
هذا النداء موجهة لكل من يستطيع أن يساهم في إيقاف هذا العبث، قبل أن نشاهد ونعايش ردود فعل لا يحتملها وطننا، ولا نتطلع إليها.
أقدمت مديرية أوقاف حلب على تغيير اسم مسجد رئيسي في حي الكلاسة، المسجد كان يحمل اسم “جامع جمال عبد الناصر”، فبات يحمل اسم ” جامع أبو عبيدة عامر بن الجراح”.
المسجد قديم تم الانتهاء من بنائه في العام 1967، واعتمد اسمه تكريما مزدوجا: للرئيس جمال عبد الناصر، ولحي الكلاسة الذي عرف بأنه حي وحدوي أصيل، سكانه على الأغلب من العمال والطبقة الكادحة، وشهد هذا الحي منذ فجر ذلك اليوم الأسود يوم 28 أيلول سبتمبر 1961 حينما استطاعت طغمة عسكرية مرتبطة من الانقلاب على دولة الوحدة التي جمعت مصر مع سوريا وأقامت ” الجمهورية العربية المتحدة”، وسقط العديد من الشهداء من أبناء هذا الحي برصاص قوات الجيش السوري ، ولم تتوقف هذه المواجهات حتى سقوط النظام الانفصالي الرجعي، ثم تجددت المواجهات الدامية مع نظام البعث الذي هدد بتدمير هذا الحي عقوبة له على موقفه الوحدوي، وخلال الحراك الثوري السوري الذي تفجر في مارس 2011 شهد الحي بساحاته المختلفة مواجهات دامية مع جيش البعث، واستهدف المسجد بالقذائف، وتضرر بنيانه.
ما قامت به مديرية الأوقاف في حلب يعتبر اعتداء على ضمير وتاريخ حي الكلاسة، والمجتمع الحلبي عموما، قبل أن يكون عدوانا على اسم جمال عبد الناصر ورمزيته التاريخية والراهنة. وهو اعتداء يأتي قي وقت البلاد في أمس الحاجة الى وحدة أبنائها وتكاتفهم للتمكين لهذا المجتمع من النهوض ثانية، والتطلع إلى المستقبل.
لا شك أن هناك من يرحب بهذا التغيير ظنا منه أن في هذا تجاوز لتلك المرحلة من حياة أمتنا، أو أن التغيير يساهم في تغييب المشروع الذي حمله هذا القائد لهذه الأمة في العصر الحديث، المشروع الذي يعلي ويلتزم الوحدة والتقدم وإقامة مجتمع الكفاية والعدل، وتقديم صورة للحضارة العربية الإسلامية للإنسانية كلها، لكن هؤلاء يتجاهلون أن مثل هذه التصرفات لا تستطيع أن تثبت تزييفا أو تحريفا لتاريخ أمة.
وفي تجربة الرئيس المصري السابق “محمد مرسي” رحمه الله، ـ لمن يريد ـ الكثير مما يفيد في هذا الجانب، داخليا، ودوليا، لقد كان جمال عبد الناصر حاضرا أمامه في كل حين، وفي كل مكان، في احتفالات عيد العمال، وفي اجتماعات دول عدم الانحياز. لكن الظروف التي كانت تحيط بالرئيس مرسي حالت دون أن يتفهم هذا الواقع ويتعامل معه بما يفيد تجربته ومرحلته، فلم يستطع أن يبني على ما سبق من تاريخ الأمة وتجربتها، ولم يستطع أن يواجه الرياح الداخلية العاتية التي أحاطت به.
ولو أن الذين أتخذوا هذا القرار في مديرية أوقاف حلب تبصروا فيما هم مقدمون عليه لتنبهوا أن ليس لهم سبق الريادة في السبيل، فقد سبقهم آخرون في الوطن العربي إلى تغيير أسماء مواقع وساحات في بلادهم كانت تسمى باسم جمال عبد الناصر، وكانوا في إطلاقهم هذه التسمية ـ قبل أن تجتاحنا رياح الردة ـ يحجزون لهم مكانة في عقل ووجدان شعوبهم، لكن هؤلاء جميعا في انتكاستهم انتهوا إلى أحضان ” العدو الصهيوني”، فكأن هذا التغيير كان المؤشر المبكر على هذا المصير.
أنا لا أميل إلى اعتبار قرار مديرية الأوقاف قرارا فرديا ـ ولا قيمة لأي مزاعم تحاول تبرير هذا القرارـ، وأعتقد أن وراء هذا القرار إرادة “غير سوية” لاتجاه في الإدارة السورية الراهنة، صنعت من مزيج من “الجهل والحقد والانحراف”، وأن هذا القرار لا يخص ” جمال عبد الناصر”، ولا يقف عنده فقط، وإنما يريد أن يتعامل بهذا النوع من التشويه مع كل تاريخنا القريب والبعيد، مع الأعلام “القادة والمفكرون”، والمعارك، والقيم، والشعارات.
وهو بجهله وحقده وانحرافه يريد أن يحول هذا التاريخ الى جزر يصدم بعضها بعضا، ويدمر بعضها بعضا. وذلك بدل أن يكون تاريخنا ومعاركنا وقيمنا وأفكارنا طبقات تتراكم بتفاعل إبداعي حتى توصلنا إلى القمة التي نتطلع إليها.
إن الصحابي الجليل خالد بن الوليد سيف الله المسلول، وبحسبان اختلاف الزمان والمكان، يخرج وجمال عبد الناصر من مشكاة واحدة، مشكاة الجهاد لوحدة الأمة، وقوتها، وقيمها الروحية والأخلاقية، واستقلالية إرادتها، ومقارعة أعدائها، شأنهما في ذلك شأن كل من جاء بينهما ـ من قادة هذه الأمة ـ على مدى أربعة عشر قرنا، وعلى امتداد جغرافية الفعل الحضاري لأمتنا.
هنا أذكر أنه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب ” 2001 ـ 2009″، وكان اليمين الأمريكي الجديد في أوجه سطوعه يتقدمه ديك شيني نائب الرئيس، والعراق قد تم احتلاله، صرح أحد وجوه هذا اليمين الأمريكي أن المطلوب ليس أن تعود هذه الحكومات العربية عن نهجها في التعامل مع الثروات والتحالفات، وإنما أن تعيد صياغة تاريخها وعقلها ورؤيتها لتدين كل المراحل والأفكار والقيم، إن ذلك اليمن يريد منا أن ندين فكرة مقاومة الاحتلال، وفكرة الاستقلالية الوطنية، وفكرة السيطرة الوطنية على الثروة الوطنية، وفكرة التصدي للأحلاف، وفكرة تأميم أو تمصير أو توطين الشركات والثروات الوطنية، وفكرة التنمية المستقلة. وفكرة فلسطين والوحدة العربية وعدم الانحياز.. الخ، إنهم يريدون تغيير عقليتنا وليس واقعنا فقط، وعندهم هذا الأساس، وهذا الأكثر ديمومة. ولقد وجد هذا اليمين الأمريكي المتطرف بيننا، ومن أبناء جلدتنا من يتجاوب معه، ويسابقه في هذا السعي الى درجة سمعنا من ينعي على عبد الناصر تأميمه قناة السويس، بل ومن يتمنى لو أن “السد العالي” لم يكن، حتى لا يبقى شيء يذكرنا بتلك المرحلة، وبذلك المشروع النهضوي.
هذا العبث الذي يحدث اليوم يتماشى مع هذا التوجه الأميركي اليميني، وهو في عمقه وأساسه توجه صهيوني، ولا يختلف كثيرا من يريد أن يغير اسم مسجد في حي الكلاسة في مدينة حلب من اسم ” جامع جمال عبد الناصر”، عمن يريد أن يغير وضع قطاع غزة، وما يحمله هذا القطاع من قيم وشواهد المقاومة والتضحية والفداء، الهدف واحدة في الحالتين.
وهذا العبث الذي يحدث اليوم لا يختلف كثيرا عن جهود أولئك الذين يسعون الى تجريم تاريخنا العربي الإسلامي والعبث به، فيسمون الفتح الإسلامي غزو واستعمار، ويحاولون أن يطعنوا بقدسية فلسطين والمسجد الأقصى فيشيرون إلى أن القرآن الكريم لم يشر الى هذه الأرض المباركة، وإلى هذا المسجد، وإنما المقصود مسجد آخر في مكان آخر، وأرض مباركة أخرى غير هذه التي نعرفها. وفي ذات السياق يأتي عمل أولئك الذين يريدون أن نرى في “صلاح الدين الأيوبي” مجرد غاز لا عهد له ولا ذمة، ومثله محمد الفاتح، وأن خالد بن الوليد رضي الله عنه، رجل شهوة ونساء وقتل. وأن عمر المختار مغامر جر شعبه الى التهلكة، ومثله عبد الكريم الخطابي، وأن يوسف العظمة انتحاري لم يقدر طبيعة المعركة والعدو وتوازن القوى بينهما…. الخ.
هؤلاء جميعهم من أدرك وعرف ما يفعل، ومن جهل وكان يعزف على مزاميرهم، إنما يساهمون جميعا في محاولة تخريب هذه الأمة، التاريخ والحضارة والقيم ومشاريع النهوض. ويحاولن أن يجهضوا أي حراك ومحاولة جديدة للنهوض، وهؤلاء جميعا على اختلاف شعاراتهم: الدين بقراءاته القديمة والمعاصرة، التنوير والمعاصرة، نجدهم الواحد تلو الآخر يصيرون في “الحضن الغربي الصهيوني”، خدمة له واستقواء به.
أدعو الى وقف هذا العبث، رأفة بهذه الأمة وبالشعب السوري، وخوفا على مستقبل هذا الوطن، واغلاقا لباب الفتن، كفى ما اصابنا على مدة أكثر من ستين عاما.
إستانبول 21 / 1 / 2026






