مؤشّر 2025: لماذا يستخدم العرب منصّات لا يثقون بها؟

خالد وليد محمود

تُقدّم نتائج المؤشّر العربي 2025، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشخيصاً دقيقاً لإحدى أبرز مفارقات العصر الرقمي في العالم العربي: كيف تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء عمومي لا غنى عنه في الحياة اليومية، فيما تتعرّض ثقة المستخدمين فيها لتآكل متواصل؟ فما يبدو للوهلة الأولى انتشاراً تقنيّاً كاسحاً، يكشف، في جوهره، عن تحوّل أعمق في بنية الفضاء العام نفسه، حيث لم تعد هذه المنصّات مجرّد أدوات اتصال، بل غدت ظاهرة اجتماعية- سياسية مركّبة تعيد تشكيل الوعي العام وحدود الفعل السياسي.
يتجلّى هذا التحوّل من خلال أرقام دالّة تكشف عمق الاختراق الرقمي في المجتمعات العربية؛ إذ يستخدم 79% من المستجيبين شبكة الإنترنت، ويعتمد 90% منهم على الهاتف المحمول بوصفه وسيلة التصفّح الأساسية، ما يجعل الفضاء الرقمي امتداداً عضويّاً للحياة اليومية. وتتعزّز هذه المركزية مع حقيقة أن أكثر من 98% من مستخدمي الإنترنت يمتلكون حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وأن 90% منهم يستخدمون اللغة العربية لغةً أولى للتفاعل، وهو ما يشير إلى تشكّل مجال عمومي جديد، عربي الهوية ورقمي الوسيط، بات الأكثر حضوراً وتأثيراً في المنطقة.
غير أن هذا الحضور الكثيف يخفي خلفه أولويات استخدام تختلف عن التصوّرات الشائعة، فالدوافع الاجتماعية تتصدّر المشهد؛ إذ أفاد 27% من المستخدمين بأنهم يلجأون إلى هذه المنصّات للتواصل مع الأصدقاء والمعارف، مقابل 15% فقط لمتابعة أخبار بلدانهم. ويتعزّز هذا المنحى مع تفضيل 47% من المستخدمين للمحتوى المرئي السريع، مقابل 27% يفضّلون المحتوى النصي، ما يدل على تحوّل في آليات تلقي المعرفة نحو الخطاب السريع والانفعالي، على حساب القراءة المتأنّية والسياق التحليلي.
في قلب هذا المشهد، تبرز أزمة ثقة بنيوية يصعب تجاهلها؛ إذ أفاد 59% من المستخدمين بعدم ثقتهم بالمعلومات والأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 41% فقط عبّروا عن ثقة عامة بها، وهي نسبة تمثل تراجعاً واضحاً مقارنة باستطلاعات سابقة. ويعكس هذا التآكل التدريجي في المصداقية تراكم تجارب التضليل والاستقطاب، وهيمنة الخوارزميات على ترتيب المحتوى، ما يدفع المستخدمين إلى التعامل مع المنصّات بوصفها ضرورة يومية لا مصدراً موثوقاً للمعرفة.
تصاعد الإحساس الجمعي بالمراقبة الرقمية، بوصفها مكوّناً متنامياً في تجربة الفاعلين داخل الفضاء الرقمي
على الرغم من التآكل الملحوظ في منسوب الثقة، لا يمكن قراءة هذا المعطى بوصفه انكفاءً كاملاً عن المجال السياسي الرقمي أو عزوفاً نهائيّاً عن التفاعل العام عبر المنصّات الرقمية. إذ تُظهر البيانات أن ما يقارب 57% من أفراد العيّنة ما زالوا يوظفون وسائل التواصل الاجتماعي بكونها قناة للتعبير عن مواقفهم إزاء قضايا وأحداث سياسية بعينها. غير أن هذا الحضور يظل محدود الكثافة والاستمرارية، حيث لا تتجاوز نسبة المنخرطين في هذا التعبير على نحو يومي أو شبه يومي 11% فقط.
وفي ظني، يعكس هذا التباين الحاد بين اتساع قاعدة المشاركة العرضية وضآلة الانخراط المنتظم، طبيعةً انتقائية وموسمية للفعل السياسي الرقمي، تتغذّى أساساً على لحظات الصدمة والأزمات الكبرى، أكثر مما تستند إلى ممارسة واعية ومستقرّة. وبهذا المعنى، يغدو التعبير السياسي عبر الفضاء الرقمي فعلاً تفاعليّاً ظرفيّاً، يفتقر إلى التراكم التنظيمي والقدرة على التحول إلى نمط مستدام من التأثير السياسي طويل الأمد، أو إلى أداة فاعلة في إعادة تشكيل موازين القوة داخل المجال العام.
فهذه المفارقة تتضح بصورة أكثر جلاءً عند تحليل ما يسمى ظاهرة “المؤثرين”، حيث تظهر فجوة واضحة بين الحضور المعلن والتأثير الفعلي. فبخلاف التصورات السائدة عن نفوذهم الواسع، لا تتابع أغلبية المستخدمين في عدة دول عربية المؤثرين أصلاً. وحتى بين من يتابعونهم، ينقسم الرأي في الثقة بمحتواهم، فيما أفاد 55% من المتابعين بأنهم لا يتأثرون بما ينشره المؤثرون. والأكثر دلالة أن أكثر من نصف المتابعين أشاروا إلى توقفهم عن متابعة عدد من هؤلاء بسبب مواقفهم من القضية الفلسطينية، وهو ما يشير إلى تحوّل نوعي في أنماط التفاعل داخل الفضاء الرقمي. فالمتابعة لم تعد فعلاً استهلاكيّاً محايداً، ولا الشهرة رصيداً كافياً لضمان الاستمرار في التأثير أو اكتساب الشرعية الرمزية. وعلى العكس، يبرز ما يمكن توصيفه بـ”المساءلة الرقمية الشعبية”، حيث يُعاد تقييم الفاعلين باستمرار على أساس مواقفهم الأخلاقية والسياسية، وتُستخدم أدوات الانسحاب والمتابعة الانتقائية كآليات ضغط رمزي تعكس وعياً جمعيّاً متنامياً بقدرة الجمهور على إعادة ضبط “حدود القبول” والتأثير في المجال العام الرقمي.
المواجهة لم تعد مسألة إتاحة للمعلومة بقدر ما غدت اختباراً مستمرّاً للقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل داخل بيئة مُشبعة بالتأثير المنظّم
ثمة دلالة محورية يكشف عنها هذا المؤشّر، تتمثل بتصاعد الإحساس الجمعي بالمراقبة الرقمية، بوصفها مكوّناً متنامياً في تجربة الفاعلين داخل الفضاء الرقمي، لا يقتصر أثره على السلوك الاتصالي فحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل حدود التعبير، وأنماط المشاركة، وسقوف الجرأة في الانخراط السياسي العام؛ إذ يعتقد 37% من المستجيبين أن نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي مراقب. ويلاحظ ميل واضح نحو تحميل الشركات المالكة للمنصات مسؤولية هذه المراقبة بنسبة 44%، مقارنة بـ34% للحكومات، ما يعكس وعياً متزايداً بدور الشركات العابرة للحدود بوصفها فاعلًا سياسيّاً واقتصادياً مؤثراً. غير أن هذا القلق لا يقابله وعي معرفي كافٍ بآليات التأثير والمراقبة؛ إذ أفاد 76% من المستجيبين بأنهم لا يعرفون ما تسمّى “الجيوش الإلكترونية”، وهو ما يكشف عن فجوة خطيرة بين الإحساس بالخطر وفهم أدواته.
عودٌ على بدء، ترسم معطيات الدورة التاسعة من استطلاع المؤشّر العربي صورة لفضاء رقمي عربي يعيش حالة مما يمكن تسميته “اللااستقرار البنيوي”: مركزي في الحضور، هشّ في الثقة، ومتردد في التأثير. إنه فضاء انزاح عن حياده الوظيفي، ليتشكّل بوصفه ساحة صراع مركزي على الوعي والمعرفة والشرعية. فالمواجهة لم تعد مسألة إتاحة للمعلومة بقدر ما غدت اختباراً مستمرّاً للقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل داخل بيئة مُشبعة بالتأثير المنظّم. وضمن هذا الإطار، لا يعود السؤال الجوهري مرتبطاً بحجم حضور العرب على هذه المنصات، بل بطبيعة علاقتهم بها، وبأنماط تفاعلهم مع فضاءٍ بات، عبر خوارزمياته المعقّدة، يعيد هندسة ما يُرى، وما يُصدّق، وحدود ما يُقابل بالفعل أو بالصمت.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى