
أغلب الذين كتبوا من المغاربة عن الاغتيال الغادر الذي تعرّض له المناضل التقدمي عمر بن جلون، منذ نصف قرن مضى، تناولوا مسير حياته المتطوّرة، ودوره في المعارضة السياسية التقدمية لنظام الحكم القائم، فضلاً عن مركزه في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عضواً في اللجنة الإدارية منذ سنة 1962، ولم يكن قد بلغ السادسة والعشرين (من مواليد 1936)، بالإضافة إلى الدور البارز الذي كان له، إلى جانب آخرين، في الانتقال الحاسم الذي أعطى للحزب صيغة جديدة (الاتحاد الاشتراكي، 1975) لم تكن متوقّعة في مطالع السبعينيات، والأوضاع السياسية في المغرب مُتقلّبة، غامضة، والمعارضة نفسها مقموعة مفكّكة لم تنتفع بعدُ بما حمله “المسلسل الديمقراطي” إليها من انفراجٍ أخرجها من “الاستثناء” الذي كان قد أطبق على الحياة السياسية منذ 1965، وفتح في آفاقها أنواعاً منوّعة من “الترقيات” السياسية وغير السياسية المتفاوض عليها، التي تُوِّجَت بالمصادقة التامة من الحزب الوليد نفسه، وأحزاب أخرى، على دستور 1996 بعد ممانعة تواصلت أزيد من ثلاثين سنة. والجانب المؤثر في الكلام عن عمر بن جلون أنهم يُبْرِزون دوره الواضح والكبير في قيادة المعارضة السياسية من المنظور الديمقراطي في مناخٍ مطبوعٍ بالاستبداد والقمع.
من الواضح، حسب هذا التأويل الشخصي، أنهم كانوا معنيين في كلامهم بالتوجه النضالي العام الذي كان في اختياره الفردي قراراً مؤكّداً لم يحد عنه في أحلك الظروف، ظروف الوضع السياسي القائم، التي تعرّض لها على المستوى الشخصي بناءً على اتهام معين، وبخاصة ما كان مرتبطاً منها بالاعتقال والتعذيب والمحاكمة والسجن، فلم يكن يعنيهم، في ما أرى، ببداهة انتمائه إلى “القوات الشعبية” الحاملة لواء التغيير، والعاملة في سبيل “المغرب الضمني” الآخر، المفكّر فيه نضالياً واستراتيجياً، إلا استمراره كشعلة الأولمبياد التي سرق زيوس نارها من بروميثيوس ووهبها للإنسانية جمعاء. وبهذا المعنى، كان القتل الغادر بمثابة إطفاء تام لتلك الشعلة في مقتبل عُمْرٍ لم يكن قد بلغ الأربعين. أما تعطيل تلك القوة الإنسانية بصفة نهائية، فقد كان كارثة أصيبت بها المعارضة السياسية التقدمية، أراها أعنف من التي أُصِيبتْ بها من قبل، عندما اغتيل المهدي بن بركة في 1965.
كان القتل الغادر بمثابة إطفاء تام لتلك الشعلة في مقتبل عُمْرٍ لم يكن قد بلغ الأربعين
أُقِرُّ في كتابتي عن عمر بن جلون بأنه كان من أبرز مناضلي “الجيل الثاني” المنتسب إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد استقلال 1956، ومن أنشطهم، أي بعد عبد الرحيم بوعبيد (أكبر منه بِـ14 عاماً) وعبد الرحمن اليوسفي (بِـ12) والفقيه محمد البصري (بأحد عشر) وسواهم. وربما كان العنصر الجوهري في هذا أنه برز فيه على ثلاث خصائص متراكبة: أُولاها، الراديكالية، من زاوية اعتقاده في أهمية الفكر الماركسي الذي كان متداولاً في المناخ الثوري للستينيات، ولكنه لم يكن “ماركسياً لينينياً” بالمعنى الذي كان له في تجربة اليسار الجديد وحركة القوميين العرب. وثانيتها، الاستمرارية، لأنه لم يتراجع عن إيمانه بثلاثة أفكار تقريرية ذات طبيعة إيديولوجية نابعة من التصور النظري – المادي لقضايا التطور المجتمعي والتغيير عموماً، ولعلها تأسّست على الحصيلة العامة لتجربة النضال السياسي المعارض في المغرب، ومن الظن أنه كان يتابع في ذلك ما بلوره المهدي بن بركة بطريقة ما في “الاختيار الثوري”، أي (لا يمكن بناء دولة ديمقراطية من دون نضال مستمر ضد قوى الاستغلال والهيمنة، التحرّر الوطني يظل ناقصاً إن لم يتحقق التحرّر الاجتماعي والاقتصادي، ليس هناك ديمقراطية من دون اشتراكية، ولا اشتراكية من دون وعي طبقي وتنظيم ثوري). وأضيف أنه لم يكن يَفْرِقُ بينه وبين التوجه الكفاحي المسلح الذي اعتمده الفقيه البصري مثلاً إلا إيمانه الخاص، المتشبّع بالدراسة القانونية وتجارب اليسار الاشتراكي في العالم الغربي، بأهمية الممارسة الديمقراطية في ظل الشرعية المُقَرَّرَة تاريخيّاً. وثالثتها، المواجهة العلنية المباشرة لنظام الحكم القائم في ارتباط بالتنظيم المُجَنَّد والممارسة الفعالة.
هناك مناخ عام، بمثابة الإطار الحاضن لتطوّرات المعارضة السياسية، تبلور فيه ما أسميها “الدينامية التَّعْبَوِيَّة” التي فَجَّرت في التاريخ المعاصر للمغرب معارك نضالية كبرى، وعَبَّرت بالوقائع والأفعال والخطط عن اختيارين بارزين غطيا على غيرهما من الاختيارات: أقصدُ التصور الكفاحي المسلح، غير الانقلابي، الذي كان هدفه إسقاط سلطة النظام الملكي بالعنف بناءً على حقائق الصراع الوطني المحلي، وأسوة بتجارب خيضت في المشرق العربي في مرحلة المد القومي انطلاقاً من مفهوم الأمة، وتأسيساً على السلطة الوطنية والتنظيم الحزبي القائد. أما التصور الثاني، فبُني على نوع من المفهوم المركزي للديمقراطية التي يجب أن تسود في الحكم، أي تلك الأغلبية المفترضة التي تحكم من خلال الانتخابات باسم الشعب باعتباره مصدر السلطة.
أعود إلى القول، اعتماداً على تأويلي الخاص، إنَّ ما عَنَاه من كتبوا عن عمر بن جلون هو التشديد على أنّ الدينامية التعبوية المذكورة، بما كان فيها من تطوّرات واقتراحات وتصوّرات، هي العلامة الكبرى على أهمية الدور الفردي في التاريخ الوطني، وفي مجاله السياسي المرتبط، بصورة فعلية، مع تجربة المعارضة كما خاضها حزبٌ سياسيٌّ في المغرب، بلغ من الأهمية النضالية، في فترات مختلفة من الصراع، درجة عالية جعلته يستقطب أهم الفئات الاجتماعية المُتَشَكِّلَة في المجتمع (رجال ونساء التعليم، فلاحون، عمّال، تجّار، فئات متوسطة مرتبطة بقطاعات المحاماة والأطباء والمثقفين وسواهم)، وهي التي لعبت أدواراً مشهودة في الصراع السياسي ضد الاختيارات والمخطّطات التي اتبعها نظام الحكم في البلاد، وبصورة خاصة من حيث ربطت المغرب بعجلة النظام الرأسمالي، فتأثرت أوضاعه العامة بمختلف التبعات التي كانت له، أو تفرّعت عنه، على أجهزة الدولة وبنيات المجتمع.
إحياء ذكرى اغتيال عمر بن جلون يجب أن ترى في التاريخ المعاصر للمغرب بمثابة اغتيال للضمير الوطني الديمقراطي
وأضيف إلى هذا، بناءً على التأويل الخاص نفسه، أنَّ تعظيم الدور الفردي، على ما هو عليه من أهمية، يتطابق في معناه مع المفهوم الشعبي التقليدي المتداول لمعنى “الرجولة”، تلك التي نجد في بعدها الديني صفة القِوَامَة، فضلاً عن مفهوم المسؤولية السياسية التي يُلزَمُ بها المناضل في انسجام مع القيم الإيجابية التي يؤمن بها في نضاله الحزبي.
لا أحب معارضة هذا التصوّر الذي يشخص دور الفرد في علاقته بالنضال الحزبي، في إطار الكفاح السياسي ضد نظام الحكم القائم، اعتماداً على التصور الديمقراطي المناهض للاستبداد، غير أنه يبدو لي من الأهمية بمكان من التأويل أن نتكلم عن الاغتيال الغادر الذي تعرّض له عمر بن جلون، أياً كانت الدوافع والجهات التي حرّكت المتآمرين عليه وعلى حزبه وعلى المعارضة السياسية السلمية نفسها، من زاوية أخرى، أقصد بناءً على تطوّر الفكر الوطني المعارض والأسس النظرية والعملية التي صاغها وحشدها لمواجهة الأعباء السياسية وغير السياسية التي انطرحت منذ بداية الاستقلال اعتماداً على التناقض الجوهري، ومعه المتغيّرات الظرفية التي أتت بوعود لم تكن متصوّرة ولا محسوبة، الذي وعته النخب السياسية بصفة خاصة بين الحاكم والمحكوم، أي هل تكون السلطة بالمعنى الشامل مبنيةً على الديمقراطية التي كانت قد حدّدتها أفقاً للنضال، تماماً كما كانت قد حدّدت المطالبة بالاستقلال كأفق للقضاء على الحماية الفرنسية، أم أنَّ البلاد غير مؤهّلة على أيٍّ من مستويات حياة شعبها بَعْدُ، وأن النظام الملكي الذي استعاد شرعيته وشرعية السلطة معها غير معني تماماً بهذا التصور، وسيكون من المنطقي سياسيّاً أن يتصرّف بحسب ما تفرضه عليه تناقضات المرحلة الجديدة، وهو حاكمها الأوحد، ومصالحه المُتَمَنَّاة (ضرورية لِحِفْظِ مَقْصِدٍ مَا، كما يقول فقهاء المالكية في علاقة بالشرع)، وهو مُشَرِّعُهَا الجديد، حسب الاختيارات المصوغة.
أريد القول، تبعاً لهذا، إن إحياء ذكرى اغتيال عمر بن جلون يجب أن ترى في التاريخ المعاصر للمغرب بمثابة اغتيال للضمير الوطني الديمقراطي الذي اعتمد الديمقراطية في التصوّر اختياراً، والمشروعية في السياسة أسلوب عمل، والشرعية المؤسَّسَة على حكم الشعب توجّهاً مستحقاً، في استناد ذلك كله إلى قيم وتصورات تتساوق مع التطور التاريخي العام الذي يسير أماماً مهما كانت الكَبَوَات، أو التراجعات. وإحياء الذكرى، من هذه الناحية، يضع المشكل من جديد في قلب المعضلة الأساسية التي يعاني منها المغرب، أي في علاقةٍ بما سماها المفكر الاقتصادي عزيز بلال “إشكالية التخلف”، حين ربطه ببنية الاقتصاد العالمي (العولمة) التي تنتج التبعية وتمنع الاستقلال الحقيقي، كما تجعل من التحكم قاعدة للاستبداد السلطوي الذي يشل الفكر والوجود الإنسانيَّين.
المصدر: العربي الجديد






