حين عبرنا بأمهاتنا

عساف سلامة السلمان

(قصة قصيرة مستوحاة من صورة شاب يعبر الجسر حاملا أمه نازحا من دير حافر)

كان الجسرُ نصفَ فكرة، ونصفَ ذاكرةٍ لم تكتمل، ألواحٌ مكسورة، حديدٌ عارٍ مثل عظمٍ خرج من جلده، وتحتها ساقية ماءٍ البابيري تمضي ببراءةٍ قديمة، غير معنيةٍ بالحرب، غير مدركةٍ أن فوقها يمرّ عمرٌ كاملٌ محمولًا على كتفين.
كان الشاب يشدّ أمه إلى صدره، لا كمن يحمل جسدًا، بل كمن يحاول أن يمنع الزمن من الانفلات. كانت خفيفةً على غير عادتها، خفيفةً حدّ الخوف، كأن البرد سرق منها ما تبقّى من لحم الذاكرة.
لفّها بعباءته، عباءةٍ لم تعد تقي من الشتاء لكنها كانت آخر ما تبقّى من البيت.
الريح تعضّ الأصابع، والسماء رمادية كوجه الحرب، والأرض تعرف أسماء القذائف أكثر مما تعرف أسماء أهلها.
قالت الأم بصوتٍ مكسور: «دير بالك يا ابني… لا تطيح». ضحك الشاب ضحكةً قصيرة، ضحكة رجلٍ يعرف أن السقوط لم يعد خياراً، بل مصيرًا مؤجلًا فقط. على الجسر، كان كلُّ خطوةٍ حسابًا مع الموت.
إن زلّ، لا يسقط هو وحده، تسقط معه طفولته، وأغاني الحصاد، ورائحة الخبز، وصوت أبيه حين كان يناديه من آخر الحقل. خلفهم، كانت المدافع تشرح وجه الأرض، والقذائف تتسلى بأسماء القرى. لم يكن هاربًا من شجاعة، كان هاربًا من عبث. من حربٍ لا تحتاجه حيًا ولا شهيدًا، بل رقمًا آخر في نشرة المساء.
قال في سرّه: «لن أكون وقودهم… لن أترك أمي تموت من الخوف قبل أن تموت من العمر» كانت الأم ترتجف، ليس من البرد فقط، بل من صوتٍ تعرفه جيدًا، صوت الحرب الذي سمعته من قبل حين كانت شابة، وحين ظنّت أن الحروب تكبر وتموت مثل الناس. لكن الحرب لا تشيخ.
حين وصل إلى منتصف الجسر، توقّف لحظة. نظر إلى الماء الجاري تحته، وتذكّر الوحل. الوحل نفسه الذي ابتلع أقدامهم قبل سنوات، والليل نفسه، والركض نفسه بلا اتجاه. تذكّر 2013.
الحقول التي خبّأت الألغام كما تخبّئ الأم أسرارها، الطين الذي كان يشدّهم إلى الأرض كأنه يقول: «ابقوا… هنا موتكم أو هنا ذاكرتكم» يومها حمل أمه أيضًا. كانت أقوى، وكان هو أضعف.
اليوم انعكست الأدوار، لكن الخوف لم يتغيّر. عبر الجسر. لم ينتصر، ولم ينجُ. هو فقط عبر. وعندما وضعها على الضفة الأخرى، جلس قربها، أمسك يدها، كانت باردة كشتاءٍ بلا نهاية.
قالت: «الله يرضى عليك يا ابني» لم يجب. كان يعرف أن الرضى لا يوقف القذائف، ولا يعيد البيوت، ولا يدفئ عجوزًا في شتاء المنفى.
رفع رأسه، نظر خلفه إلى دير حافر، ومسكنة والحبوبة، إلى الجسر نصف المهدم، إلى القرية التي صارت صورة، إلى الحرب التي ما زالت جائعة. ثم شدّ عباءته، وحمل أمه مرةً أخرى، ومشى.
كأن الهرب صار وطنًا، وكأن النجاة ليست سوى تأجيلٍ جديدٍ للحزن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى