
أوردت مجلة “دير شبيغل” الألمانية أمس الجمعة، تحقيقاً سلطت من خلاله الضوء على استغلال “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” وسائل التواصل الاجتماعي لحشد التعاطف عالمياً، مشيرةً إلى أن مقطع فيديو “الضفيرة المقصوصة” الذي أثار ضجة واسعة، يؤكد عدم صحة كل ما يتم تداوله عبر السوشال ميديا.
وبحسب تحقيق المجلة الألمانية الذي حمل عنوان: “ضفيرة تبدو زائفة تُحدث تغييراً في العالم”، فإن ميليشيا “قسد” في سوريا، تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي لحشد المتعاطفين حول العالم. ويُظهر مقطع فيديو واسع الانتشار أنه ليس كل ما يتداول صحيحاً.
في مقطع فيديو لا يتجاوز 17 ثانية، يجري حوار قصير بين مصوّر الفيديو (محمد أحمد) ورجل في منتصف العمر (رامي الدهش، من بلدة تل أبيض شمالي الرقة) يمسك بيده ضفيرة شعر مهترئة.
يقول الدهش: “أحضرت شعراً لرفيقة”.
يسأله المصوّر: “من أين؟”
يجيب: “من الرقة، لقد رحلت”، وهي عبارة يمكن أن تعني أي شيء: أُسرت، قُتلت، أُفرج عنها، أو هربت… إلخ.
ويختم المصوّر: “لكن هذا مجرد شعرها، وهي بخير. فقط شعرها”.
بعد ذلك، نشر المصور المقطع على حسابه في تيك توك بعد ظهر يوم 20 كانون الثاني.
فهم كثير من المستخدمين الفيديو على أن هذه الضفيرة قد قُطعت من مقاتلة كردية خلال معارك الانسحاب في شمال شرقي سوريا: غنيمة، وفعل إذلال. ثم بدأت العاصفة.
في البداية، تداول ناشطون أكراد في سوريا الفيديو. صفحات على منصة إكس وفيس بوك وتيك توك، مقرّبة من “قوات سوريا الديمقراطية”، نشرته بين متعاطفين في أنحاء العالم. وكان جزءاً من سلسلة كاملة من الفيديوهات التي تبث الرسالة نفسها: معارضة دمج منطقة “قسد” شبه المستقلة في الدولة السورية، أو كما تراها “قسد”: مقاومة عودة “حكم الإرهاب لتنظيم داعش”.
حتى قبل ثلاثة أسابيع، كانت “قسد” تسيطر على مساحة شاسعة في شمالي وشرقي سوريا، تتجاوز بكثير مناطق التمركز التقليدية للأكراد في البلاد. كما كانت تسيطر على مناطق يقطنها في الغالب “عرب سنّة”. وقد اشتكى كثير منهم لسنوات من حكم قسد السلطوي: اعتقالات تعسفية، تعذيب، ونهب.
ما بدا لسنوات ككيان ثابت، انهار خلال أيام قليلة: انسحبت أجزاء من قسد بشكل متسرع من المناطق العربية، تبدلت السيطرة على الحواجز، وانسحبت العشائر العربية المحلية من القوة التي كانت الولايات المتحدة قد أنشأتها عام 2015 لمحاربة داعش. في معظم المناطق جرى ذلك دون معارك كبيرة، بينما أفادت تقارير بحدوث اشتباكات، وعمليات نهب، وأعمال انتقام في مناطق أخرى.
خلال الأسابيع الماضية، فرّ عشرات الآلاف من الأكراد نتيجة لذلك –ووفق بعض المصادر وصل العدد مؤقتاً إلى أكثر من 100 ألف. كثير منهم من أحياء حلب الكردية، وقد عادوا بعد أيام قليلة.
من المفترض أن يتم، بوساطة أميركية، دمج المناطق الكردية تدريجياً في الدولة السورية الجديدة، سياسياً وإدارياً وعسكرياً، مع حقوق متساوية وحريات ثقافية لجميع المواطنين.
فكرة إهانة امرأة كردية أثناء المعارك، مع تعبير الفرح على وجه الرجل الملتحي في الفيديو وهو يحمل ضفيرة الشعر كغنيمة، تثير مخاوف وجودية عميقة لدى الأكراد. تُصوَّر نساء كرديات في شمال سوريا والعراق، وأمام مبنى الكابيتول في واشنطن، وحتى داخل الجيش الألماني، وهن يجدلن ضفائر بعضهن. تقول مذيعة قناة “Channel 8” في السليمانية: “اليوم صففت شعري مثل الفتاة الكردية التي قتلتموها وقطعتم شعرها”. ويعلن أحد النشطاء عن “ثورة الضفائر”. ويُكتب في أحد المنشورات: “هذه 100% بصمة داعش”، مع مزاعم عن وجود “إرهابيي داعش في خدمة الجيش السوري”.
بعد ذلك بقليل، بدأت على وسائل التواصل الاجتماعي تهديدات بالقتل ضد الرجل الذي ظهر في الفيديو: “سأقتلك كالكلب”، “سأقتل أطفالك أمام عينيك ثم أقتلك”. وبعد يومين، عرض نحات كردي تمثالاً خشبياً بارتفاع مترين لضفيرة شعر، باعتبارها رمزاً “للمقاومة الراسخة” للنساء الكرديات.
القصة ليست صحيحة
لكن، وفق كل ما أمكن التحقق منه في مكان تصوير الفيديو، فإن القصة ليست صحيحة على هذا النحو. لا يوجد أي دليل على أن ضفيرة شعر قُطعت من مقاتلة كردية في الرقة، أو أن شعر أي امرأة قُطع أصلاً.
عند السؤال في البلدة، التي يقطنها في الغالب عرب سنّة، تظهر رواية مختلفة تماماً. فبحسب الروايات، كانت الضفيرة ملقاة في الشارع في بلدة تل أبيض القريبة من الحدود التركية، التقطها شخص وأخذها إلى مطعم دجاج يملكه محمد أحمد، حيث أخذ عدة رجال يمزحون حول ما إذا كانت تعود لمقاتلة من قسد. هذا ما قاله لمجلة “دير شبيغل” المشاركون في الحادثة وشاهد عيان يعمل في المطعم، كلٌّ على حدة.
جميعهم وصفوا التسلسل نفسه: ترك أحد الزبائن الضفيرة على طاولة. ثم دخل الرجل الذي ظهر في الفيديو، رامي الدهش، إلى المطعم ليشتري دجاجاً مشوياً لعائلته. وأثناء انتظاره، التقط الضفيرة من الطاولة ورفعها، فصوره صاحب المطعم أحمد تصويراً قصيراً عند الساعة 16:26. يقول الدهش لاحقاً: “لم يكن من المفترض نشره على الإنترنت، لكننا وجدناه مضحكاً”.
وعندما أدرك أن محاولة المزاح ذات الطابع الذكوري فُهمت عالمياً كاعتراف حقيقي، نشر عدة بيانات نفي. لكن بعد ذلك لم يعد صوته يصل.
يُظهر تسجيل كاميرا مراقبة من متجر مقابل المطعم أن رامي الدهش أوقف سيارته أمام المطعم يوم 20 كانون الثاني عند الساعة 16:23، ثم نزل مع شخص آخر، وعادا بعد دقائق يحملان كيساً ثقيلاً، ثم غادرا المكان.
ويرجح الرجال في البلدة أن الضفيرة التي اشتهرت خلال أيام لم تكن سوى خصلة شعر صناعي (إكستنشن)، من النوع المعروض للبيع في متاجر تل أبيض، والمستخدم في الأعراس أو الشعر المستعار أو تصفيفات الشعر. ومنها ما يُباع في صالون حلاقة قريب من المطعم، حيث عرضت صاحبته عبر مكالمة فيديو مجموعة من الضفائر الصناعية.
يقول خليل الحمادي، مدير منظمة إغاثية محلية، إنه لم يحدث أي قتل لامرأة في تل أبيض: “نحن مدينة صغيرة، كنا محاصرين منذ 2019 (عندما سيطر الجيش الوطني السوري حينذاك مع القوات التركية على المنطقة)، ولم توجد هنا مقاتلات كرديات منذ ست سنوات. وأي اعتداء، مثل قطع شعر أي امرأة، كان سينتشر فوراً، ولكانت المدينة كلها قد علمت به”.
يقول رامي الدهش إنه ليس مقاتلاً، لكنه يُسمح له بحمل سلاح بصفته موظفاً في المجلس البلدي. ويؤكد ذلك رجلان يعرفانه. ويقولون إنه فقط شخص مغرور.
بعد أسبوع، سلّم الدهش نفسه لشرطة الرقة التي أُنشئت حديثاً، بعدما أصدرت أمر توقيف احترازي بحقه بتهمة “الإخلال بالآداب العامة” عقب انتشار الفيديو، وذلك –بحسب قوله– خوفاً من التهديدات المتكررة بقتله.
الفيديو ليس مزيفاً ولكن الرسالة خاطئة
وسط كل هذا الالتباس، يشكل فيديو الضفيرة مثالاً دقيقاً على القوة المشوِّهة لحملة قسد على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقدّم نفسها كحصن ضد عودة “داعش”. الفيديو نفسه ليس مزيفاً، لكن رسالته –على ما يبدو– غير صحيحة.
الصراع الأساسي هو التالي: الحكومة السورية تسعى إلى الحفاظ على وحدة أراضي الدولة، بينما تطالب “قسد”، الخاضعة لسيطرة “حزب العمال الكردستاني/ PKK” المصنف انفصالياً في تركيا، بقوات عسكرية خاصة واستقلال كامل عن دمشق. ويروّج حزب العمال لمزاعم مفادها أن شيئاً لم يتغير في سوريا الجديدة: رحل الدكتاتور بشار الأسد، لكن شخصاً آخر، يحكم الآن ويتصرف مثل داعش ويريد ذبح الأكراد.
غير أن هذه الفرضية غير صحيحة. مقارنة بالمخاوف الكبيرة التي رافقت سقوط الأسد قبل أكثر من عام، تبدو بقية سوريا –باستثناء مناطق الانفصاليين في السويداء – أكثر استقراراً وسلماً مما كان متوقعاً.
حتى الصور الكاذبة قد تُحدث أثراً حقيقياً
الرئيس الشرع إسلامي، لكن تنظيم داعش كان منذ عام 2013 عدوه اللدود، وقد زوّد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) قبل سنوات بمعلومات من مناطق سيطرته في إدلب شمال سوريا لمكافحة التنظيم، وفق “دير شبيغل”.
وفي توافق نادر حالياً، اعترفت حكومات واشنطن وأوروبا بحكومة الشرع. وقد أبلغ مبعوثو دونالد ترمب قيادة قسد منذ أشهر أنهم سيعترفون مستقبلاً بالسلطة في دمشق، لا بالحكومة المسلحة الموازية في المناطق الكردية، رغم سنوات الشراكة القتالية ضد داعش منذ 2014. يقول الخبير في الشأن السوري نوح بونسي من مجموعة الأزمات الدولية: “يبدو أن قيادة قسد وقعت في فخ تصديق خطابها الخاص”.
نساء للبيع أم عملية إنقاذ؟
في هذا المناخ، يثير كل فيديو عن ضفيرة مقطوعة مزعومة مخاوف حقيقية، ويمكن حتى للصور الخاطئة أن تترك أثراً فعلياً.
وفي هذا الوضع أيضاً، فإن شيطنة الطرف الآخر أمر بالغ الخطورة. لكنه يحدث من الجانبين.
ينشر الطرف العربي على وسائل التواصل الاجتماعي شتائم جماعية تصف الأكراد بأنهم “انفصاليون”، “كفار” أو “خنازير”. بينما تنشر حسابات قسد مقاطع فيديو مشوهة: مشاهد غُيّر معناها عبر تعليق صوتي، مثل فيديو يظهر فيه رجل عربي مسلح يقف أمام امرأتين كرديتين راكعتين ويُزعم أنه يعرضهما للبيع، بينما يقول في النسخة الأصلية إنه آوى امرأتين ورجلاً من المنشقين عن قسد. أو فيديو يُزعم أنه يُظهر سحب جثة في حلب من قبل قوات أمن، بينما هو في الحقيقة من ساحة التحرير في بغداد.
في 23 كانون الثاني، نشرت وكالة الأنباء المقربة من قسد (ANHA) صورة لرجل ميت على جرار زراعي، قائلة إن الفلاح الكردي صادق بوزان قُتل على يد “مرتزقة” السلطة الجديدة أثناء محاولته الفرار. لكن معارف بوزان من قريته “حُسيمة” يروون القصة بشكل مختلف. يقول محمد الرمضان، صاحب مكتبة: “كان صادق يقود جراره مع مقطورة على جسر، عندما اقترب رتل من عناصر قسد الفارين من الجنوب. كانت مركبته تسد معظم الطريق، فأطلقوا النار عليه”. ويضيف: “لم يجرؤ أحد على إسعافه لساعتين خوفاً، لأن عناصر قسد كانوا قريبين. أنا وأبناء عمومتي نقلناه إلى مستشفى الرقة، لكنه كان قد فارق الحياة”. وتُثبت صوره من المستشفى أنه نقله بنفسه.
أما فيديو آخر انتشر عالمياً، وبدا مزيفاً بسبب رداءة جودته، فكان حقيقياً: شخص يلوّح براية داعش فوق قوس على الطريق الرئيسي في قرية الكرامة قرب الرقة. لكن، خلافاً لتعليق قسد، لم يكن ذلك احتفالاً بعودة التنظيم.
بعد اشتباكات مع عناصر قسد الفارين، قُتل فيها ثلاثة من أهالي القرية، أخرج طفل يبلغ 12 أو 13 عاماً راية قديمة تعود لفترة حكم داعش من مخزن، وتسلق القوس ولوّح بها، إلى أن رآه الآخرون وصاحوا به وأنزلوه. يقول المزارعان عبد الرحمن الحجو وعبد الرزاق الديب: “كان تصرفاً غبياً وساذجاً، واعتذر والده. نحن بالتأكيد لا نريد عودة داعش. نحن مرهقون، اكتفينا من الحروب والقتل والدمار”.
هذا لا يعني أن كل الفيديوهات مزيفة أو مشوهة. فقد وقعت جرائم قتل من الطرفين. لكن تصديق كل ما تنشره قسد تلقائياً على إكس وتيك توك وإنستغرام يؤدي إلى استنتاجات خطيرة.
إن فقدان قسد ثلاثة أرباع مناطق نفوذها قبل أسبوعين تقريباً، وبشكل سريع وقليل الدم، كان سببه أن السكان العرب شعروا في غالبيتهم بأنهم تحرروا من احتلال قسد. وحدات عربية كانت تقاتل سابقاً إلى جانب قسد بدّلت مواقعها بشكل منسق.
من مزحة سيئة إلى حمام دم.. المسافة قصيرة
قد يتغير كل ذلك جذرياً إذا لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُقرّ قبل أيام للمرة المتكررة، بين “قسد” والحكومة السورية في دمشق. وإذا اندلعت معارك بين قسد والقوات السورية في قلب المناطق الكردية، فستكون النتائج أسوأ. ستسعى عشائر عربية، تعرضت للقمع لسنوات، إلى الانتقام. وسيقاتل الأكراد بدافع الخوف والقناعة معاً.
يقول تشارلز ليستر، مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: “في هذه الحالة أنا قلق للغاية. سيكون الوضع أكثر وحشية بكثير، ولن يستطيع أحد السيطرة عليه”.
المصدر: تلفزيون سوريا






