
حاول الخطاب السياسي، أخيراً، وضع خريطة التفكير الأميركية تجاه قضايا عديدة، حيث عرض ثلاثة مسؤولين لملامح السياسة الخارجية، كثر فيها الحديث عن الحضارة المسيحية أساساً لاستعادة القوة الغربية ومكافحة الإرهاب. ورغم الطابع العالمي، يُعد من الأهمية استكشاف موقع الشرق الأوسط في أولويات السياسية الأميركية، خصوصاً مع تتابع الحديث عن تراجع الوزن النسبي للمنطقة. وهنا، تساعد قراءة الوثائق والاقتراب من السياسات في الوقوف على اتجاهات التلاقي والتباعد على أساس الخصائص الدينية والتوجه السياسي لكلٍّ من الولايات المتحدة وبلدان المنطقة.
عرض وزير الخارجية، ماركو روبيو، في مؤتمر ميونخ للأمن 13 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) سياسة بلاده تجاه التحالف الأميركي ـ الأوروبي، كما انشغلت مقابلة مع السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في 20 فبراير بالتأصيل الديني للوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. وكان خطاب حالة الاتحاد للرئيس، دونالد ترامب، في 24 فبراير تعبيراً ثالثاً عن السياسة الأميركية الداخلية والخارجية.
من الناحية الشكلية، كلمة روبيو وخطاب ترامب نصان كاملان، فيما مقابلة هاكابي محاولة استنطاق، غلب عليها نمط لتسريب اتجاهات ومواقف على لسان المذيع، فيما ظل الضيف متحفّظاً، سوى التفصيل في أجزاء تعلقت بالدفاع عن إسرائيل والحرب على إيران ومعاملة المسيحيين في المنطقة. ورغم الفروق الشكلية، يمكن اعتبارها متماثلة الحجية في التعبير عن أصول السياسة الأميركية، وتساعد على توضيح خريطة أولويات السياسة الأميركية وحراكها في مستوييها الخطابي والتطبيقي.
تقوم السياسة الأميركية على مبدأ حماية الحق اليهودي في مواجهة المطالب الفلسطينية بالتحرير من النهر إلى البحر
كان الحديث عن الدين محرّكاً سياسياً عاملاً مُشتركاً، فقد تناوله المسؤولون أساساً لتماسك المجتمع المسيحي الغربي. بحسب روبيو، يمثل جذر الوحدة الأوروبية ـ الأميركية وروابطها التاريخية، فهي تشترك في الإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصول العرقية، فقد شكل الإطار الديني ـ الحضاري أساس تقديم روبيو لإنشاء التحالف الغربي في مواجهة العالم، لتقوم مقاربته على وقف التراجع الغربي منذ 1945 بسبب الانتفاضات المناهضة للاستعمار” (حركات التحرّر الوطني)، وذلك بعد استمرارها خمسة قرون من التوسّع، حيث يعيش الانكماش الأول منذ عصر كولومبوس، واعتبرها بيئة مناسبة لانتعاش القناعات “بزوال عصر هيمنة الغرب وتهافتها”، لتكون العودة إلى الجذور أساس العلاقات السياسية الجديدة.
وفي الاتجاه نفسه، قام عرض هاكابي على أفكار الحق المطلق عندما استند إلى المرجعية الدينية في تعريف المسألة اليهودية والطبيعة الإسرائيلية الحالية. فرغم تحفّظه في الاستجابة لأسئلة المقابلة، استخدم مفاهيم عبرت عن عُمق الموقف الأميركي تجاه الأمن الإقليمي والبُعد الديني في السياسة الخارجية تجاه دعم وجود “للشعب اليهودي” على أراضي إسرائيل. وهنا، اعتمد على مدخلي علم الآثار والارتباط الديني، وليس الأصول العرقية، في إثبات حق اليهود في المنطقة ونفي حقوق الفلسطينيين، وهي رؤية لمبدأ مستقر في السياسة الأميركية، يقوم على حماية الحق اليهودي في مواجهة المطالب الفلسطينية بالتحرير من النهر إلى البحر.
حقيقة هذه التوجهات هي تطوير لحديث جورج بوش (2001) العابر عن الحرب الصليبية على الإرهاب، حينما أشار روبيو إلى دور المستوطنات الإنكليزية في الأراضي الجديدة في إرساء الوعي المسيحي ـ الحضاري للعلاقات عبر الأطلسية، لتتلاقى النصوص الثلاثة على مركزية النقاء العرقي. في خطاب حالة الاتحاد، كان واضحاً الرضا عن سياسة الاستبعاد الاجتماعي لغير البيض، عندما علت الأصوات ترجيباً بالانتقادات الموجهة إلى إلهان عمر، وبشكل يفتح الطريق للتمييز على أساس العرق والأصل الاجتماعي
يُرسي البحث عن التماثل الحضاري قناعة بتجاوز النظام الدولي. على هذه الأرضية لا يعني ربط روبيو بين الالتزام بمقرّرات مؤتمر المناخ والفقر مجرّد الرغبة في انفلات استخدام الطاقة بقدر ما يُعبر عن السعي الأميركي لفرض نسق موازٍ للنظام الدولي القائم وتهميشه. خلال الأشهر الماضية، كانت توجهات ترامب واضحة في العمل من خارج الأمم المتحدة، قد يكون هذا واضحاً في استمرار محاولات توسيع دور “مجلس السلام” وإبعاده عن الرقابة الأممية، وهي سياسة أكثر وضوحاً في عدم اللجوء إلى مجلس الأمن في إعلان الحرب على إيران. ووفق الخطاب السياسي، تقع على عاتق الرابطة الأطلسية مهمة بناء تحالف نشط لإخراج الغرب من اليأس الراهن وإعداده للانفلات من قيود المناخ، والاستعداد للحرب ومُراكمة التكنولوجيا، ليعيد الاعتبار لمركزية الحضارية الغربية بوصفها قاطرة النظام العالمي ضمن استنهاض الدين والحضارة المسيحية عاملاً مُحفّزاً على دورة جديدة للاستعمار، تبدأ بتجاوز قرارات محكمة الجنايات الدولية واعتبارها غير مشروعة تمهيداً للتخلص منها.
كان الحديث عن الدين محرّكاً سياسياً عاملاً مُشتركاً، فقد تناوله المسؤولون أساساً لتماسك المجتمع المسيحي الغربي
في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الهجومية واضحة في مفردات الخطاب عندما ربط ما بين استعادة الميراث المشترك في الحرب ضد الأغراب بالحرب ضد الشيوعية، وحاضراً تظهر كبح تمرد إيران النووي، ليضع قاعدة لتقويض مصادر التهديد المختلفة حضارياً والقائمة على العداء الديني للولايات المتحدة، ويُعبر الحديث عن الانسحاب من تمويل المنظّمات الدولية عن الاستباق الأميركي نحو نظام دوليٍّ آخر.
على مدى الفترة الماضية، سارت قراءات الوثائق الأميركية نحو تراجع أولوية الشرق الأوسط في الخطاب الرسمي من دون أخذ حراك السياسات لاستكمال التحليل. على أية حال، فإنه بجانب وضوح خلافات الدين والهوية، تفيد وقائع السياسة بأن تأخير أولوية الشرق الأوسط في “استراتيجية الأمن القومي الأميركي، ديسمبر/ أيلول 2025، نوعٌ من التضليل، حيث تقع المنطقة في مركز انشغال الخطاب الأميركي، سواء من ناحية الخلافات الدينية أو البُعد الحضاري. لا يوفر انخفاض التنافسية الدولية تفسيراً مناسباً، خصوصاً عندما يعبر إيفاد المبعوثين الرئاسيين عن كثافة الاهتمام بإدامة النفوذ باستخدام الخلفية العربية لكل من توماس برّاك ومسعد بولس، ليشكلا مع ستيف ويتكوف نسقاً متماسكاً للحضور اليومي للدور الأميركي.
نظرياً، يتزامن الحديث عن الانسحاب من الشرق الأوسط بعملية بعيدة الآثار في منع الفواعل الإقليمية من تشكيل إطار متماسك، فمن جهة، ساهمت الولايات المتحدة في إرساء الفراغات الأمنية بجوار الدول المركزية، لتكون أعباء طويلة المدى، وهذا ما يتضح في حالات، أفغانستان، سورية، ليبيا، السودان. ومن جهة أخرى، تسارعت في حشد الجيوش، بدون الحاجة إلى إطار دولي، لتسوية الملف الإيراني حتى إجهاد النظام أو تغييره، ليكون عبئاً أمنياً جديداً. وفي هذا السياق، يمكن قراءة إعادة الانتشار الأميركي في سورية سياسة إنتاج صراعات التطرف والحرب الأهلية، لتترك الساحة من دون استواء قوة السلطة الجديدة، وبشكل يتماثل مع ترك العراق وأفغانستان في ساحات فراغ مُحفزة على الصراع المُسلح.
ساق ترامب، في خطاب حالة الاتحاد، مبرّرات حشد الجيوش غير المسبوق منذ حرب الخليج الثانية وغزو العراق
وفي حرب غزّة، كان الانشغال كثيفاً في اتجاه أن يؤدّي الصراع حول قطاع غزّة إلى انتصار إسرائيلي حاسم على حساب القضية الفلسطينية، لكنها، في المرحلة الحالية، ابتكرت آلية “مجلس السلام” للوصول إلى نتائج قريبة من وضعية التوازن الدولي والإقليمي. يتكامل هذا الانشغال مع حديث هاكابي عن نطاق تهديد واسعٍ، ربط فيه سبع جبهات بوجود حركات كالإخوان المسلمين، حزب الله، الحوثيين وحماس وليس لتأثير الجيوش أو الكتلة السكانية على أمن إسرائيل. وبهذا المعنى، يحصر التهديد ضمن سياسة مكافحة الإرهاب، بحيث تقع المنطقة في نطاق التدخل بذريعة متابعة حوادث العنف لتشمل مساحة واسعة تقع في الاهتمام المشترك الإسرائيلي والأميركي.
وبشكل عام، يتلاقى الخطاب الأميركي على تعريف الشرق الأوسط مصدر تهديد للولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما كان هذا المظهر عارضاً في حالتي ترامب وروبيو، كان هدف هاكابي تعريف الأميركيين بأبعاد التهديد لإسرائيل وارتباطها بالحرب لتغيير النظام الإيراني ومكافحة الإرهاب، وهي قناعات ظلت تبرر الحرب ضد العراق (2003) ثم إيران (2026) باعتبارها امتداداً لمكافحة الإرهاب. وفي هذه الزاوية، تتخذ السياسة الأميركية الإرهاب مبرّراً للتدخل العسكري. وهنا، ساق ترامب، في خطاب حالة الاتحاد، مبرّرات حشد الجيوش غير المسبوق منذ حرب الخليج الثانية وغزو العراق، فبجانب الملف النووي، كان هناك ما وصفته الإدارة الأميركية بجرائم جرى ارتكابها كرعاية الإرهاب وقتل آلاف المتظاهرين، ليكون الصراع أمام صيغة تقطع الطريق على المفاوضات الجارية وتؤسّس لحالة من التدخلات والحروب الدائمة.
وفق العرض السابق، يمكن القول إن المساهمات الثلاث تشكل إطاراً للأفكار والقناعات، والسياسات، وتصريف القوة، لتبدو متكاملة في إيضاح الصورة عن الحراك الأميركي تجاه الشرق الأوسط من زوايا الدين، والحرب والسلام من خلال القوة، لتكون أساس العلاقة فترة ما بعد أزمة الحرب على إيران ومسار التعامل على الحركات الإسلامية وعلاقتهما لتمكين إسرائيل.
المصدر: العربي الجديد






