
جدل جديد يشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أضحت محركاً أساسياً للأحداث والرأي العام في سوريا بعد طرح “مؤثرين” رأياً عبر “السوشال ميديا” تناول أهالي دمشق، فسّره روّاد تلك المواقع “قدحاً وتشهيراً” بسكّان العاصمة.
بدأت القضية حين سجّل شخص يُدعى “شازار الزعبي” ـ وهو ناشط على مواقع التواصل ـ مقطعاً مصوراً ردّ فيه على اعتراض مواطن خلال تظاهرة على رفع أسعار الكهرباء، ضمن خطابٍ وصف بـ”المسيء لأهالي دمشق”، قبل أن يخرج في مقطع آخر يعتذر فيه على سوء فهمه ويعتبره “اصطياداً في الماء العكر”، ويحذف المقطع السابق.
على خلفية ذلك، رفع عدد من المحامين السوريين دعاوى ضد “مؤثرين” بتهمة القدح والتشهير، قبل أن يتعرضوا لتهديدات مباشرة، الأمر الذي أدى إلى سحب البعض منهم الدعاوى المرفوعة، وبقي آخرون على مواقفهم.
تهديدات تطول بعض المحامين المشتكين
أحد المحامين الذين رفعوا قضايا التشهير يامن الشفوني، أكد لموقع تلفزيون سوريا أنه تعرض للتهديد بالقتل، وكُتب له حرفياً عبر تطبيق واتساب: “بكاتم صوت وجهاً لوجه”، من شخصٍ ادعى أن اسمه “محمد الحريري”، مؤكداً أن الشخص تعرض له بألفاظ غير لائقة وسب وشتم بالغ القذارة، وأمهله مدة ليقوم بسحب الدعوة، كما هدده بأنه يراقب تحركات زوجته ويمتلك صوراً لها.
وأوضح الشفوني أنه تقدم بالشكوى ضد “شازار الزعبي” و”أبو شام”، تبعاً لما قام به المذكوران مما اعتبره “ممارسات التحريض وخطاب الكراهية، ونسفا لدماء الشهداء وتضحياتهم من أبناء دمشق وريفها، بالإضافة إلى طريقة التهكم والسخرية، وتقليد اللهجة الشامية بطريقة مسيئة”.
وتابع الشفوني أن “المقاطع المصورة التي تعود للشخصين المذكورين تناست المظاهرات التي كانت تخرج في الميدان وركن الدين والصالحية، وتجاهلت مئات آلاف الشهداء، الذين قضوا في سجون النظام المخلوع من أبناء دمشق وريفها، والمناطق التي دمرت بالكامل بقصف النظام، ومحاولة إظهار أهل دمشق بمظهر عديمي الشرف والأخلاق، والذين تنتهك حرماتهم من قبل شبيحة النظام المخلوع وهم يتفرجون”.
وأكد الشفوني أن “رئيس النيابة حين تلقى الشكوى، كان في غاية الاحترام، وكانت الشكوى الأولى، وتم تحويلها إلى الأمن الجنائي، ولكن تم تأجيل فتح الضبط ليوم الأحد المقبل”.
ويوضح أنه يعزم عدم سحب الشكوى تحت أي ضغط أو تهديد، لأن الإساءة مسته بشكل مباشر، وبالدرجة الثانية رجل قانون، يرفض التعامل بهذه الأساليب، فالثورة خرجت للتخلص من هذه السلوكيات غير القانونية والمعيبة، لافتاً إلى أن التهيدات، تعرض لها من عدة مصادر، إحداها وصلته وهو يتقدم بالشكوى في الأمن الجنائي، وعلى مسمع من عناصر الخبرة.
واعتبر الشفوني أن “هذه الممارسات امتداد لسلوكيات تشبيح وسياسات كم الأفواه، التي لا تتناسب مع مبادئ الثورة التي أسقطت النظام المخلوع”، متوقعاً أن تقوم نقابة المحامين بدمشق بدورها وحماية أبنائها، متأملين بتحرك سريع من قبل نقيب المحامين “علي الطويل” ونقيب نقابة المحامين بدمشق “محمد سليمان دحلة”، معتبراً أن المحامين المشتكين، يتعرضون للتهديد خلال تأدية عملهم، والدفاع عن مدينة عريقة وأهلها، لا عن حق شخصي.
كما دعا محدثّنا وزير الداخلية أيضاً للتدخل، محملاً صناع المحتوى مسؤولية نشر هذا النوع من خطاب الكراهية، الذي يهدد بشكل مباشر السلم الأهلي، في المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا.
المستند القانوني للشكاوى
المحامي رشاد القاضي أحد المتقدمين بالشكاوى، أوضح خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه تقدم بالشكوى، تبعاً لنشر محتوى يتضمن إساءة وتعميمات، تمس شريحة واسعة من المواطنين، وقانونياً يحق لكل من اعتبر نفسه متضرراً معنوياً من الإساءة، أن يتقدم بالشكوى، ويقرر القضاء صفة الادعاء الشخصي، لافتاً إلى أن المحتوى الذي نشره “المؤثران” إهانات ونسب وقائع تمس سمعة وكرامة فئة واسعة من الناس، ما يندرج تحت الذم والقدح والتحريض على الكراهية.
وأكد القاضي أن الفيديوهات والبثوث عموماً والتي قام بنشرها المؤثران خصوصاً، فهي تعتبر أدلة رقمية معتبرة، وخاصة أنها موثقة بروابط وتواريخ نشر، وتم بثها عبر حسابات معروفة، في حين يعود تقييمها قانونياً للقضاء.
وتحدث القاضي أنه تعرض للتهديدات عبر رسائل نصية على “واتس آب”، والمطالبة بسحب الشكوى، وقام بتقديمها جميعاً للجهات المختصة، مؤكداً أن أي تهديد أو ضغط على محامٍ، بسبب قضية منظورة، يعد تدخلاً بسير العدالة، ويعرض صاحبه للمساءلة، وليس الهدف من الشكوى التصعيد، وإنما الاحتكام للقانون وحماية كرامة المواطنين.
القانون يجرم الاعتداء على المحامين
بدورها قالت المحامية فاطمة الحواصلي لموقع تلفزيون سوريا: “إن ما جرى من إساءة لأهل دمشق، نتيجة ممارستهم لحقهم في التعبير عن عدم الرضا، عن خدمة معينة من خدمات المرافق العامة، والتي تتعلق بفواتير الكهرباء المرتفعة جداً، والتي لا تتناسب مع الواقع، وهذا حق طبيعي ومشروع لأي مواطن في العالم، وما صدر من إساءة من بعض المؤثرين على السوشيال ميديا، تجاوز حرية التعبير، للمساس بشرف وكرامة وأعراض الأهالي، ما يشكل فعلياً الأركان الكاملة، لجرم الذم والقدح العلني عبر الشبكة، والمعاقب عليه بقانون الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى جرم إثارة النعرات العنصرية وبث الكراهية ما بين مكونات الشعب السوري، المعاقب عليه بالمادة 307 ق.ع.س”.
وأضافت الحواصلي أن “هذا الفعل يعتبر محاولة خلق فتنة وتعكير صلات الأمة بين مكونات الشعب السوري، عبر التحريض على أحد هذه المكونات، ما يعد جريمة تمس بأمن الدولة الداخلي”.
وحول التهديدات التي تلقاها المحامون بسبب شكواهم على المؤثرين، تؤكد المحامية أن الاعتداء على محامٍ في معرض أو نتيجة ممارسة عمله، يعتبر كالاعتداء على قاض ويعاقب بالعقوبة نفسها، حيث نص قانون ممارسة المهنة، على حصانة من نوع خاص للمحامي، تحميه خلال ممارسة عمله، مشيرة إلى وجوب التوجه للنيابة العامة، وتقديم ادعاء فوري لحماية نفسه وغيره.
وطالبت الحواصلي نقابة المحامين بمنح أعضائها حصانة أكبر، وتفعيل ذلك على أرض الواقع، مشيرة إلى أن ما تعرض له الزملاء من تهديد تبعاً للشكاوى التي قدمت، وقع عليهم بسبب ممارستهم لمهنتهم، ما يعتبر اعتداءً جسيماً على مهنة “المحاماة”، حيث تتعرض المهنة اليوم لهجوم عنيف، من عناصر المجتمع، نتيجة للممارسات غير القانونية من بعض المحامين في عهد النظام المخلوع، لتشويه هذه المهنة، داعيةً النقابة للوقوف إلى صف المحامين، خاصة في الحالات التي تتعلق بالرأي العام كهذه الحالة.
وأشارت الحواصلي إلى التحدي الذي يواجه الحكومة السورية اليوم، لإثبات أنها فعلاً تسعى لبناء دولة قانون، وتعمل على منح مواطنيها فرصاً متساوية، لحماية حقوقهم في التقاضي، ما يعني تحمل مسؤولياتها الكاملة، والوصول للذين قاموا بتهديد المحامين، وإنزال أشد العقوبات بهم، وطمأنة المواطن بأن حق التقاضي مصان، وأن اللجوء لمظلة القانون، سوف يبقيه بأمان، مهما تعرض لتهديد ووعيد للسكوت عن حقوقه.
وتتمحور المخاوف اليوم حول تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحات للتشهير والتحريض والتهديد دون رقيب أو حسيب، الأمر الذي يهدد السلم الأهلي، ويقوض بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري، ويعيد للأذهان مشاهد الإفلات من العقاب، وسريان شريعة الغاب بدل القانون، ويبقى التحدي الذي يواجه الحكومة، بين حماية حرية التعبير، وإطلاقها دون ضوابط، وبين صون كرامة الأفراد والمجتمع، وضمان حق التقاضي دون ضغط أو ترهيب، ما يعني تطبيق القانون على الجميع، وتجريم أدوات التحريض والتهديد، للوصول إلى دولة القانون.
المصدر: تلفزيون سوريا






