
لم تعد قوات سوريا الديمقراطية بحاجة إلى البحث المطوّل في أسباب سقوطها ميدانيًا وسياسيًا، بقدر ما تحتاج إلى من يُبلغها بانتهاء وظيفتها وانتقال أوراق القوة والتأثير إلى الدولة السورية، بإجماع إقليمي ودولي. تفاهمات داخلية وإقليمية تعيد رسم خريطة سوريا الجديدة، من إدلب إلى دمشق، ومن شرقي حلب إلى الحسكة، بعد إزاحة نظام الأسد ومشروع مجموعات قسد.
فما الدروس التي ستخرج بها قسد بعدما جاءت الرياح بما لا تشتهي سفنها، وتخلّى التحالف الدولي عنها بعد تبدّل أولويات واشنطن السورية والإقليمية؟
يتعلّق الدرس الأول بضرورة التكيّف مع الواقع السوري الجديد، والدرس الثاني هو القبول بأن أي تموضع خارج مؤسسات الدولة أو بعيدًا عن سيادتها سيكون عمره قصيرًا.
ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة.
فشلت قسد في أن تكون جزءًا من مشروع وطني، وسقطت سياسيًا قبل أن تسقط ميدانيًا، أمام واقع انتقال كل أوراق اللعبة إلى يد الدولة السورية وبشروطها. رهاناتها على نفسها وحسابات البعض عليها كانت مخيّبة للآمال، ووصلت بها إلى طريق مسدود. التفاهمات القائمة بين أنقرة وواشنطن والرياض تضع دمشق في موقع القوة، ولا مجال لأي قوة عسكرية خارج الشرعية السورية.
يفرض المسار السوري الجديد على قسد قبول الواقع الداخلي والإقليمي المتغيّر، وإدراك أن الفرص والتوازنات لم تعد في صالحها، وأن الأمور تتجه نحو بروز قوى سورية كردية معتدلة، قادرة على التكيّف والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بما يضمن تمثيلًا كرديًا شرعيًا ومستدامًا.
سقوط قسد لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لسياساتها ومواقفها أولًا، ولتحولات السياسة الإقليمية والدولية ثانيًا، في حين فراغ دورها وغياب تمثيلها سيدفعان نحو ظهور قوى كردية معتدلة، بعيدًا عن حزب العمال أو أي تشكيلات مسلحة خارج الشرعية.
ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة. فما الذي تبقّى لقسد؟ وهل سيكفيها توقيع مظلوم عبدي الاتفاقيات باسمه الحركي لتُعلن نقضها لاحقًا؟
قسد أمام اختبار لا يتعلّق بالكفاءة العسكرية فقط، بل بالقدرة على هضم الواقع الجديد، وهذا ما تُظهره جملة من المواقف والتصريحات في لحظة فقدان التوازن وانكشاف الغطاء:
مظلوم عبدي: لن نتراجع عن مطالبنا، لكن علينا التعامل مع الواقع.
إلهام أحمد: منفتحون على تلقي الدعم من أي مصدر، بما في ذلك إسرائيل.
مراد قره يلان: انكشاف قسد محليًا ودوليًا، وتراجع غطائها السياسي، سيدفعها في اتجاه العودة إلى مرجعيتها الأيديولوجية والعسكرية الأولى.
توم باراك: الدعم يقتصر على مكافحة داعش، وليس على الهيمنة السياسية.
هاكان فيدان: أي تمدد خارج إطار الدولة السورية مرفوض.
أربيل: نحن نسعى لتوحيد القوى الكردية المعتدلة، بعيدًا عن النزاعات السابقة.
تل أبيب: نراقب الوضع ونستخدم أدوات التفاوض مع دمشق لضمان أمن الحدود.
ما فقدته قسد ليس فقط النفوذ والجغرافيا والثروات ودعم العشائر وملف داعش، بل كل الشعارات والتوصيات التي أسفرت عنها مؤتمراتها في شرق الفرات، من لامركزية وفدراليات وحكم ذاتي وإدارة محلية. الخيبة ليست على المستوى الميداني فقط، بل في رهانها على بعض العواصم لتكون بجانبها، فتركتها وحيدة في أصعب الظروف.
لم تنتقد قسد الموقف الأميركي صراحة، بل ركّزت على دمشق وأنقرة وبعض العواصم الخليجية لتوجيه اللوم، مستمرة في رهانها على تحوّل في مواقف الإدارة الأميركية. خلطت بين الحاجة الأميركية لها في سوريا وبين القدرة على تحويل ذلك إلى قوة تفاوضية.
ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة.
فرّطت قسد بجهود أربيل وواقعيتها ومساهمتها في صناعة اتفاقية 18 كانون الثاني المنصرم، وتخلّت عن تعهداتها للمبعوث الأميركي بتنفيذ الاتفاقية الموقّعة عليها، ودعت إلى النفير العام لمواجهة الجيش السوري، وتريد أن تبقى طرفًا أمام طاولة لم تعد قائمة أصلًا بالنسبة للرئيس الشرع، الذي قال كل ما عنده.
ما الذي كان سيحدث لو أن قيادات قسد ذهبت باتجاه دعوة دمشق لتسلّم سجون ومعتقلات داعش للسلطة السورية، على ضوء اتفاقية العاشر من آذار أو 18 كانون الثاني، وأعلنت أن الدولة السورية هي من يشارك في التحالف الدولي؟ هل ستفعل ذلك الآن في التعامل مع ملفات أخرى؟ هل ستسلّم مثلًا السلاح الموجود بين يديها؟
تكشف التصريحات الصادرة عن قسد والمحسوبين عليها عن حالة تفكك واضحة، وانتقالها من موقع الفاعل إلى المبرِّر. هو تحوّل جوهري في سلوك أي كيان مسلح يفقد توازنه الاستراتيجي. تصريح إلهام أحمد بشأن الانفتاح على تلقي الدعم من أي مصدر، بما في ذلك إسرائيل، يُظهر انسداد الأفق السياسي أمام قسد، في حين رسالة مراد قره يلان تُعمّق عزلتها وتقوّض ما تبقّى من شعاراتها.
ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة. في سوريا الجديدة، لم يعد هناك متّسع لكيانات معلّقة بين الدولة والوظيفة؛ إمّا الاندماج ضمن مؤسسات الدولة بشروطها، أو الخروج من المشهد.
المصدر: تلفزيون سوريا






