أزمة المرحلين السوريين في مصر.. احتجاز مفتوح بانتظار ثمن تذكرة السفر

تحولت مراكز الاحتجاز، التي يفترض أن تكون محطة مؤقتة تسبق المغادرة، إلى أماكن انتظار مفتوحة لعشرات السوريين العالقين بين قرار إداري بالترحيل وعجز مالي يعطل تنفيذه، إذ يتصور بعضهم بعد صدور قرار الإبعاد أن أيام احتجازهم أصبحت قليلة، غير أن الواقع يفرض شرطاً يقضي بتحمل المرحل كلفة سفره إلى سوريا من ماله الخاص، ما يحول الفقر إلى عامل يطيل بقاءه قيد الاحتجاز.
عدد غير قليل من السوريين ما يزالون في مقار الاحتجاز منذ أسابيع، فقط لأنهم لم يتمكنوا من تأمين ثمن تذكرة طيران إلى دمشق. رغم عدم وجود اتهامات جنائية جسيمة في ملفاتهم، إذ تقتصر أسباب الاحتجاز في معظم الحالات على مخالفات إقامة أو قرارات إدارية صدرت ضمن حملات أمنية شهدتها البلاد منذ مطلع العام.
ورغم أن ثمن التذكرة قد يبدو محدوداً لدى بعضهم، فإنه يفوق إمكانات عمال اليومية الذين يعتاشون يوماً بيوم من دون أي مدخرات، ولا سيما بعد أن فقدوا مصادر رزقهم بشكل مفاجئ، ليصبح الفقر عائقاً يحول دون تنفيذ قرار صدر فعلاً.

شباب بلا سند وأسر تدفع الثمن
ينتمي كثير من الموقوفين إلى فئة الشباب الذين قدموا إلى مصر خلال السنوات الماضية بحثاً عن عمل، وهرباً من بطش النظام البائد، بعضهم يعيش بمفرده، بينما يعيل آخرون عائلات كاملة تعتمد على دخلهم الشهري.
أحمد (اسم مستعار) أوضح لموقع “تلفزيون سوريا”، أن صديقه صدر بحقه قرار ترحيل، وحين تواصل مع عائلته في دمشق لطلب المساعدة في تأمين ثمن التذكرة، لم تتمكن الأسرة من تلبية طلبه أو تأمين المبلغ المطلوب، إذ بالكاد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية، وكان هو المعيل الرئيسي لها. ولفت إلى أن والدة صديقه حاولت الاستعانة بالأقارب والمعارف، لكن أوضاع الجميع متردية.
وفي حالة أخرى، بيّنت سناء (اسم مستعار)، زوجة أحد المرحلين وأم لطفلين، أن زوجها كان يعمل في أحد المطاعم قبل توقيفه قبل ثلاثة أسابيع، ما أدى إلى فقدان الأسرة مصدر دخلها الوحيد.
وأشارت إلى أنها تكافح لتأمين إيجار المنزل والطعام لأطفالها، متسائلة عن إمكانية توفير ثمن تذكرة السفر في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها عائلتها وعائلة زوجها، مؤكدة أنهم لا يملكون شيئاً يمكن بيعه لتغطية التكاليف، وأن احتجازه تسبب في انهيار الأسرة بالكامل.
تضامن محدود أمام أعداد متزايدة
أمام هذا الواقع، برزت مبادرات فردية من أبناء الجالية السورية في مصر، تكفلت بدفع ثمن تذاكر لعدد من الحالات الأشد فقراً، إلا أن الأعداد ما تزال تفوق الإمكانات المتاحة.
أحد المتطوعين، فضل عدم ذكر اسمه، قال لموقع “تلفزيون سوريا” إن الجهود خلال الأسابيع الماضية أسهمت في تأمين تذاكر لعدد محدود من الشباب، غير أن قائمة الانتظار طويلة وتتجدد يومياً. ولفت إلى أن قيمة التذكرة الواحدة قد تعادل دخل أسرة كاملة لشهر أو أكثر، ما يجعل التبرعات الفردية حلاً مؤقتاً لا يعالج أصل المشكلة.
هذا الواقع خلق مفارقة واضحة، من يتمكن من تأمين التذكرة يغادر سريعاً، ومن يعجز يبقى قيد الاحتجاز، لتصبح القدرة المالية معياراً يحدد مدة البقاء في مراكز الاحتجاز.
مناشدات رسمية وأمل معلّق
في موازاة الجهود الفردية، تصاعدت مناشدات موجهة إلى الحكومة السورية والسفارة السورية في القاهرة للتدخل والمساعدة في تغطية كلفة السفر أو إيجاد آلية تضمن عودة المرحلين من دون تحميلهم أعباء مالية تفوق طاقتهم.
وأكد أقارب بعض المحتجزين أنهم حاولوا التواصل مع جهات رسمية، من دون تلقي ردود واضحة حتى الآن. سليم (اسم مستعار)، شقيق أحد الموقوفين، شدد على أن الأسرة لا تطلب سوى تسهيل عودته، متسائلاً عن سبب استمرار احتجازه رغم صدور القرار، ومشيراً إلى أن طول الانتظار بات أشبه بعقوبة إضافية غير منصوص عليها.

أبعاد قانونية وإنسانية
من الناحية القانونية، يُعد الترحيل إجراءاً إدارياً يهدف إلى إنهاء الإقامة غير القانونية، لكنه لا يفترض أن يتحول إلى احتجاز مفتوح المدة. ويرى حقوقيون أن استمرار احتجاز الشخص بسبب عجزه عن دفع كلفة السفر يطرح إشكاليات إنسانية، خصوصاً في ظل غياب سقف زمني واضح لتنفيذ القرار.
كما يضاعف طول فترة الاحتجاز الأثر النفسي على الموقوفين وأسرهم، إذ يتفاقم القلق وانعدام اليقين والشعور بالعجز أمام مبلغ مالي يحول دون الحرية.
أحد المفرج عنهم مؤخراً بعد تكفل متبرع بثمن تذكرته، أشار إلى أن الأصعب لم يكن قرار الترحيل بحد ذاته، بل الانتظار إذ يشعر المحتجز أن حريته معلقة بسعر تذكرة.
وحتى تتضح صورة التدخلات الرسمية أو تتوسع دائرة الدعم، يبقى عشرات الشبان خلف الأبواب المغلقة، لا يفصلهم عن العودة إلى بلادهم سوى تذكرة سفر تحولت من وسيلة عبور إلى عائق فعلي بين قرار صدر وعودة لم تكتمل بعد.
المصدر: تلفزيون وسريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى