رسائل تتخطى سوريا.. ما هدف “حزب الله” من محاولة استهداف الحاخام ميخائيل حوري؟

لا تبدو محاولة استهداف الحاخام اليهودي ميخائيل حوري في قلب العاصمة دمشق حدثاً أمنياً عابراً، بقدر ما تفتح باباً واسعاً لقراءة الرسائل الكامنة خلفها، والجهات التي تقف وراءها، فالعملية التي أعلنت وزارة الداخلية السورية إحباطها في حي باب توما، بعد رصد تحركات امرأة حاولت زرع عبوة ناسفة قرب منزل شخصية دينية في محيط الكنيسة المريمية، وما تبعها من كشف ارتباط الخلية المنفذة بـ”حزب الله” اللبناني، تطرح تساؤلات تتجاوز طبيعة الهدف المباشر.

إذ يكتسب الحدث دلالات خاصة بالنظر إلى حساسية المكان، وطبيعة الشخصية المستهدفة، فضلاً عن توقيته الذي يتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية، سواء على خلفية المواجهة الأميركية الإيرانية أو الضربات الإسرائيلية المتكررة على “حزب الله”.

 وفي هذا السياق لا تبدو العملية منفصلة عن محيطها الأوسع، بل أقرب إلى محاولة إيصال رسائل متعددة المستويات، تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية مع الحسابات السياسية، وتتجاوز حدود الجغرافيا السورية إلى فضاء إقليمي أكثر تعقيداً.

بصمات ميدانية رغم النفي

رغم النفي الذي أصدره “حزب الله” حول علاقته بتجنيد الخلية التي حاةلت اغتيال الحاخام حوري، يرى مراقبون أن طبيعة العملية والوقائع المرافقة لها تحمل مؤشرات واضحة على نمط سبق أن ارتبط بالحزب في حوادث مشابهة.

وكان الحزب قد قال اليوم الأحد في بيان إنه “لا يمتلك أي نشاط أو ارتباط أو علاقة مع أي طرف في سوريا، وليس له أي وجود على أراضيها”، مدعياً أنه “حريص على أمن سوريا واستقرارها وسلامة شعبها بكل مكوناته”.

ودعا الحزب الجهات المعنية في الدولة السورية إلى “التحقق الدقيق قبل إطلاق الاتهامات جزافاً”، مشيراً إلى وجود “جهات استخبارية تسعى لإشعال التوتر بين لبنان وسوريا عبر هذه الاتهامات”، على حد تعبيره.

في المقابل لا تبدو هذه الحادثة – وفق معطيات أمنية سابقة – معزولة عن سياق أوسع، إذ كشفت وزارة الداخلية السورية في الأول من شباط الماضي تفاصيل خلية نفذت اعتداءات استهدفت منطقة المزة ومطارها العسكري في دمشق، مؤكدة أن التحقيقات الأولية أظهرت ارتباط أفرادها بجهات خارجية، وأن الأسلحة المستخدمة تعود لـ”حزب الله” اللبناني، إلى جانب معدات وتقنيات تُستخدم عادة في هذا النوع من العمليات.

وفي هذا السياق يقول الصحفي اللبناني علي الأمين، مدير تحرير موقع “جنوبية” في لقاء على تلفزيون سوريا ضمن برنامج “سوريا اليوم” إن “حزب الله اعتاد في مثل هذه الحالات، وعندما تعلن دولة ما عن إحباط مخطط مرتبط به، أن يسارع إلى إصدار بيان ينفي فيه أي صلة بالعملية”.

ويضيف أن “النظر إلى طبيعة العملية الحالية، وربطها بحوادث سابقة نفذتها أذرع إيران في المنطقة، يُظهر أنها تحمل بصمات قريبة من أساليب عمل الحزب”، مشيراً إلى أن “الأجهزة الأمنية السورية أعلنت خلال الفترة الماضية ضبط عدد من الخلايا وشبكات التهريب المرتبطة بالحزب، منذ سقوط النظام المخلوع.

رسائل متعددة الاتجاهات

تحوّلت محاولة الاستهداف، بحسب تحليلات سياسية وأمنية، إلى أداة لإيصال رسائل مركبة، تتقاطع فيها حسابات الداخل السوري مع رهانات الإقليم، في مؤشر على أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق أوسع من العمليات التي تحمل أهدافاً تتجاوز حدودها المباشرة.

وفي هذا السياق يقول الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية عمار فرهود، خلال مشاركته في برنامج “سوريا اليوم” على تلفزيون سوريا، إن “حزب الله” عمل من خلال هذه العملية، وما سبقها من عمليات تم ضبطها، على إيصال رسائل في عدة اتجاهات أبرزها:

أولاً رسالة إلى المكونات غير المسلمة في سوريا، مفادها أنها مستهدفة، بما يدفع نحو إثارة القلق وتحريك هذه المكونات باتجاه خلق حالة من البلبلة والضغط على الحكومة.

كما تحمل العملية، بحسب فرهود، رسالة مباشرة إلى الحكومة السورية، مفادها عدم قدرتها على حماية جميع مكونات المجتمع، وهو ما من شأنه أن يضرب جزءاً أساسياً من سرديتها القائمة على حماية السوريين بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية.

وفي قراءة أخرى، يرى فرهود أن العملية توجّه رسالة إلى إسرائيل، مفادها أن سوريا، حتى وإن لم تصدر عنها تهديدات مباشرة، باتت ساحة أمنية غير مستقرة، وقد تتحول إلى مصدر تهديد في أي وقت، وهو ما قد يدفع إسرائيل إلى الانخراط بشكل أعمق داخل الساحة السورية.

أما على المستوى الدولي، فيشير فرهود إلى أن هذه العمليات تحمل رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن قرار إسقاط النظام السابق كان “خطأ استراتيجياً”، لأنه – وفق هذا الطرح – أدى إلى تحويل سوريا إلى ساحة اضطراب أمني واجتماعي.

من جهته، يطرح الصحفي اللبناني علي الأمين دافعاً إضافياً، معتبراً أن هذه العمليات يمكن قراءتها في سياق العبث بأمن الدول لخدمة المصالح الإيرانية، مشيراً إلى أن سلوك “حزب الله” في المنطقة يعكس نمطاً قائماً على استخدام ساحات متعددة لتصفية حسابات إقليمية، ويضرب الأمين مثال على ذلك بإطلاق “حزب الله” صواريخ باتجاه إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

تفكيك الشبكات.. واستباق الخلايا

تتكرر في الآونة الأخيرة إعلانات وزارة الداخلية السورية حول تفكيك شبكات تهريب أسلحة ومخدرات مرتبطة بـ“حزب الله” اللبناني، لا سيما في المناطق الحدودية مع لبنان، في مؤشر يعكس اتساع نشاط الأجهزة الأمنية في ملاحقة هذا النوع من الخلايا، ضمن سياق أمني يتصل بضبط الحدود الغربية ومنع عمليات التهريب والاختراق.

وفي هذا السياق يقول الباحث عمار فرهود إنه “قد نشهد في القريب العاجل إعلانات إضافية عن إلقاء القبض على خلايا كانت تنوي تنفيذ عمليات داخل سوريا”، مشيراً إلى أن ذلك يعكس – بحسب رأيه – تزايد قدرة الأجهزة الأمنية السورية على تتبع وتحليل شبكات الاتصال والأوامر المرتبطة بحزب الله داخل الأراضي السورية.

ويضيف فرهود أن هذا التطور يشير إلى أن الجهات الأمنية باتت تمتلك قدرة أكبر على “اختراق سلسلة الأوامر” التي تُدار من الخارج، والعمل على تفكيكها أو مراقبتها قبل تنفيذ أي عمليات محتملة داخل البلاد.

كما يرى أن نجاح الأجهزة الأمنية في ضبط هذه الخلية “يسهم في تفكيك سرديات متعددة”، موضحاً أن ذلك يحقق ثلاث رسائل رئيسية:

الأولى تأكيد قدرة الدولة السورية على حماية مختلف المكونات، بما في ذلك الأقليات، الثانية، توجيه رسالة إلى الإقليم بأن سوريا لا تريد أن تكون منطلقاً لأي تهديدات أمنية، والثالثة تقديم إشارة إلى المجتمع الدولي بأن دعم المرحلة الانتقالية في سوريا كان خياراً صائباً من منظور الاستقرار.

في المحصلة لا تبدو محاولة استهداف الحاخام ميخائيل حوري في دمشق مجرد حادثة أمنية معزولة، بل حلقة ضمن مشهد أكثر تعقيداً تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الرسائل السياسية والإقليمية، فبين النفي الرسمي وقراءات المعطيات الميدانية، يتسع نطاق التساؤل حول طبيعة الأدوار التي تُراد للساحة السورية أن تلعبها في هذه المرحلة.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كان كشف الأجهزة الأمنية السورية خلية إرهابية مرتبطة بأجندات خارجية لزعزعة الأمن والإستقرار بالوطن “سورية” “يسهم في تفكيك سرديات متعددة ، وأياً كانت الأجندة الخارجية

زر الذهاب إلى الأعلى