الصمت خياراً عقلانياً في ليبيا

علي العسبلي

لم يعد الصمت في ليبيا مجرد مؤشر على الخوف، أو سلوكًا تلقائيًا مكتسبًا، بل صار نمط حياة، وخيارًا متعقلًا لدى السواد الأعظم من الناس. السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يكسر أحد حاجز الصمت، بل كيف نجحت السلطة في جعل التمرد يبدو عبثيًا، وخطيرًا، وأحيانًا غير أخلاقي في نظر المجتمع نفسه.
منذ سنوات، تعمل السلطات شرقًا وغربًا على سياسة واحدة أساسية رغم اختلاف الشعارات والأهداف، وهي إنهاك الناس. إشغالهم بأنفسهم، وجعلهم يلهثون وراء الخدمات الأساسية، يقفون متسمرين في طوابير لا نهاية لها لكل شيء: الخبز، البنزين، الغاز، السيولة، وحتى العلاج. حتى صار الإنسان الكادح المستنزف لا يفكر في الحقوق، بل في كيف ينجو، وكيف ينهي يوم أطفاله بسلام.
هنا يظهر صديقي الوهمي كعادته. لا يحب التحليل ولا يثق بالكلام الكبير. يقول لي ببساطة: “بلا فلسفة، ماذا سأستفيد إذا تكلمت؟ ربما أسجن، وربما يُنكَّل بي، ومن سيُحضر لأولادي أكلهم؟”. يضغط على رأسه بيده ويضيف: “أخطّي راسي وقص”.
بصدق، صديقي الوهمي ليس جبانًا، هو فقط منهك. يرى أن الصمت أقل كلفة من الكلام، وأن السكوت أهون من خسارة كل شيء. هكذا يتحول الصمت من ضعف إلى حساب، ومن خوف إلى ما يبدو خيارًا عقلانيًا.
حين تنشغل طوال يومك بالكد من أجل الأساسيات، لا يتبقى فيك شيء للغضب المنظم. تُستنزف طاقة التمرد وتتحول إلى قلق فردي مزمن، ويصبح مجرد التفكير في الاحتجاج مخاطرة غير محسوبة. هكذا تُكمَّم الأصوات دون إعلان حالة طوارئ. لا حاجة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية أو القمع التقليدي عندما تقوم الطوابير بهذه المهمة.
القمع موجود ومستمر، وربما متصاعد، نعم، لكنه ليس التفسير الكامل للصمت المطبق. الجديد هو تواطؤ اجتماعي واسع مع هذا القمع. الأغلبية الصامتة لم تعد تكتفي بالصمت، بل تهاجم القلة الناطقة. تتهمهم بالعمالة، بالتهور، وكأن الطبيعي هو ألا يزعج الناس الدولة أو يذكّروها بفشلها. حتى صارت الصورة النمطية للمواطن الصالح هي من يتحمل الإهانة بصبر، ويعتبر الذل فضيلة. “المواطن الصالح هو من يرضى بظلم الدولة”، كما قال عبد الجليل، سيئ الذكر.
اختفاء المجتمع المدني والحركات والنقابات والأحزاب الحقيقية ليس صدفة عابرة. جرى تفكيكها وتشويهها وتركها وحيدة في مواجهة بيئة طاردة ومناخ قمعي، ومجتمع تنحاز فيه الأغلبية للجلاد وتبرر له. ومن بقي، أُجبر على التحول إلى ديكور أو تابع. إلى أن وصلنا إلى مرحلة اختفى فيها حتى الاحتجاج الرمزي نفسه. لا تكاد تجد منشورًا في العالم الافتراضي ينتقد ما يحصل، عدا من أنفار معدودين في الخارج كحالتي، لا خربشات على الجدران، لا تجمعات، ولا حتى غضبًا عفويًا عشوائيًا غير موجه.
السلطة ربحت جولة خطيرة في معركة الصمت. جعلت الناس يرون في الصمت طوق نجاة، وفي الاحتجاج تهديدًا لخبزهم، وفي الفوضى ذريعة كافية لاستمرار الصمت. أقنعوهم بأن هذا هو الواقع، ارضوا به، فالبديل أسوأ. هكذا يُبتز المجتمع بالخوف من المجهول الذي تحول إلى رهاب من التغيير، ومشروع لإعادة إنتاج الاستبداد باسم تجنب المستقبل.
هل ستنتهي حالة الصمت وتتحول إلى سكوت قابل للانكسار؟ الواقع يقول نعم، لكن ليس بالضرورة قريبًا. حاجز الصمت لا ينهار حين يبلغ القهر ذروته، بل حين يدرك الناس أن الصمت لم يعد يحميهم. حين يدركون أن الخضوع والرضا لن يوفرا لهم الحد الأدنى من الحياة. عندها فقط، قد يكتشف الجميع أن أقوى أدوات التغيير هي هم أنفسهم، هي صوتهم، صوت الجموع الذي لا يمكن لأي قوى أن تصمد أمامه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى