
التاريخُ لا يُعيدُ نفسه، ولا تتكررُ حوادثه، وتجاربُ التاريخ تبقى محطاتٍ للاستفادة من نجاحاتها وانكساراتها… وتجربةُ الوحدةِ السوريةِ المصريةِ عام ١٩٥٨ تبقى تجربةً رائدةً وفريدةً لأمتنا في التاريخِ الحديث، بغضِّ النظر عن عواملِ القوةِ والضعفِ التي ترافقت معها خلال المدّةِ القصيرةِ من قيامها وانكسارها.
في ٢٢ شباط من كل عام يحتفلُ جيلُنا العروبيُّ بالوحدةِ السورية–المصرية، أما الجيلُ الجديد فمن النادر أن نسمع منهم حديثًا عن هذه الوحدة، وأغلبهم لا يعرف عنها شيئًا، بل إنَّ الكثير من الشبابِ السوري لا يعرف حتى أنَّ الرَئِيس جمالَ عبدِ الناصر كان رئيسًا لسورية في زمنِ الوحدة.
فخلال عقودٍ جرى تشويهُ التاريخ وتزويرُ أحداثه، وإغفالُ الرموزِ الهامّةِ التي كانت لها بصماتٌ خلال مراحلِ تاريخنا، بينما الأنظمةُ السلطويةُ دجَّنت عقولَ شبابنا بانتصاراتٍ وهميةٍ للسلطةِ وقادتها، ولم يعد شبابُنا يعرفون سوى ما يُقدَّم لهم من مناهجَ دراسيةٍ وإعلامٍ مبرمجٍ عمل على تسطيحِ عقولهم وتجريدِهم من الاختيارِ الحرِّ والإرادةِ الحرة.
ووقوفُنا في ذكرى الوحدةِ اليوم ليس من بابِ تخليدِ الذكرى وتقديسها، أو لاستعادةِ أمجادٍ انتهت بانتهاءِ زمانها، وليس أيضًا للتوقفِ عند الانهياراتِ الكبيرةِ في أنظمتنا القُطريةِ وفشلِها في الانتقالِ بمجتمعاتها إلى التطورِ والنهضة، وفشلِها حتى في تأسيسِ وطنيتها الجامعة، والانحدارِ إلى الهوياتِ الفرعيةِ للدفعِ إلى مزيدٍ من عواملِ الانقسامِ والتقسيم، وإلى احتمالِ انفجارِ دولِنا في كل وقت…
مَن كان يظنُ، ولا يزال البعضُ يظن، بأنَّ الوحدةَ أتت أو ستأتي عبر نظامٍ سياسي أو عبر زعامةٍ سياسية، فإنه يقع في خطأِ التحليلِ والاستنتاج؛ والتجاربُ التاريخيةُ للوحدة تشيرُ إلى أنَّ الوحدةَ تحققت إمّا بضغطٍ جماهيريٍّ عارم، أو بفرضِ الوحدةِ بالقوةِ من زعيمٍ سياسيٍّ قويٍّ (بسمارك فرضَ الوحدةَ بالبسطار)، أو أن تأتي نتيجةً من نتائجِ اتِّقاءِ خطرٍ خارجيٍّ داهمٍ أو حروبٍ كبرى قد تضمُّ دولًا لبعضِها وتمزِّقُ أخرى…
عبدُ الناصر وشكري القوتلي ونظاماهما لم يصنعوا وحدةَ ١٩٥٨، ومن صنعها الجماهيرُ وضغطُها الكبيرُ على صُنّاعِ القرار في دولتَيْهما للتوقيعِ على وحدةِ البلدين. وجاء قبولُ عبدِ الناصر وشكري القوتلي بالوحدةِ استجابةً للنزوعِ الجماهيريِّ العارمِ الضاغطِ من أجلِ تحقيقِها.
فالزعامةُ لوحدها لا تصنعُ الوحدة، ولا بدَّ من وجودِ جماهيرَ وحدويةٍ ومؤسساتٍ فاعلةٍ وقادرةٍ على تأطيرِ جماهيرِ الوحدةِ وتمليكِها الوعيَ الوحدويَّ بأهميةِ الوحدةِ لأمنِها ومستقبلِها.
وإذا كانت النُّظمُ الاستبداديةُ لا يمكن أن تعملَ على أيِّ وحدةٍ ولو توفرت شروطُها، فإنَّ أنظمةَ الاستبداد في دولِنا تفتقدُ إلى الشرعيةِ والمشروعية، وهي ما أمسكت بالسلطةِ إلا عن طريقِ الانقلاب أو من فوقِ ظهرِ الدبابات، وفرضت سلطتَها وسطوتَها بالقوة. وإذا كانت بتركيبتِها السلطويةِ هذه لا يمكن أن تؤسسَ لنظامٍ ديمقراطيٍّ في دولِها، فإنه من بابِ أولى لا يمكن أن تتجهَ بأيِّ خطوةٍ على طريقِ وحدةِ الأمة؛ إذ إنَّ نظمَ الاستبداد تتقوقعُ ضمن حدودِ سيطرتِها وتمارسُ سطوتَها على شعبِها. وهي وإن ادَّعى بعضُها الوحدةَ ورفع شعارَها في مرحلةٍ من المراحل، إلا أنَّ ذلك من أجلِ تخديرِ جماهيرِ شعبِها وامتصاصِ اندفاعِها، أو من أجلِ السيرِ ضمن خطواتٍ وحدويةٍ مشوَّهةٍ لا تنتجُ اتحادًا ولا وحدة، وتهيِّئُ الأرضيةَ المناسبةَ للكفرِ بالوحدةِ من جهة، والتأقلمِ مع الحالةِ القُطريةِ تمهيدًا للدفعِ بالنوازعِ ما قبل الوطنيةِ لاستمرارِ حكمِها وتأبيدِ سلطتِها وتسلُّطِها على شعوبِها.
كذلك فإنَّ الادعاءَ بأنَّ الديمقراطيةَ أو النُّظمَ الديمقراطيةَ تبقى المؤهلةَ حتميًّا بالاتجاهِ نحو الوحدةِ العربيةِ أو وحدةِ أيِّ قُطرين عربيين، فإنَّ هذا الحكمَ يفتقرُ إلى الأساسِ المنطقيِّ أو إلى التجاربِ التاريخيةِ للاندماجِ بين بلدين في دولةٍ واحدة. قد يُسهِّلُ النظامُ الديمقراطيُّ في بلدين يحملان الأركانَ الأساسيةَ للوحدةِ (اللغةَ الواحدة، والتاريخَ المشترك، والسياقَ الحضاريَّ الواحد)، ولكن وجودَ الديمقراطيةِ في بلدين لا يقودُ حتمًا إلى وحدتِهما؛ ذلك لأنَّ اختلافَ تطوُّرِ مساحةِ الديمقراطيةِ والحريةِ بين بلدٍ وآخر، واختلافَ التقدُّمِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ ودرجةِ الوعيِ المجتمعي، فإنَّ وجودَ النهجِ الديمقراطيِّ مع وجودِ اختلافاتٍ بنيويةٍ في تركيبةِ كلٍّ منهما قد تقفُ حائلًا دون تحقيقِ الوحدةِ واستمرارِها.
لذلك فإنَّ من الأخطاءِ تكرارُ تأكيدِ الفكرِ الوحدويِّ على ربطِ التخلُّصِ من التجزئةِ بإقامةِ النظامِ الديمقراطيِّ الذي يقودُ أوتوماتيكيًّا إلى الوحدةِ، والتركيزِ على الأولويةِ الديمقراطيةِ لإنجازِ الوحدةِ دون ربطِها بالوعيِ الوحدويِّ لدى الجماهيرِ لتجاوزِ الانكفاءِ القُطريِّ والانفتاحِ على القضايا العربيةِ، مما يجعلُ الاختيارَ الديمقراطيَّ في ذلك اختيارًا ضيِّقًا لا يتجاوزُ الحدودَ القُطريةَ. وبقدرِ ما تنجحُ التجربةُ الديمقراطيةُ بين قُطرينِ أو أكثرَ في تحقيقِ الاندماجِ الثقافيِّ والمعرفيِّ الواعي في المجتمعِ العربيِّ وتخطِّي عواملِ الانقسامِ الأهليِّ والطائفيِّ والإثنيِّ في كلِّ قُطرٍ، مع وجودِ الإرادةِ الواعيةِ لدى الجماهيرِ العريضةِ في فرضِ الوحدةِ، فإنَّ الزعامةَ لوحدِها أو أيَّ شكلٍ من أشكالِ تحقيقِ الوحدةِ ضمن ظروفٍ معيَّنةٍ أو الانتظارَ لتحقيقِ مثلِ هذه الظروفِ، فإنَّ الوحدةَ تبقى شعارًا، والحلمُ بتحقيقِها لا يتحوَّلُ إلى حقيقةِ وجودٍ.
الوحدةُ لا تصنعُها إلا الجماهيرُ المؤمنةُ بها. فلا وحدةَ بدونِ وحدويِّينَ حقيقيِّينَ، وبدونِ وجودِ تيارٍ كبيرٍ مؤمنٍ بالوحدةِ وقادرٍ على الضغطِ على أنظمتِه السياسيةِ، لا يمكنُ إنجازُ الوحدةِ المأمولةِ.
قد تكونُ الوحدةُ الاندماجيةُ في ظلِّ الظروفِ الراهنةِ الداخليةِ والإقليميةِ والدوليةِ لا تتوافرُ عواملُ تحقيقِها، بل إنَّ أوضاعَ أمتِنا لا تشيرُ إلى إمكانيةِ السيرِ بأيِّ خطوةٍ على طريقِ الوحدةِ، سواءً بوحدةٍ اقتصاديةٍ من أجلِ التكاملِ الاقتصاديِّ أو تفعيلِ مؤسساتِ الدفاعِ المشتركِ أو حتى على أيِّ شكلٍ من أشكالِ التعاونِ والتنسيقِ المشتركِ، بما فيها تحويلُ نظامِ الجامعةِ العربيةِ ليكونَ نظامًا جامعًا للأمةِ، تتمثلُ فيه الأنظمةُ والقوى السياسيةُ والمجتمعيةُ الحيَّةُ بدلًا من كونه جمعًا بروتوكوليًّا للأنظمةِ العربيةِ القائمةِ.
ونعودُ لذكرى أولِ وحدةٍ عربيةٍ في التاريخِ الحديثِ ١٩٥٨، لنؤكدَ على أهميةِ وأولويةِ الدولةِ الوطنيةِ واستعادةِ عافيتِها بعد الاهتزازاتِ التي تعرَّضت لها خلال عقودٍ مديدةٍ، وبعد التدميرِ للنسيجِ الوطنيِّ العميقِ لأركانِها في العديدِ من الدولِ العربيةِ. ولا شكَّ أنَّ إعادةَ بناءِ الدولةِ الوطنيةِ على أساسِ العدالةِ والكرامةِ الإنسانيةِ، القائمةِ على المواطنةِ المتساويةِ وإطلاقِ الحقوقِ والحرياتِ، وتأسيسِ دساتيرَ وطنيةٍ تتأسسُ على المواطنةِ والمواطنينَ الأحرارِ، وتفعيلِ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ والقوى المجتمعيةِ والأحزابِ السياسيةِ، خطوةٌ مهمةٌ على طريقِ حشدِ الجماهيرِ وتثويرِها باتجاهِ أيِّ عملٍ وحدويٍّ.
ومن هنا فإنَّ الضرورةَ الحيويةَ تتطلبُ مطالبةَ القوى والأحزابِ السياسيةِ العروبيةِ الخروجَ من واقعِها المأزومِ، وإعادةَ النظرِ في تكوينِها وبنيانِها، ومراجعةَ رؤيتِها وتصوراتِها الأيديولوجيةِ والسياسيةِ للحاضرِ والمستقبلِ. وبالتوازي مع ذلك، فتحُ حوارٍ جادٍّ وواسعٍ بين قوى الأمةِ السياسيةِ والمجتمعيةِ لبناءِ رؤيةٍ مشتركةٍ للتغييرِ والوحدةِ، وتبنِّي سياساتٍ وبرامجَ تشدُّ الجماهيرَ إليها، والقيامُ بواجبِ تمكينِ وتحفيزِ الوعيِ الوحدويِّ لدى جماهيرِ أمتِنا تمهيدًا لممارسةِ دورِها في فرضِ الوحدةِ في أقطارِها. ذلك دورٌ ومسؤوليةٌ؛ فإمَّا أن تقومَ الأحزابُ العروبيةُ بدورِها التاريخيِّ على طريقِ تحقيقِ الوحدةِ، أو أن تبقى الوحدةُ مجردَ حلمٍ يفتقدُ الحواملَ الحقيقيةَ لتحويلِه إلى واقعٍ ينتشلُ أمتَنا من عثارِها وانحطاطِها، وليكونَ لأمتِنا بوحدتِها حضورٌ وفعلٌ وقوةٌ في عالمٍ لا يحترمُ إلا الأقوياءَ.






