
يبدو للوهلة الأولى أن صعود الشعبوية اليمينية في أوروبا مرتبط مباشرة بتزايد أعداد المهاجرين، فالخطاب السياسي لأحزاب اليمين المتطرف يضع الهجرة في قلب أولوياته، ويقدّمها بوصفها التهديد الأبرز للهوية الوطنية وللاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. غير أن نظرة متأنية إلى الخريطة الانتخابية في عدة دول أوروبية تكشف مفارقة لافتة، فالمناطق التي يسجل فيها أعلى حضور للمهاجرين ليست بالضرورة نفسها التي تمنح أعلى نسب التصويت للأحزاب الشعبوية.
في بلدان، مثل فرنسا والنمسا، يبرز هذا التناقض بوضوح، فالأحزاب اليمينية المتطرّفة، كالتجمع الوطني الفرنسي وحزب الحرية النمساوي، يحققان نتائج قوية في مناطق ريفية أو شبه حضرية تعاني تراجعاً اقتصاديّاً أو شعوراً بالعزلة، بينما تظل المدن الكبرى، حيث تتركز الكثافة الأكبر من المهاجرين، أقلّ ميلاً إلى التصويت لها، فالمهاجرون يميلون إلى الاستقرار في المراكز الحضرية الكبرى، وعلى مقربة من الحدود أو المحاور الاقتصادية، حيث تتوافر فرص العمل والخدمات، في حين تتغذّى الشعبوية في الأطراف التي تشعر بأن العولمة قد تجاوزتها.
يتكرّر هذا النمط في ألمانيا، حيث يحظى حزب البديل من أجل ألمانيا بدعم واسع في الولايات الشرقية، أي في مناطق جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، رغم أن نسبة المهاجرين فيها أقل مقارنة بالغرب. وهنا لا يبدو العامل الديمغرافي حاسماً بقدر ما يبرز إرث الانقسام الألماني والشعور بخيبة الأمل من الوعود التي قُدِّمت مع إعادة التوحيد. وهنا يتداخل الإحساس بالتهميش الاقتصادي مع شعور بفقدان الاعتراف الثقافي، فيتحوّل الخطاب المناهض للهجرة إلى وعاء يحتوي على كل ما يمكن له أن يعبر عن غضب أوسع تجاه الدولة والنخب.
لم تعد السياسة تعكس التعقيد الاجتماعي، ما يفتح المجال أمام خطاب يعد بتمثيل “الشعب” في صورته الصافية والمباشرة
في إيطاليا، يوضح مسار حزب الرابطة كيف يمكن لقضية الهجرة أن تصبح أداة لإعادة تعريف الهوية السياسية، فالحزب الذي بدأ حركة إقليمية تدافع عن مصالح شمال البلاد الثري في مواجهة الجنوب الفقير، أعاد تموضعه قوةً وطنيةً ترفع شعار حماية الحدود ومواجهة تدفقات اللاجئين. غير أن مناطق قوته الانتخابية لا تتطابق بدقة مع مناطق الاستقبال الأكبر للمهاجرين، ما يشير إلى أن المسألة تتجاوز الاحتكاك المباشر، لتلامس تمثلات رمزية حول السيادة والسيطرة.
في إسبانيا، برز حزب الصوت في سياق أزمة هوية وطنية غذّتها النزعات الانفصالية في مقاطعتي كتالونيا والباسك. الدفاع عن وحدة الدولة كان المحرك الأول لخطابه، فيما استُخدمت الهجرة لاحقًا ورقةً ضمن خطاب أوسع حول الانضباط والهوية. مرة أخرى، لا تُظهر الخريطة الانتخابية تطابقًا واضحًا بين كثافة المهاجرين والتصويت للحزب، ما يعزز فكرة أن الشعبوية تستثمر في المخاوف الرمزية أكثر مما تستجيب لمعطيات ميدانية مباشرة.
وفي سويسرا، جمع حزب الاتحاد الديمقراطي الوسطي بين معارضة الاندماج الأوروبي وتصعيد خطاب مناهض للهجرة، خصوصاً تجاه الإسلام. والمفارقة أن بعض المبادرات المناهضة لبناء المآذن أو لتشديد قوانين اللجوء حظيت بتأييد أكبر في كانتونات تقل فيها أعداد المسلمين والمهاجرين. يبدو أن الخوف هنا ينبع من تصور ثقافي للتهديد، لا من واقع احتكاك يومي مباشر.
وفي المملكة المتحدة، لعب حزب استقلال المملكة المتحدة دوراً محوريّاً في الدفع نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016. غير أن أعلى نسب التصويت لصالح الخروج لم تكن في المناطق الأكثر استقبالًا للمهاجرين، بل في مناطق صناعية سابقة تعاني ركوداً طويل الأمد. لقد تحوّلت الهجرة إلى رمز لفقدان السيطرة على القرار الوطني، أكثر من كونها استجابة لضغط ديمغرافي مباشر.
في إيطاليا، يوضح مسار حزب الرابطة كيف يمكن لقضية الهجرة أن تصبح أداة لإعادة تعريف الهوية السياسية
تتكرّر الصورة إذن حيث لا يوجد ترابط ميكانيكي بين وجود المهاجرين وقوة التصويت الشعبوي. ما يظهر بدلاً من ذلك إحياء لانقسامات جغرافية وتاريخية كامنة بين المركز والأطراف، بين المدن المزدهرة والمناطق المهمشة، بين شرق وغرب، أو بين أقاليم تشعر بأن صوتها لا يُسمع في العاصمة. كما يرتبط التصويت الشعبوي بمتغيرات مثل مستوى التعليم وحجم البلديات. فكلما صغر حجم المدينة وقلّ حضور الفئات الجامعية والمهنية العليا، تعزز الشعور بالابتعاد عن دوائر القرار والنقاش العام.
في العمق، تبدو الشعبوية تعبيراً عن أزمة تمثيل داخل الديمقراطيات الأوروبية. فمع ارتفاع مستويات التعليم وتنوع الآراء، تواجه الأحزاب التقليدية صعوبة في احتواء هذا التعدّد ضمن أطرها القديمة. ينشأ عن ذلك إحساسٌ بأن السياسة لم تعد تعكس التعقيد الاجتماعي، ما يفتح المجال أمام خطاب يعد بتمثيل “الشعب” في صورته الصافية والمباشرة. في هذا السياق، تصبح الهجرة موضوعاً مثاليًّا لإعادة رسم الحدود بين “نحن” و”هم”، حتى في الأماكن التي لا تعرف حضورًا كثيفًا للمهاجرين.
هكذا تتحول الهجرة من مسألة ديمغرافية إلى أداة رمزية تعبر عن قلق أوسع يتعلق بالهوية والسيادة والاعتراف. والخرائط الانتخابية تكشف أن ما يحرك الشعبوية ليس كثافة سكانية بقدر ما هو شعور بالقطيعة، قطيعة بين جغرافيا مزدهرة وأخرى مهمّشة، بين نخب حضرية وقطاعات تشعر بأن صوتها لا يُسمع. ومن هذا الشعور بالتباعد تولد قوة خطاب يعد بإعادة وصل ما انقطع، ولو عبر تبسيط الواقع إلى ثنائية صدامية بين شعب متخيَّل وخصم مُعرَّف سلفاً.
المصدر: العربي الجديد






