كوثر وهند معاً في برلين

جورج كعدي

يوم قرّرت السينمائية التونسية كوثر بن هنية تثبيت شهادة الطفلة الغزّية هند رجب في الزمن، بفيلم يخلّد ذكراها صوتاً خارج حقل الصورة، كانت عازمةً على ملازمة هذه الذكرى مدى الحياة، فلا تترك هند وحيدةً، أو تحسبها ذكرى انطوت. وقد أكّدت المخرجة القديرة هذا الموقف أخيراً في مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث رفضت بنبلٍ أخلاقيّ تُحيّا من أجله تسلُّمَ جائزة تكريمية، ملقيةً خطاباً قصيراً معبّراً، موجَّهاً إلى الرأي العام العالمي، وإلى المهرجان نفسه، برزانةٍ وهدوء ونبرة احتجاجية على الإبادة في غزّة التي قضت هند وعدد من ذويها بسببها في السيارة المحاصرة بنيران الجنود الصهاينة المتوحشين، معيدةً تعريف وظيفة السينما في زمن الإبادات، فإمّا تكون شاهدة وإمّا تتحوّل إلى فعل ثقافي زائف فوق أشلاء البشر. ولم يكن خطاب بن هنية لحظة عاطفية عابرة، بل نصّاً أخلاقياً مكتمل الأركان يضع السينما ومهرجاناتها وجوائزها وتكريماتها أمام امتحان المعنى، وفيه شجاعة قول وموقف والتزام.
رفضت كوثر بن هنية في خطابها الذي صُفّق له طويلاً في النهاية فكرة “الحياد” الذي تعتبره فشلاً أخلاقياً و”تفريغاً للمسؤولية”، بحسب تعبير حنة أرندت، ومشاركة صامتة في الشر. فالحياد هنا ليس غياب الموقف فقط، بل “توزيع الذنب” بتسوية غير عادلة بين القاتل والضحية، على ما دأب عليه مثقفون كثر في الغرب في أثناء الإبادة المأساوية. عندما تكون الحقيقة ساطعة لا تحتاج إلى نبرة مرتفعة، وهذا ما يفسّر هدوء المخرجة كوثر خلال إلقاء كلمتها المعبّرة التي لم ترفض فيها الجائزة، بل قالت بذكاء إنها تدعها في مكانها ولا تأخذها معها، رافضةً تحويل اللحظة التكريمية إلى احتفالٍ يُنسي العالم الإبادة التي قضت فيها الطفلة هند وآلاف الأطفال من أقرانها. قالت كوثر حرفياً: “لا أريد الجائزة أن تستخدم لتجميل الصمت (…) أرفض أن أتعامل مع الجائزة كاحتفال بينما تُسحق الإنسانية”. كان رفضاً لمعنى الجائزة في سياقها السياسي لا الفني، ورفضاً كذلك لـ”سلام من دون مساءلة”. قالت ما حرفيته: “أشعر الليلة بالمسؤولية أكثر من الامتنان. ما حدث لهند ليس حالة استثنائية، بل هو جزء من إبادة جماعية. السلام ليس عطراً يرشّ فوق العنق ليشعر القوي بالراحة أو المهادنة، والسينما ليست وسيلة لغسل الصور. العدالة تعني المساءلة، فمن دون مساءلة لا يوجد سلام. لذلك لن آخذ الليلة هذه الجائزة معي إلى المنزل. أتركها هنا بمثابة تذكير. عندما يتمّ السعي إلى السلام كالتزام قانونيّ وأخلاقي متجذّر في مساءلة الإبادة الجماعية، أعود لأتسلّمها بفرح”.
لم يكن خطاب كوثر بن هنية لحظة عاطفية عابرة، بل نصّاً أخلاقياً
أوضحت كوثر بن هنية، في المقابل، أن فيلمها ليس فقط عن طفلة واحدة، بل عن نظام كامل ساهم في جعل موت هند ممكناً. فما حصل لهند جزء من إبادة جماعية، وليس مجرّد حادث منفرد، والجيش الإسرائيلي قتل هند وعائلتها والمسعفَيْن اللذيْن حاولا إنقاذها وسط تواطؤ من حكومات ومؤسّسات كبرى، وهنا أشخاصٌ في برلين يقدّمون غطاءً سياسياً للإبادة. وقدّمت المخرجة القديرة نظرتها إلى المهرجانات الكبرى بأنها فضاءات للتفكير النقدي والدفاع عن القيم الإنسانية، لكنّ دورها المفترض يمتحن عندما يصبح الدفاع عن حياة المدنيين الفلسطينيين أمراً مثيراً للجدل، وحين يُطَالَب الفنانون بالصمت، أو بالتوازن الزائف بين الجلاد والضحية، فالفن في عرف بن هنية لا يمكن أن يكون محايداً أمام المجازر، ولا يمكن أن تدّعي الإنسانية وهي تصمت ساعة تُسحق إنسانية شعب بأكمله.
موقف كوثر بن هنيّة المشرّف في “البرليناله” يطرح سؤالاً عن الوظيفة السياسية للمهرجانات السينمائية الكبرى، مثل كانّ والبندقية وبرلين، فقد نشأت هذه المهرجانات الدولية بوصفها مساحة عرض واحتفاء بالفن السينمائي وإبداعاته العالمية، وفضاءً للتفاعل والتبادل والمعرفة والاطلاع، ومكاناً جامعاً للتحرّر من السياسة لمصلحة الفن والإبداع، فإذا بهذه التظاهرات السينمائية الكبرى تتحوّل إلى أجهزة سلطة ناعمة، فلا تبقى بالتالي فضاءات عرض بريئة تنتج القبول وتدير الاختلاف، بل أمست تمتلك القدرة على الجذب وتشكيل الرأي وتنظيم “الرؤية” والقول. ففي هذه المهرجانات تحدّد اللجان المعايير، وتصنع السردية المعدّة سلفاً، وتمنح الشرعية عبر الجوائز، والنتيجة سياسة ثقافية مقنّعة بلا إعلان سياسي، فمن يكرّم ويُقبل ويُدعم يكتسب مشروعية فنية وأخلاقية وسياسية، ومن يُقْصَ يُدفع إلى الهامش، من خلال عدم القبول والاستيعاب والإبقاء في الظل خارج “توزيع الضوء”. وأكثر أدوات السلطة الناعمة فاعلية، بحسب جوزف ناي، هي أداة التوازن الذي يستغلّ بكونه فضيلة، ويوازي بين الجلاد والضحية، ويفرغ النقاش من أحكامه الأخلاقية. تفضّل السلطة الناعمة المشهد على الشهادة، وإدارة السلطة عبر الثقافة، وممارسة الهيمنة (بمفهومها الغربي المحابي للكيان الصهيوني) بلغة القيم. بهذا المعنى، يمسي دور المهرجانات السياسي المقنّع بالسينمائي مدعاة للقلق والحذر. وهنا كانت كوثر بن هنية مثالاً في اليقظة والانتباه إلى “فخ” الجائزة التكريمية المنصوب لها، بموازاة جائزة أخرى مماثلة لسينمائي صهيوني، فكان موقفها المشرّف واللبق، الذكيّ والملتزم، مخرجاً لها من ابتلاع الطعم والخيانة المستحيلة لهند وما يرمز إليه استشهادها.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى