حديث بلا هوادة

عساف سلامة السلمان

وأنا أتابع الأخبار، وأستمع إلى تغطيات وسائل الإعلام ما جرى ويجري في المواجهات مع قسد، وأمرّ بعينيّ على القرى والبلدات الممتدة من دير حافر إللى البوكمال، مرورًا بالرقة والحسكة ودير الزور، تتكوّن صورة واحدة لا يمكن تجميلها، ولا يجوز الصمت عنها. صورة تحمل وصمة عار ثقيلة، لا على نظام بائد فحسب، بل على كل الرايات السوداء والصفراء وغيرها، التي مرّت من هنا وتركت المكان عاريًا من العدالة والخدمة والكرامة.
أولاً: ما يلفت النظر أن هذه القرى، رغم مرور العقود وتبدّل السلطات، ما زالت تعيش في بيوت طينية، بجدران متصدعة، وقرى عشوائية محرومة من أبسط مقومات الحياة. لا شبكات صرف صحي، لا طرق معبّدة، ولا خدمات تذكر. طرق ترابية تبتلع الغبار صيفًا والطين شتاءً، وكأن الزمن توقّف هنا، أو كأن هذه المناطق خارج حسابات الدولة وكل من ادّعى تمثيلها.
ثانيًا: نحن أمام مناطق تجلس فوق بحار من النفط والغاز، لكنها تعيش فوقها كأنها نقمة لا نعمة. أحواض بترولية مكشوفة، غازات سامة تتسرّب إلى الهواء بلا رقابة ولا معالجة، وكانت – وما تزال – سببًا مباشرًا في انتشار أمراض خطيرة، وفي مقدمتها السرطان، حتى بين الأطفال. ثروات تُستخرج، وأرواح تُستنزف، ولا أحد يسأل أو يُحاسب.
ثالثًا: ورغم هذا الفقر المدقع، تظهر واحدة من أبهى المفارقات: كرم الناس. هؤلاء الذين بالكاد يجدون ما يسدّ رمقهم، فتحوا بيوتهم المتواضعة للعسكر، قدّموا الطعام، وشاركوا ما لديهم، وكأن الكرامة آخر ما تبقى لهم ويتمسكون به بشراسة. كرم لا تشرحه السياسة ولا تفهمه البنادق.
رابعًا: كل الرايات التي مرّت من هنا، بلا استثناء، رفعت شعارات كبيرة، لكنها في الواقع اشتركت في غاية واحدة: نهب خيرات هذه المناطق، واستثمارها لمصالحها الضيقة، مع إهمال كامل للجانب الخدمي والإنساني. تغيّرت الأسماء والألوان، وبقي الإهمال واحدًا.
خامسًا: حين ننظر إلى الأنفاق التي حُفرت، وزُخرفت، وصُرفت عليها أموال هائلة، ندرك حجم الجريمة بحق هذه الأرض ناهيك عن السجون التي مارست بها أشد أنواع التعذيب والقتل للمعتقلين. لو أن جزءًا بسيطًا من تلك التكاليف صُرف على المدارس، أو المشافي، أو الطرق، أو شبكات المياه، لتحوّلت هذه المناطق إلى واحات حقيقية، وإلى جنان على وجه الأرض، لا إلى خرائط موت مؤجل.
سادسًا وأخيرًا: تركت هذه الرايات وراءها إرثًا ثقيلًا من الخراب والألغام. ألغام مزروعة في الأرض، وفي الذاكرة، تحتاج المنطقة عشرات السنين للتخلّص منها، إن وُجد أصلًا من يعترف بالمسؤولية، أو يملك الشجاعة لتحمّلها.
المشهد مؤلم حدّ الفجيعة. مناطق غنية بالزراعة، والنفط، والغاز، لكنها فقيرة بالعدالة، وبالخدمات، وبالاهتمام. ما رأيناه ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات النهب والإقصاء، ولرايات مرّت من هنا، وتركت خلفها أرضًا مثقلة بالجراح، تنتظر من يسمع صوتها… بلا هوادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى