هل انتهى الدور الوظيفي لقسد؟ 

أحمد مظهر سعدو

خلال فترة زمنية طويلة ومتلاحقة مرت الكثير من الأحداث والمتغيرات، لم يستطع قادة تنظيم (قسد) قراءة جملة هذه المتغيرات التي جرت في المنطقة وفي العالم، ولم يتمكنوا بعد من استكشاف الرؤيا الأميركية الجديدة للمنطقة، بعد سقوط نظام الفاشيست الأسدي ومن ثم كنس الاحتلال الإيراني من ضمن الجغرافيا السورية.. واستمر جماعة تنظيم (قسد) وقادتها  في لعبتهم السياسية العسكرية، في سياق قناعات لديهم كانت وما زالت تتوقع أن دويلة (روج آفا) هذه الدويلة المفترضة والمصطنعة أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز والتحقق استغلالًا لوجود عسكري قسدي كبير نما واستطال بدعم خارجي، واتكاء على الدعم الأميركي الكبير والمتواصل الذي بدأ منذ عام ٢٠١٥ ، يوم قررت أميركا أن تكون ميليشيا (قسد) بمثابة رأس حربة وأداة يعتمد عليها  في مواجهة الإرهاب الداعشي وليس نظام بشار الأسد.
لعل عدم قراءتهم السياسية الجيدة وأعني أهل (قسد) وقادتها لجملة المتغيرات الجارية خلال السنوات الأخيرة دراماتيكيًا، بشكل صحيح وواعي، أوقعهم في الكثير من الأخطاء الجسيمة منها تمنعهم المستمر منذ ما يقرب السنة عن تطبيق وإنفاذ اتفاق ١٠ آذار/ مارس 2025 الذي جرى توقيعه بين مظلوم عبدي زعيم (قسد) والرئيس السوري أحمد الشرع برعاية أميركية مباشرة ونفاد الوقت المحدد لتنفيذ الاتفاق المشار إليه، دون وجود أو تحريك أدنى خطوة جدية نحو تنفيذه. وصولاً إلى استمرار التعديات الكثيرة التي مارستها جماعات (قسد) على أهالي مدينة حلب ضد المدنيين الذين يقطنون حول حيي الشيخ مقصود والأشرفية حتى كان دخول القوات الأمنية والعسكرية السورية الرسمية التابعة للدولة إلى الحيين المذكورين ومن ثم إنهاء ظاهرة (قسد) هناك بشكل كامل ونهائي وضمن الحفاظ الكبير على أرواح المدنيين، حيث حرصت الحكومة السورية أن لا تتكرر أخطاء حصلت قبل ذلك في الجنوب السوري أو الشمال الغربي.
ثم جرت المتابعة من قبل الجيش العربي السوري لمنع الطيران المسير الذي كان يُطلق من (دير حافر) وبالتالي إنهاء الخطر الكبير الذي كان يشكله هذا الإطلاق العبثي والممنهج أحيانًا أخرى على المدنيين في حلب. ثم وصولًا إلى اتفاق ١٨ كانون ثاني/ يناير 2026 الذي تعثر تطبيقه حتى قبل أن يجف حبره، ضمن حالة الضبابية القسدية المتتابعة وعدم القدرة على الإدراك أو الوعي المنطقي من أن دورهم الوظيفي قد انتهى أميركيًا على الأقل، وأن الأميركان باتوا مقتنعين تمام القناعة في أن هناك دولة مركزية سورية قوية وقد أصبحت جزءً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الداعشي، ومن ثم فلا ضرورة أبدًا  لبقاء ميليشيا (قسد) وهذا ما صرح به جهارًا نهارًا (توم براك) المعوث الأميركي للمنطقة وسوريا، حيث تجد أميركا أنه لابد من اندماج كل قوات (قسد) وكل مؤسساتها المدنية والعسكرية أيضًا ضمن أتون المؤسسات الرسمية للدولة السورية الواحدة الموجدة. وهو ما دعا الرئيس أحمد الشرع إلى إصدار مرسومه المهم، والذي أعطى فيه للكورد ما كانوا يطالبون به على مر السنين، ولم يتمكنوا من إنجازه مع نظام بشار الأسد.
وإذا كان قادة تنظيم (قسد) ما زالوا يعتقدون بأن تنفيذ الاتفاق الأخير والتفاهمات التي جاءت بعده ليس ضروريًا فإنهم سيقعون في أتون مآلات صعبة بعد التخلي الأميركي عنهم حيث بات من الممكن أن يفقدوا عبر تعنتهم هذا الكثير من مكاسبهم المفترضة، والتي نص عليها الاتفاق الأول ثم الثاني، وهناك الكثير جدًا من القوى والأحزاب الكردية إذ يوجد ما ينوف عن خمسين حزبًا كرديًا، من الممكن واقعيًا، بل من المتوقع أن تملأ الفراغ وتصبح البديل الأقرب إلى الشارع الكردي،  بعد أن يفقد أهل (قسد) أدواتهم السابقة من العسكريتاريا التي خولتهم للتسيد على الناس بعد أن فقدوا الثروات التي تدر المال الوفير مثل البترول والغاز والموارد الأخرى، التي جعلت منهم قادة ميدانيين يجمعون حولهم الميليشيا الكثيرة عبر المال الوفير المستفاد منه من آبار النفط السوري المسيطر عليها من قبلهم سابقًا قبل أن تعود إلى الدولة السورية.
واقع الحال والقراءة المتأنية للمشهد السوري الحالي تقول: يبدو أننا مقبلون على عصر آخر ليس فيه ذاك البعد القوي للوجود القسدي، وأن هناك انزياحات كبرى في شمال شرقي سوريا سوف تُفقد تنظيم (قسد) ما كان قد حصله حربًا أوسلمًا في تلك المنطقة في سوريا، بدعم أميركي كبير ومتواصل لم ينقطع خلال عشر سنوات مضت، وبوجود قواعد أميركية عديدة في تلك المنطقة، وتجري أحاديث حدية أميركية وتسريبات متتابعة بين الفينة والأخرى تشير إلى أنها بصدد الانسحاب الأميركي الكلي من شمال شرقي سوريا.
المهم أن نقول إن الكرد السوريون هم جزء مهم وأصيل من الشعب السوري، وهم ليسوا (قسد) مطلقًا، وقد كان لهم وما زال كل الدور الوطني لإنجاز بنية ومؤسسات سوريا الموحدة الواحدة بلا تجزيء وبلا تشتت، وأن فكرة الفيدرالية أو إصرار البعض على موضوع تطبيق اللامركزية السياسية باتت وهمًا غير قابل للتطبيق، لأنها فيما لو حصلت فسوف تكون مدخلًا أكيدًا للانفصال والتفتت، باعتبارها ستقوم على أسس قومية بحتة، وهذا غير ممكن في الواقع السوري المختلط أصلًا وغير المحدد في أطر جغرافية بحد ذاتها.
الكرد جزء من الشعب السوري الواحد الموحد، سابقًا ولاحقًا ولا يمكن أن يكونوا غير ذلك، كان لهم الدور في تاريخ سوريا الحديث، وسيكون لهم ذاك الدور في حاضر سوريا ومستقبلها أيضًا، امتلكوا دور وطني تاريخي وسوف يبقى هذا الدور، وهناك الكثير جدًا من القوى والأحزاب الكوردية الوطنية التي ما زالت تصر على وحدة السوريين ديمغرافيًا وجغرافيًا، ولا شك أن ذلك سيساهم في بناء الدولة الوطنية السورية، دولة المواطنة التي نحلم كسوريين بكل أثنياتنا وكل طوائفنا شاء من شاء وأبى من أبى.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى