لا حديقة خلفية للبيت الأبيض

حسن شاهين

“قبل سنوات، قال لي أحدهم: سينتهي بك الأمر متهماً بأنك تاجر مخدرات… كل شيء مباح ضد تاجر مخدرات صودف أنه رئيس دولة”… هوغو تشافيز.
عام مضى على ولاية ترامب الأولى، كان كثيفاً ومليئاً بالأحداث والتطورات والمفاجآت التي كان يمكن أن تمتد على عقد كامل لا على 12 شهراً. نجح الرئيس الأميركي خلاله في أن يحوّل العالم بأسره إلى سيرك سياسي مفتوح. ولكن من كانوا يقفزون ويتقلبون ويختفون فيه لم يكونوا بهلوانات ولاعبي أكروبات ولا سحرة، بل مبادئ النظام الدولي وقواعد العلاقات الدولية والتحالفات والمؤسسات الأممية.
أنهى ترمب عامه الأول بحدث صدم العالم، حين أقدمت الولايات المتحدة على خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، فتشبيهها بعملية اختطاف مانويل نورييغا في بنما غير دقيق، فالأخيرة شملت احتلال البلد، وإسقاط النظام، وتنصيب نظام بديل، لا اختطاف الرئيس، مع الاعتراف والاستعداد للتعاون مع نظام حكمه، كما فعلت أميركا في فنزويلا. لذا جاءت العملية أقرب إلى عرض هوليوودي لا يحمل أي تغيير سياسي فعلي، ولا يقلب نظام الحكم. بل كان الهدف هو الفعل نفسه: استعراض قوة وإعلان التوجه نحو الأميركيتين.
اختير مادورو صيداً سهلاً؛ رئيس يفتقد للشرعية بعد انتخاباتٍ وُصفت بالمزوّرة، ولم تعترف بنتائجها نحو 50 دولة، منها كولومبيا برئاسة اليساري غوستافو بيترو، بينما طالب الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بتحقيق دولي بشأنها. يضاف إلى ذلك اقتصاد البلاد المنهار، وجيشها الضعيف.
التغيير مستمر، ولن يوقفه صعود ترامب ولا غيره، وسينتهي خلال سنوات ليست بعيدة إلى دخول العالم مرحلة “ما بعد الغرب”
ادّعى ترامب أن ما قام به في فنزويلا، ومجمل سياساته تجاه دول أميركا اللاتينية، يستندان إلى مبدأ مونرو المنسي، الذي بدا لسنوات طويلة أنه فقد راهنيته، وأصبح أقرب إلى مادّة تدرّس في كتب التاريخ أكثر مما يُحتكم إليه في السياسة الخارجية الأميركية. ماذا يعني استدعاء هذا المبدأ اليوم؟ هل نحن أمام توجّه استراتيجي حقيقي أم مجرّد تهويل سياسي ليس غريباً على ترمب؟ وما انعكاسات ذلك على السياسة الأميركية مستقبلاً؟ للإجابة، لا بد من العودة إلى عام 1823، حين وجّه الرئيس جيمس مونرو رسالته الشهيرة إلى الكونغرس. إلى جانب هذا التاريخ، هناك أربعة تواريخ مفصلية أخرى شكّلت السياسة الخارجية الأميركية كما عرفناها، أو كما كنّا نعرفها قبل أن تطأ قدما ترامب البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025.
“الأميركيتان للأميركيين”، عبارة تختصر مبدأ مونرو الذي وجّه أساساً إلى القوى الأوروبية، لردع أي محاولة للعودة إلى مستعمراتها السابقة في أميركا اللاتينية. وحمل في طياته إعلاناً بأن مجال المصالح الاستراتيجي للولايات المتحدة يشمل كامل القارّتين الأميركيتين. التاريخ الثاني عام 1898، مع الحرب الأميركية – الإسبانية، حين خرجت الولايات المتحدة من نطاقها القارّي، وسيطرت على الفيليبين وغوام وبورتو ريكو، وفرضت وصاية فعلية على كوبا. وللمرّة الأولى، أصبح لها قوة ما وراء البحار، على غرار الإمبراطورية البريطانية الأقوى والأكبر في ذلك الزمن. وبسبب هذا الوضع الجديد، جاء تعديل روزفلت الشهير لمبدأ مونرو عام 1904، أو ما عرف بملحق روزفلت (Roosevelt Corollary) الذي منع التدخل الأوروبي في أميركا اللاتينية لتحصيل الديون، بينما منح الولايات المتحدة الحقّ في أن تتدخل عسكرياً ومالياً في شؤون دول المنطقة. التاريخ الثالث 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، وارتفع خطابها المطالب بنظام عالمي، وتقرير المصير، والأمن الجماعي. والتاريخ الرابع 1945، فبادرت إلى تشكيل نظام عالمي جديد عبر الأمم المتحدة، وصندوق النقد والبنك الدوليين، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومشروع مارشال، مؤسّسِة بذلك هيمنة سياسية واقتصادية شاملة.
تحولت عبارة “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” من شعار انتخابي إلى حركة سياسية هيمنت على الحزب الجمهوري
وفي هذا السياق، تحولت عبارة “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” من شعار انتخابي إلى حركة سياسية هيمنت على الحزب الجمهوري. ولم يكن ذلك بسبب عبقرية ترامب أو لأنه يمتلك قدرات استثنائية، بل لأنه جاء في لحظة تاريخية مواتية: تراجع نسبي في القوة الأميركية، ووصول التباين الاجتماعي – الثقافي داخل أميركا إلى ذروة جديدة، عجّل الوصول إليها الانتشار الواسع لوسائل الاتصال والتواصل التي مكّنت الإنسان العادي من التأثير المباشر في الفضاء العام، فانعكس اتجاه التأثير الثقافي، وأصبح من أسفل إلى أعلى، وبعد أن كانت النخب تُشكّل وعي الجمهور، أصبح الوعي العفوي للجمهور يصنع نخباً من نوعية نايجل فراج وخافيير ميلي ودونالد ترامب. وأخيراً، ناقش المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما أسباب صعود اليمين الشعبوي، وقدّم سبباً مركزياً لخّصه في عبارة ساخرة: “إنه الإنترنت يا غبي”.
التغيير مستمر، ولن يوقفه صعود ترامب ولا غيره، وسينتهي خلال سنوات ليست بعيدة إلى دخول العالم مرحلة “ما بعد الغرب”. من هنا جاءت الاستراتيجية الأميركية الجديدة نهاية 2025، التي فيها انكفاءٌ نسبي عن أوروبا، وتركيز استراتيجي على نصف العالم الغربي، بعد أن باتت كلفة الانتشار العالمي والتدخل كلاعب رئيس داخل كل إقليم باهظة وغير مجدية اقتصادياً، وفيه تورّط في صراعات محلية طويلة الأمد. أدرك أوباما وإدارته هذا الوضع مبكّراً، لكن مقاربته كانت مختلفة، ففي الملف الإيراني، على سبيل المثال، أبرم الاتفاق النووي الشهير، إقراراً بدور إيراني في المنطقة مع خروج الولايات المتحدة منها، أما ترامب فاختار مقاربة أكثر صدامية، فتراجع عن الاتفاق وضرب إيران وأوصل الأمور معها إلى حافة حرب شاملة، في محاولة لترجيح كفّة محور إسرائيلي ناشئ في المنطقة. اختلفت المقاربتان، رغم أن الاستنتاج الاستراتيجي لدى الرجلين واحد.
يستطيع ترامب أن يحلم بالعودة إلى زمن مونرو، لكن لا يبدو أن شعوب أميركا اللاتينية لا تشاركه هذا الحلم
… قبل أكثر من 20 عاماً، وفي مقابلة تلفزيونية، نبّه محمد حسنين هيكل إلى أن اقتصاد الصين سيشكل 50% من اقتصاد الولايات المتحدة عام 2025، وسيترتب عن ذلك تغيّر في موازين القوى العالمي وتداعيات على كل الصُّعد. جاء عام 2025 واقتصاد الصين يشكّل نحو 65% من اقتصاد الولايات المتحدة بحسب القيمة الاسمية للدولار، وأكثر من 130% بحسب تعادل القوة الشرائية للدولار (PPP)، وفقاً لأرقام البنك الدولي. ولم تصعد الصين وحدها، بل تبعتها دول كانت تعد نامية حتى وقت قريب، وأصبح بعضها اليوم يقف على أعتاب العالم الأول.
بدأ ترامب يعلن صراحة تراجع اهتمام بلاده بملفاتٍ كثيرة كانت مركزية بالنسبة إليها، فترك مسألة تايوان للصين، ودفع أوكرانيا نحو التنازل عن أراضٍ لروسيا. والآن يعلن أنه يريد العودة إلى زمن مبدأ مونرو، ويحلم بأن تطلّ نافذة مكتبه البيضاوي على حديقة خلفية لاتينية. ظهر ذلك حتى في طريقة مخاطبة ترامب قادة كولومبيا والمكسيك وكوبا، وكأنهم ليسوا قادة دول مستقلة ذات سيادة. لكنه قريباً سيصطدم بالواقع، ويكتشف أن أميركا اللاتينية لم تعد جمهوريات موز، وأن زمن “شركة الفواكه المتحدة” قد انتهى.
المكسيك التي ينظر لها جاراً فقيراً ومصدراً للهجرة غير الشرعية، بات اقتصادها يضاهي اقتصاد إسبانيا، ويقترب اقتصاد البرازيل من حجم اقتصاد إيطاليا، وتمكّنت دول، مثل الأرجنتين وكولومبيا وتشيلي، من تحقيق قفزات تنموية مذهلة.
يستطيع ترامب أن يحلم بالعودة إلى زمن مونرو، لكن لا يبدو أن شعوب أميركا اللاتينية لا تشاركه هذا الحلم، فقد اختارت، على الأرجح، البقاء في القرن الحادي والعشرين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى