ليست حرباً على الإرهاب وليست حرب أوتوسترادات

حسن النيفي

على مدى عامين متواليين، أي منذ مطلع العام 2017، حتى أوائل كانون الثاني الفائت، عايش السوريون المناهضون لنظام الأسد تداعيات مسار أستانا بمشاعر وأحوال متباينة، يعكس تباينها المحدّدات التي ينطلق منها كل طرف، فثمة مَنْ رأى أن مسارات التفاوض بين الأطراف الراعية (روسيا وإيران وتركيا) هي الكفيلة والقادرة على ترجمة القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية، وبالتالي فإن الحل السياسي المأمول لن يكون خارج إرادة هذا التوافق الثلاثي الضامن، ولعلّ القسم الأكبر من أصحاب هذا الاتجاه هم من قطاع المعارضة الرسمية، أعني ممّن انخرط في كياناتها الرسمية، وساهم في المشاركة في الوفود التي تناوبت بالذهاب إلى أستانا وجنيف وسوتشي، علماً أن مشاركة أطراف المعارضة السورية في مجمل لقاءات أستانا كانت مشاركة شكلية، أي حضورهم كان ضرورياً لاكتمال النصاب القانوني الشكلي، بل غالباً ما يُكتَفى بحضور الوكيل، نيابةً عن الموكِّل إذا اقتضى الأمر، كما حدث في لقاء سوتشي الأول في – 30 كانون الثاني 2018 )، حين لم يُتحْ لأعضاء وفد المعارضة الحضور، وأمضوا ليلتهم في قارعة المطار، ففوّضوا أمرهم للوكيل التركي، وفقاً لتصريح رئيس الوفد المفاوض آنذاك. أمّا أصحاب الاتجاه المباين لمسارات أستانا فقد كان معظمهم ممّن تنهمر القذائف والبراميل على رأسه، وممن حُشِر في الباصات الخضر، وآثر النجاة بروحه، تاركاً بيته وبلدته، هرباً من بطش نظام الأسد.

لعلّه من البديهي، أن المرافعة التركية عن القضية السورية في محافل أستانا، لم تكن مرجعيتها القانون الدولي، ولا القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، ولا عدالة أو شرعية القضية السورية، وإنما مرجعيتها الأساسية، والنواظم التي تتحكّم بسيرورتها، هي صراع المصالح المتشابكة بين الأطراف الدولية الثلاثة، وهذا يحيل بداهةً إلى أن هذا الصراع إنما يخضع لموازين القوى النافذة على الأرض، وليس إلى الرغبات أو الشعارات، وهذا ما لا تخفيه أو تنكره الدول الراعية، ولا يتجاهله المجتمع الدولي، ولكنْ ممثّلوا المعارضة وحدهم هم من ينكره، بدليل أن علائم الخسارة في هذا المسار بدأت تتواتر منذ لقاء أستانا الأول، حين وقّعت أطراف المعارضة على التزامها بوقف إطلاق النار، بينما اكتفى الروس بوعد (شفهي) بإيعاز لقوات الأسد بالكف عن الإمعان في العنف، ثم تتالت الخيبات بخديعة (مناطق خفض التصعيد) في لقاء أستانا الرابع (أيار 2017)، والتي انتهت، الواحدة تلو الأخرى إلى سيطرة نظام الأسد، بعد أن

قُتِلَ مَنْ قُتِلَ من أهلها، وتشرّد من تشرّد، واعتقل من اعتقل، فضلاً عن الخسارة الأكثر إيلاماً بالنسبة إلى السوريين، وهي التغاضي عن ملف المعتقلين والمغيّبين. وقبل أن تكتمل بهجة مفاوضي المعارضة بتشكيل اللجنة الدستورية التي ستعيد لهم الاعتبار والصِدقيَّة، يحاول (بوتين) الإجهاز على إدلب، مؤكّداً للجميع أنه الأقدر على جنْي ثمرات أستانا التي تجسّدت بمنجزين كبيرين بالنسبة إلى نظام الأسد وحلفائه

الأول: احتواء المقاومة المسلّحة، وتحييدها، ومن ثم الإجهاز على القسم الأعظم منها.

الثاني: الالتفاف الكامل على القرارات الدولية، وإفراغها من جوهرها، واختزال قضية السوريين بلجنة دستورية لا أحد يتنبأ بأيّ مُنجَز لها.

لقد أفضى العدوان الراهن على إدلب وأرياف حلب إلى دفْع الحكومة التركية للإعلان رسمياً عن موت (أستانا)، ولا شكّ أن الدافع لهذا الإعلان هو وصول التفاهمات التركية الروسية إلى درجة عالية من التنابذ والتنافر، ليس بسبب نزاع الطرفين حول إدلب فحسب، بل في جملة من المسائل، لا يتسع السياق للحديث عنها، إلّا أن الغريب في الأمر، هو حالة الخدر التي استمرأها رموز التفاوض في المعارضة، إذ في الوقت الذي تلتهب فيه مدن وبلدات وقرى أرياف إدلب وحلب، ويلقى الآلاف من سكانها حتفهم جرّاء وابل البراميل والقذائف الصاروخية، ويهيم مئات الآلاف منهم في العراء، نجد أن رموز هيئة التفاوض وبعض أعضاء (اللجنة الدستورية) منهمكون بإقامة الورش والندوات التي ترمي إلى إقناع (المجتمع المحلي) على حدّ تعبيرهم، بشرعية وجدوى مسعاهم التفاوضي، دونما أيّ اكتراث بالمحرقة البشرية في الشمال الغربي من سوريا.

ما يزيد هذا المشهد المريع إيلاماً وسوداويةً، هو مشهدٌ موازٍ تتناسل فصوله من تداعيات الموقف الدولي، وكيفية تعاطيه مع معاناة السوريين، ذلك أن أكثر وسائل الإعلام انتشاراً وتأثيراً في الرأي العام، لا يعنيها مما يجري في إدلب، سوى الخلاف التركي الروسي، وما هي دوافعه ومحدّداته، فتارةً يكون بسبب رغبة كل من الطرفين في السيطرة على الطرق الدولية (حلب – دمشق – اللاذقية)، وكأن هذين الطريقين هما الشريان الذي يختزل التجارة العالمية برمتها، بينما واقع الحال يشير إلى أن الأهميّة المزعومة لتلك الطرق ليست أكثر من ذريعة واهية، يُراد استثمارها لقضم مزيد من البلدات والقرى، للاقتراب أكثر نحو مدينة إدلب. وتارةً أخرى يكون بسبب وجود هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، وهيمنتها على مدينة إدلب، فضلاً عن عدم إيفاء تركيا لالتزامها بإبعاد النصرة أو استئصالها، ولو افترضنا أن جميع تلك الذرائع كانت صحيحة، وأن تركيا لم تفِ بالتزاماتها حيال اقتلاع النصرة، فلماذا يتحاشى بوتين ونظام الأسد أي استهداف أو احتكاك بهيئة تحرير الشام؟ بل ربما كانت أماكن وجود ومقارّ النصرة هي الأكثر أمناً قياساً للمناطق الأخرى، لماذا – أيضاً – لم تكن جبهة النصرة في إدلب موضع اهتمام أو قلق المجتمع الدولي كما كانت داعش في مناطق شرق الفرات؟ علماً أن المناطق والبلدات التي احتلها بوتين في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، بعد تدميرها وإفراغها من سكانها، والتي بلغت (أربعاً وخمسين بلدةً) حتى الآن، لم يكن للنصرة أيّ وجود فيها، وكذلك فإن مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ، الذين هاموا على وجوههم في البراري، ولم يتمكن معظمهم من الحصول على خيمة، هؤلاء ليسوا من النصرة ولا علاقة لهم بأية جهة متطرفة.

ليست الحرب – إذاً – حربَ أوتوسترادات يُراد السيطرة عليها فحسب، وليست – كذلك – حرباً على الإرهاب، بل الأمر برمّته لا يعدو كونه إرهاباً قلّ نظيره في التاريخ، يمارسه مجرمو حرب، ومتوحّشون قَتلة، بقيادة وتوجيه بوتين، وبتنفيذ ميليشيات طائفية تتناسل من إيران، بهدف السيطرة التامة على ما تبقى من جغرافيا خارج سلطة الأسد، موازاة مع إفراغ هذه المدن والبلدات من سكانها، وإجبارهم على النزوح أو التلاشي، كما حدث في الغوطة ودرعا، مع التأكيد الدائم على أن ما يريده بوتين ونظام الأسد له ما يبرره وفقاً لتفاهمات أستانا، ولعل العبارة التي تتصدّر جميع بيانات أستانا (وحدة وسيادة الأراضي السورية) هي إحدى قواعد الإسناد للعدوان على السوريين.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى