السعودية تستثمر في سوريا.. ماذا عن لبنان؟

محمد فواز

ما تزال أعينُ من يراقب المنطقة ودينامياتها تتركّز على سوريا، باعتبار أنّ جزءًا كبيرًا من التحركات السياسية والاقتصادية الجديدة بات ينطلق منها أو يمرّ عبرها.
وضمن التنافس السعودي-الإسرائيلي المستمر، خرج تقريرٌ مسرّب خلال الأيام الماضية يفيد بأنّ السعودية تدرس تعديل مسار مشروع كابل اتصالات وإنترنت (ألياف ضوئية) يربط المملكة بأوروبا عبر اليونان، بحيث يمرّ عبر الأراضي السورية بدلًا من إسرائيل. ويشير هذا الطرح إلى تقاطعٍ واضح مع استثمارات سعودية متصاعدة في البنية التحتية للاتصالات داخل سوريا، على قاعدة تحويلها إلى ممرّ بياناتٍ إقليمي بين آسيا وأوروبا، بما قد يعيد رسم خرائط العبور الرقمي في شرق المتوسط ويضيف بُعدًا جيوسياسيًا جديدًا للتنافس على شبكات الربط الإقليمي.
برزت مؤشرات على دفعٍ منظّم نحو تعزيز استقرار الساحل السوري عبر سلسلة خطوات سورية ودولية تستهدف تثبيت المنطقة وتهيئتها للعب دور أكبر في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، يبرز مشروع Silklink الذي تقوده مجموعة stc بوصفه ركيزة التحرك السعودي الرقمي داخل سوريا؛ إذ يتجاوز هدفه تحسين الخدمة المحلية إلى إعادة بناء العمود الفقري للاتصالات السورية وربطه إقليميًا. فبحسب الإعلان الرسمي، يتضمن المشروع استثمارًا يفوق 3 مليارات ريال سعودي، ويشمل إنشاء شبكة ألياف ضوئية تتجاوز 4,500 كيلومتر داخل سوريا، إلى جانب مراكز بيانات ومحطات إنزال كابلات بحرية دولية، ما يضعه في خانة المشاريع السيادية ذات الأثر طويل المدى على موقع سوريا في خرائط الاتصال الإقليمية.
غير أنّ الحضور السعودي لا يتوقف عند قطاع الاتصالات. فالحزمة الاستثمارية التي أُعلنت في شباط/فبراير 2026 تُظهر توجّهًا سعوديًا أوسع نحو قطاعات الطيران والمطارات والمياه والعقار، بما يعكس مقاربة تقوم على الانخراط في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية السورية، لا في مشروع منفرد فقط، وهو ما يصبّ في تغيّر دور سوريا ووجهتها. ففي قطاع الطيران، جرى الإعلان عن تأسيس شركة flynas Syria كشراكة بين الجانب السوري وflynas، بالتوازي مع إطلاق صندوق “إيلاف” (Elaf Fund) بتمويل سعودي لتطوير مشاريع كبرى، من أبرزها تطوير مطارين في حلب على مراحل. كما شملت الحزمة اتفاقات في قطاع المياه مع ACWA Power والشركة السعودية لنقل المياه، تركّز على مشاريع التحلية ونقل المياه من الساحل إلى الداخل السوري، وهي مشاريع ذات طابع بنيوي يرتبط مباشرة بإعادة تعريف الدور السوري في المرحلة الجديدة.
وفي مسارٍ ليس ببعيد، برزت مؤشرات على دفعٍ منظّم نحو تعزيز استقرار الساحل السوري عبر سلسلة خطوات سورية ودولية تستهدف تثبيت المنطقة وتهيئتها للعب دور أكبر في المرحلة المقبلة. فقد تزامن انتقال الاهتمام إلى الساحل مع مباحثات الرئيس أحمد الشرع في موسكو حول صيغة الوجود الروسي في غربي سوريا، ولا سيما ما يتصل بقاعدتَي حميميم وطرطوس. وعليه، فإنّ جزءًا من النقاش الجاري يتعلّق بإعادة تنظيم النفوذ العسكري والسياسي على الساحل ضمن ترتيبات تعزّز مسار الاستقرار وتُهيّئ الساحل لدور أكبر وأكثر رسوخًا. وعلى الخط نفسه، شهدت دمشق توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة السورية للنفط وكلٍّ من “شيفرون” الأميركية و“باور إنترناشونال” القطرية للتعاون في استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، ما رفع أهمية الساحل من كونه ملفًا أمنيًا إلى كونه بوابةً لمشاريع طاقة واستثمار بحري محتملة. وبهذا المعنى، لم يعد الحديث عن “استقرار الساحل” محصورًا بالشق الأمني الداخلي، بل بات يرتبط أيضًا بتأمين البيئة السياسية واللوجستية اللازمة لتشغيل المرافئ، وحماية مسارات الاستثمار البحري، ودمج الساحل السوري تدريجيًا في ترتيبات اقتصادية أوسع في شرق المتوسط.
ضمن هذا السياق، نفهم التحرك السعودي نحو استبدال إسرائيل بسوريا في مشاريعها الدولية الضخمة، بما يثبت مسار الصراع بين الطرفين، وهو المسار الذي أكّد عليه وأعلن خطوطه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تصريحه مؤخرًا، حين ذكر عمل إسرائيل على بناء منظومة تحالفات إقليمية لمواجهة ما سمّاه “المحور الشيعي المتطرف” و”المحور السني المتطرف الناشئ”. وهو توصيف يكشف كيف تنظر إسرائيل إلى إعادة تشكيل الاصطفافات في المنطقة، ويعزّز قراءة التحركات الاقتصادية الكبرى بوصفها جزءًا من صراع نفوذ يتجاوز البعد التجاري المباشر.
ليس خافيًا أن التحالف السني المقصود عموده السعودي-التركي-الباكستاني-سوريا وصولا الى مصر وغيرها من الدول العربية والخليجية، وليس بعيدًا عن المحور الإسرائيلي الاتفاق الإماراتي-الهندي. عليه، يوميًا تتكشف ملامح الصراع الحالي، والذي من المتوقع أن يشتدّ قسوةً في الفترة القادمة، والذي سيكون سياسيًا-اقتصاديًا أكثر منه عسكريًا بين محور إسرائيل وما سمّته “المحور السني”، مقابل عسكرةٍ شبه كاملة للصراع بين إسرائيل والمحور “الشيعي”.
لبنان يبدو في عين هذه العاصفة. فمن جهة، كان يُعرَف مرفأ بيروت تقليديًا بأنه بوابة الشام إلى الخارج، خاصةً مع توترات الساحل السوري والقلق من ثقل فلول نظام الأسد فيه ناهيك عن بعده عن العاصمة مقارنة ببيروت.
لبنان يبدو في عين هذه العاصفة. فمن جهة، كان يُعرَف مرفأ بيروت تقليديًا بأنه بوابة الشام إلى الخارج، خاصةً مع توترات الساحل السوري والقلق من ثقل فلول نظام الأسد فيه ناهيك عن بعده عن العاصمة مقارنة ببيروت. لذلك، نظريا يفترض أن تكون بوابة مشاريع المنطلقة هي لبنان، إلا أن هذا يحتاج أمرًا أساسيًا: إعادة تموضع لبناني ضمن المحور “السني”. وهذا بدوره له شرطان: الأول إنهاء تهديد حزب الله العسكري ونفوذه الصلب في لبنان، والثاني تسهيل وتسريع العلاقة بين لبنان وسوريا ضمن هذا المحور الذي تشكّل سوريا بوابته في بلاد الشام. الجانب الأول غاب التفاؤل الخارجي حياله، وهو ما يبدو صراحةً في فتور الحماسة المملكة العربية السعودية للاستثمار في لبنان في هذه المرحلة، بما في ذلك رفض استضافة مؤتمر دعم الجيش، وغياب الحماسة حتى للمشاركة فيه. أما الثانية، أي العلاقة الثنائية بين لبنان وسوريا، فهي في تحسّنٍ مستمر لكنه بطيء، خلافًا للموجة الإقليمية التي تتطلب سرعة أكبر. وعليه، برز — بل تعزّز — قرار تثبيت الساحل السوري واعتماده ضمن ترتيبات سياسية وإقليمية. أما لبنان، ففي ظل هذا الجمود السياسي والإصرار على التمركز ضمن محور إيران، ناهيك عن مخاوف تاريخية وطائفية تقيّد العلاقة مع سوريا، فإنه يخاطر بخسارة دور محتمل في المحور الجديد المتشكل من جهة، وتعزيز دفعه نحو صراعا واسع مع اسرائيل تزامنًا مع التحشيد في وجه إيران.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى