المستويَين الإقليمي والدولي.
امتلك السوريون خلال أعوام الثورة الطويلة، ونتيجة معاناتهم ومشاهداتهم، خبرةً كافيةً وحسّاً سياسياً متقدّماً، كما تعلّم الشباب السوري المهاجر في أرقى الجامعات، واطلعوا على أحدث المعارف، وأتقنوا اللغات والتقنيات، وبنوا العلاقات مع المؤسّسات الدولية في مختلف الاختصاصات، وذلك كلّه لا بدّ أن يُؤخذ بعين الاعتبار. لأن الوطن ليس حكراً على هذه المجموعة أو تلك، بل هو ملك للجميع، ومن حقّ الجميع أن يكون لهم رأي في شكل الإدارة ووظيفتها وصلاحياتها. ومن الطبيعي أن تكون لديهم القدرة على مساءلتها ومحاسبتها ضمن الأطر المؤسّساتية، وبناءً على القوانين التي قد يوافق عليها المواطنون الأحرار، حتى لا تتراكم السلبيات ونتحاشى الانسدادات.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى