
هل تعرف يوغسلافيا أو ربما سمعت بها أو مرت على مسامعك في فيلم أو محاضرة أو على باب مبنى يعود لسفارة هذه الدولة يوما ما، نعم كان هناك دولة معترف بها اسمها يوغسلافيا، كيان سياسي يحكي في قصة بزوغه وأفوله عن صراع ثالوث الأرض والقومية والدين، قد لا يهم الترتيب هنا فالبعض قدم الأرض وآخرون قدموا القومية وهناك من قدم الدين، لكن في المحصلة شكلت هذه العناصر الثلاثة عوامل نشوء يوغسلافيا عام 1918 وذاتها هي من أدى إلى انهيارها وانفجارها إلى دول عدة منذ نهاية الثمانينات وحتى عام 2008 بإعلان استقلال جمهورية كوسوفا.
من يتتبع المسار التاريخي ليوغسلافيا يجد أن هناك فكرتين كانت تتحكم بمشهدها السياسي المعقد وهما صربيا الكبرى والتي تنادي بتوحيد جغرافي ودولة مركزية لأراض القومية الصربية على حساب الطوائف وفكرة أخرى تنادي بإنشاء كيان فيدرالي على أسس قومية بين الصرب والكروات والسلوفين، ولا يمكن إغفال العامل الخارجي الذي تحكم بمسار نشوء هذه الدولة خلال ظروف العلاقات الدولية قبيل الحرب العالمية الأولى وبين الحربين وخلال فترة الحرب الباردة وصولا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.
في سوريا قد يبدو المشهد الحالي متقاطعا مع يوغسلافيا إلى حد ما، جغرافية تقطعها خطوط نفوذ قومية هنا وطائفية هناك، يشكل المشهد في مجمله تركة نظام الأسد المخلوع الذي حكم سوريا على مدار خمسين عاما عبر إدارة معادلات طائفية ومناطقية وإثنية معينة تصب في خانة التفرد بالقرار والاستبداد وعدم وجود وفاق شعبي ضده، لكن انهيار هذه المعادلات بعد سقوطه كان نقطة انطلاق لمشهد معقد متشابك في الجغرافيا السياسية للقوميات والإثنيات والطوائف، ناهيك عن ميكانزما السقوط ووصول حكومة من خلفية دينية ما عزز الفرز الطائفي القائم على تصورات مسبقة وأنماط تخيلية وشد العصب الطائفي والقومي ولا يمكن إغفال ركوب موجة الاصطفافات هذه من قبل قوى خارجية وجدت فيه أرضا خصبة للعبث بسوريا الجديدة والتحكم بمسار ولادتها وحياتها السياسية في المرحلة الانتقالية والمقصود هنا دولة الاحتلال الإسرائيلي وتعاملها مع ملف السويداء وإلى حد معين في ملف قسد.
تقف اليوم سوريا على حافة سيناريوهين اثنين قد يتشابهان مع سيناريوهات يوغسلافيا المذكور آنفا، إما المضي نحو دولة مركزية قد ترتفع فيها مستويات الاستقطاب الطائفي والقومي أو نحو خيارات فيدرالية تزداد معها احتمالات التفت والوصول إلى بلقان جديدة في الشرق الأوسط، وهنا يطرح السؤال الكبير، كيف يمكن الوصول إلى سوريا جديدة بحدودها القديمة، السؤال صغير لكن حمولته ونتائجه كبيرة جدا، والإجابة عليه تحمل في طياتها ولادة سوريا بوجه جديد قد يكون مدخلا لتغير أوسع يتبعه في معادلات الإقليم وتوازناته.
في معرض الإجابة عن هذا السؤال قد يبرز مفهوم اللامركزية بشقيها السياسية والإدارية لكن ذلك قد يفتح الباب على أسئلة أكثر عن مدى نجاعة هكذا سيناريوهات وإمكانية تطبيقها بالنظر إلى الواقع السوري الحالي وعدم وجود بنية تحتية قانونية ومؤسساتية لذلك، نظرا لمرور سوريا بفترة انتقالية ومخاض عسير لولادة دولة جديدة وافتقارها بطبيعة الحال لمؤسسات حقيقية ترسم وتؤطر هكذا سيناريوهات، ومن المهم بمكان عدم إغفال العامل الخارجي وتحول سوريا إلى عقدة جيوسياسية إقليمية وربما دولية، تتقاطع فيها تارة وتتشابك تارة أخرى مشاريع وتوازنات تفرض عليها تصورا ما لشكل دولة توائمها وتتموضع فيها.
بالعودة إلى تجربة يوغسلافيا التي أصبحت في ذمة التاريخ، يجب على سوريا أن تنظر إليها بإمعان فلا الدولة الموحدة كانت حلا ولا التفتيت كان حلا لشعوبها المتنوعة، لكن الوقت يمضي وأصبحت الإجابة عن السؤال الكبير أكبر الضرورات لمستقبل سوريا الذي ما زال مائعا، يرسم ويمحى في كل لحظة.
المصدر: تلفزيون سوريا






