
القطار يسير بهدوء وتؤدة بين الحقول التي تتلحّف بغطاء حريريّ أبيض بعد يومين من الثلج، وأين ما جلت بنظرك لا ترى إلًا بياضا على بياض، الأشجار تبدو على طرفي سكّة الحديد كعرائس يرتدين فساتين الزفاف البيضاء التي زينت بآلاف أحجار الألماس.
توقف القطار في محطّة “بونهولمر” القريبة من مكان سكني، ترجلت من القطار، واستخدمت الدرج الكهربائي المتحرك الذي نقلني إلى أعلى الجسر.
الثلج تحوّل إلى جليد بعد ليلة شديدة البرودة، وأصبحت الأرصفة ساحات تزلج.
سرت فوق الجليد، أنقّل حركاتي بحذر شديد، وعند نهاية الجسر، فجأة وبلا مقدمات طارت رجلي اليمين نحو جهة اليمين، ورجلي اليسار بالاتجاه الآخر، رغم محاولات السيطرة والتحكم بهما لم يستجيبا، فسقطت أرضا مستلقيا على ظهري، وتزحلقت فوق الجليد عدّة أمتار، كجثّة هامدة لا تتحكم بحركاتها، وشعرت بأنّ الأرض أصبحت ليست لي، ولم تصدر منّي إلّا كلمة”آااااخ” طويلة تدحرجت على الجليد أسرع منّي.
وفجأة اقتربت منّي فتاة كملاك يمشي على قدمين، لم أعِ من أين ظهر، هل نزل من السماء؟ أم خرج من الأرض؟ ملاك جميل بوجه يشعّ نورا، وشعر حريري ذهبي يتطاير بخفّة ولا يبالي بالجليد والبرد.
مدّت يدها وساعدتني على النهوض، ثمّ احتضنتني وهي تقول بلغتها ولهجتها المحبّبة، وصوتها الملائكي الذي خرج من الجنّة:
“ألس أوكي؟ ألس غود؟ كونن زي لاوفن؟
كلماتها لم تمرّ عبر أذنيّ، ومجرى السمع لديّ، بل تزحلقت مباشرة إلى قلبي، كأنّها البلسم السحري الذي أزال عنّي آلام السقوط وتداعياته.
أجبتها وأنا أقوم بحركات أقرب إلى الرقص فوق الجليد: “يا، ألس أوكي، ألس غود، دنكا شون، زي زند زير نت، فيلن، فيلن دانك”
صافحتني بيدها الحريريّة، وغادرت، وأنا أقف مشدوها لا أريد لهذه اللحظات أن تنقضي، وأن يتوقف الزمن فوق الجليد.
زوجتي التي كانت تسير غير بعيدة عنّي لاحظت المشهد، اقتربت مسرعة، وبدل أن تطمئنّ عن صحّتي بعد هذه السقطة المدويّة، قالت في تهكّم: “أشوف فرحتك اليوم ثلاثيّة الأبعاد!! لماذا احتضنت الفتاة؟ ولماذا لم تبعدها عنك؟” أجبتها وأنا أتلمّس جسدي أداري آلاما خفيفة تنتابني على عصعصي لم أشعر بها إلّا في هذه اللحظة: ” لقد ساعدتني على النهوض، وأردت أن أشكرها فقط لا غير”.
فما كان منها إلّا أن قالت: ” أنت تقصدتَ السقوط أمامها لتحظى بهذا الحَضْنِ، وهذه الحركات”.
أقسمت لها بأنّي لم أرها قبل السقوط وتفاجأت بها، وكان السقوط غصبا عنّي، وبغير إرادتي وكدّت أتحطّم.
ابتعدت عني وهي تقول: ” تستاهل، خرجك، الله لا يقيمك”.
شرح المفردات غير العربية:
ألس أوكي: هل أنت على مايرام؟
ألس غود: هل أنت بخير؟
كونن زي لاوفن: هل تستطيع المشي؟
دانكا شون: أشكرك
زي زند زير نت: أنت لطيفة جدا
فيلن، فيلن دانك: شكرا جزيلا






