
الوصف الأدقّ لردات الفعل الصينية على الصراعات العسكرية الدولية خلال الربع الأوّل من هذا العقد، من أوكرانيا، مروراً بالحروب الإسرائيلية على غزّة ودول الشرق الأوسط، وصولاً إلى العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، يتلخّص في أنها “دولة تجنّبية”، لا “حيادية”، تتجنّب المواجهة، وتتنحى إلى الهامش.
في هذه الحالات، انخرطت دولٌ يُقدّمها الخطاب الصيني بوصفها “شركاء استراتيجيين”. عمليّاً وبعيداً عن ذلك التقديم، رسمت حدود السلوك “التجنبّي” الذي تفرضه على نفسها تجاه كلّ صراع. ففي أوكرانيا، تجنّبت بوضوح تقديم أيّ دعم عسكري لروسيا. وفي فلسطين، تجنّبت ممارسة أيّ ضغط مباشر على إسرائيل. أمّا في الحرب الإسرائيلية على إيران، فتجنّبت تماماً تقديم المساعدة، وأكّدت أنّها لم ولن تُرسل أسلحة إلى إيران خلال الحرب. وينطبق الموقف نفسه على صديق الصين الحالي، فنزويلا؛ إذ اقتصر الردّ الصيني، منذ اختطاف واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على تجنّب الإشارة إلى أيّ إجراء فعلي ضدّ سياسة الولايات المتحدة، واكتفت، كما في الحالات الأخرى، بـ”الإدانة الشديدة، والدعوة إلى احترام القانون الدولي”.
ثلاث كلمات مثّلت جوهر التصريحات الأميركية منذ بدء العملية العسكرية على فنزويلا: مونرو، الصين، النفط. … أعاد هذا الخطاب فتح النقاش حول مبدأ مونرو، وأهمية أميركا اللاتينية لواشنطن، وخطر توسّع النفوذ الصيني في المنطقة، فقد دعت الإدارة الأميركية إلى ضرورة مواجهة هذا النفوذ المُتزايد، واتخذته مُبرّراً للهجوم على فنزويلا، التي تُعدّ الصين أكبر مُستورد للنفط منها. وفي هذا السياق، أجاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ردّاً على سؤال بشأن محاولات واشنطن احتواء النفوذ الصيني في القارّة الأميركية، قائلاً: “هذا هو نصف الكرة الغربي. هذا هو موطننا، ولن نسمح بأن يكون نصف الكرة الغربي قاعدة عمليات لخصوم الولايات المتحدة ومنافسيها”. أما الرئيس دونالد ترامب فقال “لا نريد أن نرى روسيا أو الصين هناك [في فنزويلا]”. لا تثير هذه التصريحات التساؤلات بشأن موقف الصين من فنزويلا، إذ بقي محدوداً ومتوقّعاً، بل حول السبب الحقيقي وراء توجيه واشنطن رسالتها الاستراتيجية إلى بكين تحديداً، من خلال اعتقال مادورو. فما علاقة الصين بمبدأ مونرو؟ ولماذا وكيف وقعت فنزويلا في صلب هذا الاشتباك الثلاثي: مونرو، الصين، والنفط؟
مونرو الذي لا يموت
نشرت الإدارة الأميركية، في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2025، وثيقة الأمن القومي، والتي احتوت على قسم كامل عن القارّة الأميركية، بعنوان “نصف الكرة الغربي” Western Hemisphere. وفيه: “بعد سنوات من الإهمال، ستُعيد الولايات المتحدة تأكيد مبدأ مونرو وتطبيقه، من أجل استعادة تفوّقها في نصف الكرة الغربي، وحماية وطننا والوصول إلى المواقع الجغرافية الحيوية في مختلف أنحاء المنطقة”. اللافت للنظر في الوثيقة أنّها قدّمت بعداً “ترامبيّاً” لمبدأ مونرو، أطلقت عليه اسم “إضافة ترامب” (Trump Corollary). وبعيداً عن النزعة الشخصية المعروفة لترامب في توسيع حضوره في السياسة الخارجية، وُصفت “إضافة ترامب” في الوثيقة بأنها “إعادة إحياء قوية وواقعية للنفوذ والأولويات الأميركية، بما يتماشى مع المصالح الأمنية للولايات المتحدة”. وأضافت الوثيقة أنّ تطبيق “إضافة ترامب” يعني: “منع المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية من التمركز عسكرياً أو نشر قدرات تهديدية أخرى، أو من تملّك أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية داخل منطقتنا”، كما أكّدت أنّ التحالفات بين واشنطن ودول القارّة الأميركية ستكون “مرهونةً بتقليص النفوذ الخارجي المُعادي، بدءاً من السيطرة على المنشآت العسكرية والموانئ والبُنى التحتية الحيوية، وصولاً إلى شراء الأصول الاستراتيجية بمفهومها الواسع”. وبالتالي، يشكّل مبدأ مونرو الأساس لسياسة “ممنوع الدخول” في القارّتين الأميركيتين، بينما تمثّل “إضافة ترامب” الآلية الحديثة لتطبيق هذه السياسة من خلال إزالة أو منع المنافسين الأجانب من تثبيت موطئ قدم لهم في المنطقة. وقد تجسّد التطبيق العملي لـ”إضافة ترامب” في لحظة اعتقال نيكولاس مادورو، حيث صرّح ترامب: “مبدأ مونرو مهم للغاية، لكننا تجاوزناه بدرجة كبير superseded it by a lot”، في إشارة إلى أنّ السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية باتت أكثر فاعلية وهجومية في تطبيق المبدأ، بل واستباقية في فرضه.
منذ قرنين، وتحديداً في الثاني من ديسمبر/ كانون الأوّل عام 1823، وجّه الرئيس الخامس للولايات المتحدة جيمس مونرو رسالته السنوية إلى الكونغرس الأميركي، أعلن فيها أنّ القارة الأميركية، أو ما تُعرف بـ”جزيرة العالم الغربي”، تمثّل الفناء الحيوي للولايات المتحدة وجزءاً من أمنها القومي، فارضاً بذلك هيمنة أميركية شبه مطلقة على الإقليم، وقال: “نعلن أننا سنعتبر أي محاولة منهم [القوى الأوروبية] لتمديد نظامهم السياسي إلى أي جزء من هذا النصف من الكرة الأرضية تهديداً خطيراً لأمننا وسلامنا”.
عندما تُحيي واشنطن مبدأ مونرو، فهي تُعيد ترتيب حساباتها الأمنية، وتستحضر تراتبية هرمية إقليمية ودولية، تسعى من خلالها إلى تثبيت موقعها بوصفها “المهيمن الإقليمي”
منذ ذلك الوقت، أصبح مبدأ مونرو ركيزة أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه أميركا اللاتينية. وعلى مدار التاريخ، واجه هذا المبدأ تحديات مُتكرّرة، لا سيما خلال فترة الحرب الباردة في القرن العشرين، حين تحوّلت أميركا اللاتينية إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. فقد أبدت عدّة دول في المنطقة ميولاً للتقارب مع موسكو، ما دفع الاتحاد السوفييتي إلى محاولة ترسيخ نفوذه في “جزيرة العالم الغربي”، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً مباشراً لمبدأ مونرو. على سبيل المثال، أزمة الصواريخ الكوبية، الحرب في نيكاراغوا، الحرب الأهلية في السلفادور، والانقلاب العسكري في غواتيمالا، وإطاحة حكومة أليندي اليسارية في تشيلي، وذلك ضمن استراتيجية أميركية لاحتواء النفوذ السوفييتي وتعزيز مبدأ مونرو. لذلك، “إضافة ترامب” ليست إضافة جديدة عملياً، ولا هي حكر على ترامب، بل تمثّل إعادة إحياء لممارسات أميركية سابقة. غير أنّ ترامب سعى، كعادته، إلى إضفاء مركزية شخصية عليها، وهو موضوع قابل للنقاش والبحث في مقالات لاحقة.
عندما تُحيي واشنطن مبدأ مونرو، فهي تُعيد ترتيب حساباتها الأمنية، وتستحضر تراتبية هرمية إقليمية ودولية، تسعى من خلالها إلى تثبيت موقعها بوصفها “المهيمن الإقليمي”، وهو الموقع الذي يُعدّ أحد الضمانات الأساسية لمكانتها في هرم الهيمنة الدولية. وبالتالي، وفي سياقات توزيع القوّة، لن تسمح لأيّ دولة أخرى باختراق مجالها الجغرافي، أو ما تعتبره “فناءها الخلفي”. فجاء اعتقال مادورو والعملية العسكرية بمثابة تحذير صريح لدول أميركا اللاتينية بأنّها قد تواجه المصير نفسه، ورسالة مباشرة إلى الصين بأنّ هذه منطقة أميركية خالصة، لا مكان فيها للقانون الدولي. وكأنّه يرد على تصريح الصين بأنّ “سلوك أميركا في فنزويلا انتهاك للقانون الدولي”، قائلاً: “لا أحتاج الى قانون دولي… عقلي الخاص هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني”.
الصين وانتهاك “مونرو”
يمكن القول إنّه، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي إلى غاية 2004، كانت جزيرة غرب العالم منطقة خالصة نسبياً للنفوذ الأميركي. ولكن، شكّل عام 2004 نقطة تحوّل لبداية الانخراط “التكتلي” الصيني في أميركا اللاتينية، واختراقاً لمبدأ مونرو، عبر منظمة بريكس. ففي ذلك العام، توسّع المثلث (الصين وروسيا والهند) عبر انضمام البرازيل لما أصبح يعرف آنذاك بالبريك BRIC، والتي يُطلق عليها اليوم البريكس BRICS بعد انضمام جنوب أفريقيا. بدأ توسّع النفوذ الصيني بالإقليم تدريجياً منذ ذلك الوقت، لتصبح أكبر شريك اقتصادي لدول أميركا الجنوبية. وشمل ذلك إنشاء علاقات أمنية ثنائية مع بعض دول الإقليم، وتصدير السلاح، والمشاركة في بعثات السلام الخاصة بالأمم المتحدة كما الحال في هاييتي، الأمر الذي زاد مخاوف واشنطن من أنّ بكين تسعى إلى تعزيز تعاونها الاستخباراتي في فناء أميركي الجغرافي، وهو الأمر الذي وجدت فيه اختراقاً حقيقياً لمبدأ مونرو وسياستها طويلة الأمد حول هيمنة مطلقة نسبيّاً على الجزيرة.
وسابقاً، أظهرت واشنطن حزماً تجاه بنما، حيث أرسلت للبنميين رسالة مفادها: “أنهوا نفوذ الصين على قناة بنما أو واجهوا إجراءات أميركية”، الأمر الذي دفع بنما إلى الإعلان أنها لن تجدّد عضويتها في مبادرة الحزام والطريق. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في إبريل/ نيسان الماضي (2025)، “أنّ الولايات المتحدة ستستعيد السيطرة على قناة بنما من النفوذ الصيني… الصين لم تبنِ هذه القناة، ولا تُشغّلها، ولن تستغلها لأغراض التجسّس”.
بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ كلّ سياسات الصين الاقتصادية والعسكرية والتقنية اختراق خطير لمبدأ مونرو
هل الصين تنتهك فعلاً مبدأ مونرو، أم أنّها تتحرّك ضمن مناطق رمادية لا تستفزّه مباشرة؟ بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ كلّ سياسات الصين الاقتصادية والعسكرية والتقنية اختراق خطير لمبدأ مونرو، ولذلك تستلزم “إضافة ترامبية” مُطلقة. اقتصاديّاً، بحلول عام 2024، صُنّفت الصين أكبر شريك اقتصادي لدول أميركا الجنوبية، ومنها فنزويلا والبرازيل. في منظمة البريكس، تسعى الصين إلى مواجهة هيمنة الدولار الأميركي، حيث اعتمدت سياسة المُقايضة والتعامل بالعملات المحلية للدول الأعضاء في حالاتٍ عديدة. وشجّع انضمام البرازيل لـ”البريكس”، وهي أكبر دولة من حيث السكان والمساحة في جزيرة غرب العالم، اتخاذها خطواتٍ لمواجهة الهيمنة الأميركية. ففي 2023، اقترح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إنشاء عملة بريكس، وردّ ترامب على ذلك: “أُنشئت مجموعة البريكس للإضرار بنا، أُنشئت لتقويض قيمة دولارنا وسحبه من مكانته معياراً”، وهدّد بفرض “رسوم جمركية بنسبة 100%” على دول البريكس ما لم تلتزم بعدم إصدار عملة بريكس جديدة، أو دعم أي عملة أخرى لتحل محلّ الدولار الأميركي القوي”. بالإضافة الى ذلك، توسّعت عضوية دول أميركا اللاتينية في “البريكس”، حيث انضمّت كلّ من بوليفيا وكوبا إلى منظمة البريكس. وكان ردّ ترامب على توسّع البريكس: “أي دولة تتبنى سياسات البريكس المعادية لأميركا، ستُفرض عليها رسوم جمركية إضافية بنسبة 10%”. خلال ولاية ترامب الأولى، ألقى وزير الخارجية مايك بومبيو خطاباً في تشيلي عام 2019، حذّر فيه من أنّ الاستثمارات الصينية في أميركا اللاتينية ليست بريئة، بل تمثّل ما وصفه “رأس مال مُتآكل” يساهم في تقويض الحكم الرشيد وبناء النفوذ السياسي من خلال الديون. وأفاد بومبيو بأنّ الاستراتيجية الصينية واضحة: “السيطرة الاقتصادية على الدول”. وتكشف هذه التصريحات كيف بدأت إدارة ترامب منذ ولايته الأولى في تأطير الدور الصيني أنّه تهديد إقليمي صريح، ما يُفسّر لاحقاً إعادة تفعيل مبدأ مونرو بصيغة هجومية في “إضافة ترامب”.
عسكريّاً، نشرت الصين في عام 2016 وثيقة رسمية بعنوان “الكتاب الأبيض”، أكّدت فيها على أهمية التعاون الأمني والدفاعي مع دول أميركا اللاتينية والكاريبي. ومنذ ذلك الحين، تبنّت الصين استراتيجية مُتعدّدة الأبعاد في علاقاتها العسكرية مع المنطقة، تشمل بيع الأسلحة، وتنفيذ برامج تدريب، وتقديم مساعدات أمنية لقوات الشرطة والجيش. وقد أقامت بكين علاقات عسكرية متينة مع عدة دول، أبرزها فنزويلا، التي تُعدّ من أكبر مستوردي الأسلحة الصينية بعد العقوبات الأميركية، إلى جانب دول أخرى، مثل بوليفيا، الإكوادور، بيرو، الأرجنتين وكوبا. كما قدّمت الصين مساعداتٍ وتجهيزاتٍ أمنية لدول في الكاريبي، مثل غيانا، ترينيداد وتوباغو، وجمهورية الدومينيكان، في إطار سياسة “الهدايا” العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، شارك ضبّاط من أميركا اللاتينية في دورات عسكرية داخل الصين، وشارك ضباط من الجيش الصيني في تدريبات عسكرية في كولومبيا والبرازيل. وظهر الحضور الصيني أيضاً من خلال زيارات مؤسّسية مكثفة ومهام إنسانية، مثل نشر سفينة “سلام” الطبية في عدّة موانئ لاتينية.
أما تقنيّاً، أو ما يُمكن تسميته “صراع الفضاء والبيانات”، تعزّز الصين حضورها في أميركا اللاتينية من خلال بنية تحتية فضائية رقمية مُتطوّرة تُثير مخاوف أمنية مُتزايدة في واشنطن. أشار تحليل لأنشطة الصين في أميركا اللاتينية، والذي قُدِّم إلى مجلس الشيوخ الأميركي عام 2022، بعنوان “دور الصين في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي”، إلى المخاطر المُرتبطة بالبنية التحتية الرقمية التي بنتها الصين في الإقليم. وأضاف أنّ “الشركات الصينية ملزمة قانوناً وفق قانون الأمن القومي الصيني لعام 2017 بتسليم المعلومات التي تُعتبر ذات صلة بأمن الصين”.
ترافق الحضور الفضائي الصيني في أميركا الجنوبية مع نشاط رقمي واستخباراتي متزايد، يشمل تصدير تقنيات مراقبة جماهيرية إلى عدة دول
تُشغّل الصين أكبر منشآتها الفضائية غير المحلية في الأرجنتين، حيث تُدير محطّة رادار للفضاء العميق يعمل فيها أفراد من جيش التحرير الشعبي الصيني. يُشير التقرير إلى أنّه وبالرغم من الادّعاء بأنّ استخدام المُنشأة مُخصّص للمهام القمرية والبحث في الفضاء العميق، فإنّ الحكومة الأرجنتينية لا تمتلك سوى صلاحيات محدودة في الوصول إليها، ما دفع البعض لوصفها بأنها “صندوق أسود”، وسط مخاوف من استخدامها لاعتراض بيانات أقمار صناعية تمرّ في مدارات قريبة، أو للتجسّس على مصالح أميركية في المنطقة. كما تمتلك الصين محطّات أرضية وأقمار صناعية أُطلقت بالتعاون مع كلّ من فنزويلا، بوليفيا، الإكوادور والبرازيل، ضمن برامج تعاون فضائي ثنائية مثل الشراكة الصينية – البرازيلية في مجال الاستشعار عن بعد. وفي عام 2022، أسّست الصين “اللجنة المشتركة للتعاون الفضائي” ضمن تحالف البريكس، بهدف تعزيز تبادل البيانات بين أقمار الدول الأعضاء، وخصوصاً البرازيل.
وفي إبريل/ نيسان 2024، استضافت الصين أول منتدى مُباشر للتعاون الفضائي مع دول أميركا اللاتينية والكاريبي. تَرافق الحضور الفضائي الصيني في المنطقة مع نشاط رقمي واستخباراتي مُتزايد، يشمل تصدير تقنيات مُراقبة جماهيرية إلى عدّة دول. فقد ساهمت شركات مثل هواوي، ZTE، وCEIEC، في إنشاء شبكات مراقبة أمنية في الإكوادور وبوليفيا، بينما تفيد التقارير الأميركية بأنّ فنزويلا استخدمت هذه التقنيات لمراقبة المواطنين وتتبّع المعارضين السياسيين. أمّا في كوبا، فقد أُشير إلى أنّ معدات هواوي ساهمت في عزل المتظاهرين رقميّاً خلال احتجاجات يوليو/ تموز 2021، من خلال قطع الاتصالات والإنترنت عنهم. كما تدير الشركات الصينية مراكز بيانات في كلّ من المكسيك وتشيلي والبرازيل، ضمن مشاريع “المدن الذكية”، ما يُثير مخاوف من وصول غير مباشر إلى بيانات حسّاسة، سواء تجارية أو أمنية أو مالية. ويختصر أحد التقارير هذه المنظومة بأنّها أشبه بـ”جهاز عصبي مزدوج الوظيفة” تزرعه الصين في المنطقة؛ يمنحها أدوات الاتصال والبحث، لكنه يمنحها أيضاً القدرة على مراقبة تدفّق البيانات أو تعطيله عند الحاجة. وجدت واشنطن توسّع الصين في قطاعي التكنولوجيا والفضاء في أميركا اللاتينية ليس تجاريّاً فحسب، بل يُنشئ جهازاً واسع النطاق لجمع المعلومات الاستخباراتية، ما يُقوّض السيادة الإقليمية والأمن القومي الأميركي.
هل تستفيد الصين من مونرو؟
في شباط/ فبراير 2025، وخلال لقاء جمعه مع نظيرته البوليفية سيلندا سوسا، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي إنّ “أميركا اللاتينية هي موطن شعوب أميركا اللاتينية، وليست فناءً خلفياً لأي دولة”. ولكن منذ اعتقال مادورو، لم تصدر الصين تصريحاً مماثلاً أو قريباً، وقالت: “تشعر الصين بصدمة عميقة وتدين بشدّة هذه الأفعال الأحادية وغير القانونية والبلطجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة”. وأضافت: “لقد نفّذت الولايات المتحدة احتلالات مسلّحة في عدّة دول في أميركا اللاتينية والكاريبي، وتسبّبت هذه التدخلات في صراعاتٍ مُزمنة، وعدم استقرار، ومعاناة كبيرة لشعوب هذه الدول. هل جلبت هذه التدخلات السلام والاستقرار؟ هل جلبت التنمية والازدهار؟”.
وعلى مستوى الفعل، لا يختلف موقف الصين في فنزويلا عن مواقفها في أوكرانيا أو الحروب الإسرائيلية في الشرق الأوسط، إذ دعت إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن، وأعادت تأكيد استعدادها للعمل ضمن الأطر الدولية لتعزيز السلام، ما يعني أنّها لن تتخذ أيّ خطوة خارج غطاء الأمم المتحدة، ولن تنخرط في أيّ تحرّكٍ حاسمٍ يتجاوز البيانات والتصريحات، حيث قالت: “تدعم الصين عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن بشأن الضربات العسكرية ضد فنزويلا… الصين على استعداد للعمل مع دول المنطقة والمجتمع الدولي لتعزيز التضامن والتعاون، والدفاع عن العدالة والإنصاف، والحفاظ بشكل مشترك على السلام والاستقرار في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي”. ينسجم هذا النمط مع ردّها على انهيار نظام الأسد سابقاً، حين اكتفت بالمطالبة بضبط النفس، ثم استقبلت وزير الخارجية السوري الجديد بعد أشهر، في ما يُعدّ تجليّاً عمليّاً للحكمة الصينية: “لا يهم لون القط، المهم أنه يأكل الفئران”.
سيكون مبدأ مونرو بنسخته الترامبية، بلا شك، حاضراً في الخطاب الصيني المقبل. صحيح أنّ تصعيد واشنطن قد يهدّد الوجود الصيني في المنطقة، لكنه يفتح باباً آخر: كلّما تورطت الولايات المتحدة عسكريّاً في الإقليم، زادت مخاوف الحكومات من واشنطن، وربما فكّر بعضها في تعميق العلاقات مع الصين، كما حاولت كولومبيا. وحتى في هذه الحالة، تُظهر الصين تردّداً واضحاً؛ فهي لا تسعى إلى تحالفات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً عسكريّة.
لا يزال “لون القط” غير مهم بالنسبة للصين، طالما يمكنها الاستمرار في شراء النفط ومتابعة أعمالها
وفي سياق النفط، ورغم أنّ إدارة ترامب أمرت فنزويلا بقطع العلاقات مع بكين، إلا أنّ ترامب نفسه أشار بمرونة قائلاً: “لقد قلت للصين… نحن ننسجم معكم جيداً… لكننا لا نريدكم هناك”. وأضاف: “يمكن للصين أن تشتري منا كل ما تريده من النفط، سواء من هناك أو من داخل الولايات المتحدة… سنكون منفتحين على الأعمال التجارية تقريباً على الفور”. وفي هذا السياق، أكد على ذلك وزير الطاقة كريس رايت، حيث قال “لن يقطع النفط الفنزويلي عن الصين”، وأنّ البلاد ستواصل شراءه “تماماً مثل بقية الدول”. وأضاف أنّ هناك متسعاً لموازنة الأدوار التجارية لكلّ من الولايات المتحدة والصين في فنزويلا، مُشدّداً على أن واشنطن “لن تسمح لبكين بسيطرة كبيرة… أعتقد أننا سنشهد على الأرجح مشاركة صينية طويلة الأمد في فنزويلا. طالما أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة هناك، وسيادة القانون، وتتحكّم الولايات المتحدة في تدفّق النفط، فسيكون ذلك جيداً. هل يمكن تحقيق توازن مع الصين؟ أعتقد ذلك”.
عملياً، لا يزال “لون القط” غير مهم بالنسبة للصين، طالما يمكنها الاستمرار في شراء النفط ومتابعة أعمالها. ومع ذلك، بات سلوكها الحذر والبراغماتي يثير الشكوك والانتقاد، حتى بين “أصدقائها”، كالتي حدثت في إيران بعد الحرب الإسرائيلية عليها. قد ترى دول الإقليم في الصين شريكاً اقتصاديّاً، لكنها قد لا تراها ضمانة استراتيجية في أوقات الأزمات، ما يعزّز قوّة التأثير الأميركي على سياسة هذه الدول، ما يعني أنّ الصين لن تواجه “مبدأ مونرو بإضافته الترامبية”، فذلك آخر ما يمكن أن تسعى إليه، إذ سيكون بمثابة مغامرة، أو انتحار مبكّر لصعودها. وعلى الأرجح، ستؤجّل مسألة تايوان إلى أجل غير منظور، ما دامت واشنطن قد عادت إلى تكثيف استخدامها القوّة الصلبة، وباتت تُفعّل أدواتها العسكرية بشكل مُتزايد في إطار “وزارة الحرب”. وهنا، رد ترامب على سؤال بشأن احتمال أن تفعل الصين ما فعلته واشنطن في فنزويلا ضدّ تايوان، قائلاً: “شي جين بينغ لن يتخذ أي إجراء ضد تايوان خلال فترة رئاسته… قد يفعل ذلك بعد أن يتولى الرئاسة رئيس آخر، لكنني لا أعتقد أنه سيفعل ذلك وأنا رئيس”. ولذلك، فإنه وبالنسبة للصين، تجنّب “المجنون” عقل.
أبعد خيار مُتاح أمام بكين هو الدخول في مواجهة مباشرة مع “إضافة ترامب”، وفي إقليم بعيد عنها جغرافيّاً، وأقرب ما يكون أن تلتزم بموقعها “التجنبي”؛ أي أن تنحني للعاصفة، وتواصل شراء النفط الفنزويلي، حتى لو كان ذلك عبر قنوات وشروط تفرضها واشنطن.
المصدر: العربي الجديد






