
غالبًا ما يُطرح سؤال “الحق” في النقاش السوري كأنه سؤال بسيط، أخلاقي، وواضح المعالم: من يملك الحق؟ ومن لا يملكه؟ فهل يملك العلويون مثلاً الحق بالمطالبة بالفيدرالية وهم وافدون من الجبال؟ والأمر نفسه للأكراد في الجزيرة السورية وهي متنوعة عرقياً، وشهدت تغيرات ديمغرافية في بداية القرن العشرين، منها هجرة كثير من أكراد تركيا إليها.
مشكلة سؤال الحق هذا، هي في انفصاله عن سياقه التاريخي، فيصبح قاصرًا، بل وخطيرًا. إذ لا يمكن الحديث عن الحقوق بمعزل عن المسار الطويل الذي صاغ المظلومية، ولا عن الجغرافيا التي تشكّلت تحت وطأة القمع والخوف.
في بلد مثل سوريا، لا يُفهم الحق إلا عبر سؤال يسبقه: كيف تشكّلت مظلومياتنا؟ وكيف دُفع الناس، جماعاتٍ وجماعات، إلى أماكن لم يختاروها بالضرورة؟ لذلك، فالسؤال الأصدق ليس: من أين جاء هؤلاء؟ بل: لماذا انتهى بهم المطاف حيث هم؟
لماذا انسحب العلويون إلى جبال الساحل، بعد أن كان مركز نشاط دعوتهم الأساسي في حلب، تحت رعاية سيف الدولة الحمداني؟
ولماذا احتمى الموارنة بوادي قنوبين السحيق في شمال لبنان؟
ولماذا لجأ الأرمن إلى حلب؟ والأكراد إلى الجزيرة؟
وإن أردنا مثالًا أقرب زمنًا، لماذا شهدنا هجرة جماعية للسنّة إلى إدلب، ومن الغوطة إلى المنافي؟
الجواب واحد، وإن اختلفت الأزمنة: الاضطهاد السياسي.
أماكن سكننا في سوريا لم تكن بالضرورة ثمرة اختيار حر، بل كانت في كثير من الأحيان نتيجة عهود طويلة من العنف، والإقصاء، والخوف. هي خرائط رسمتها الصراعات السياسية لا الرغبات الفردية، وما قد نراه اليوم موطنًا “طبيعيًا” لمكوّنٍ ما، قد لا يكون في الحقيقة إلا منفى مرتبطًا بذاكرة مؤلمة.
لهذا، نحن لا نعرف بعضنا البعض حقًا. جهلنا المتبادل قد لا يكون إلا آلية دفاع نفسي، لتسكين الألم أو لتجاهل الذنب. فعندما لم نكن ظالمين أو مظلومين، كنا في الغالب صامتين على ظلمٍ لحق بنا أو بغيرنا.
من هنا، يصبح اندلاع الحروب بيننا أمرًا سهلًا. فثمة تعايش قام طويلًا على قاعدة التجاهل، لا على معنى الشراكة الوطنية. جيرة هشة، تنهار عند أول اختبار جدي. والتجاهل ليس فقط جهلاً بالآخر، بل صمت عن مأساته، وتطبيعاً معها.
ولو كان لسوريا أن تحكي قصتها بنفسها، لكانت فصولها مسهبة في سرد الظلم. لا ظلمًا واحدًا، بل تاريخًا متراكمًا من المظلوميات، يلخّص حقيقة مؤلمة: أننا، في هذا البلد المتعدد الانتماءات، لم نحتمل التعدد، ولم نرحم بعضنا البعض، لنشفي مظلوميات بعضنا البعض، ولم نتعلّم كيف نختلف من دون أن نُقصي.
من علامات نجاح الهوية الوطنية لأي شعب، قدرته على الاتفاق على كتاب مدرسي واحد، يُدرَّس لأطفاله. كتاب لا يروي فقط تاريخ الانتصارات، بل تاريخ المعاناة أيضًا. كتاب نتفق فيه على تعريف الظلم: متى حدث؟ كيف حدث؟ ومن دفع ثمنه؟ فإذا اتفقنا على تعريف الظلم، أصبح الاتفاق على الحق أسهل.
في ألمانيا المعاصرة، يُدرَّس تاريخ النازية بتفاصيله في المدارس، ويُعرض في المتاحف والأفلام، تحت شعار واضح: “حتى لا يتكرر”. وفي ذلك اعتراف شجاع بأن النازية لم تكن مجرد دكتاتورية فُرضت من فوق، بل كانت أيضًا ميلًا وإمكانية داخل المجتمع نفسه، يجب الحذر منها باستمرار.
اليوم، إن أردنا لسوريا أن تبقى موحدة، نواجه سؤالًا مصيريًا: أي تاريخ نريد أن نكتبه لأولادنا؟ وما الذي يجب أن نحذّرهم منه حتى لا تتكرر الأسدية، ولو بأقنعة جديدة وأسماء مختلفة؟
لا يمكن لسوريا أن تنهض إن تمسّك كل طرف بسردية مظلوميته وحدها، وحوّلها إلى أيديولوجيا يُحاسب بها الآخرين، ويقرر نيابة عنهم ما يحق لهم وما لا يحق. فالحقوق لا تُجزّأ، ولا تُمنح لفئة وتُسحب من أخرى باسم مظلومية سابقة أو خوف لاحق.
أليس من حق سكان المخيمات أن يتركوا المخيمات؟
أليس من حق أهل الغوطة ألا يُدفعوا إلى إدلب؟
وأيضًا، أليس من حق العلويين ألّا يُجبروا تاريخيًا على الاحتماء بالجبال؟
سوريا لا يمكن أن تُبنى على تبرير ظلم هنا بذريعة مظلومية هناك. تنهض سوريا حين نتوقف عن إنتاج الظلم. وربما تكون أفضل نواة لأي عقد اجتماعي جديد هي الاتفاق الصريح على تعريف الظلم في تاريخنا؛ فإذا اتفقنا على تعريف الظلم، سهل علينا تعريف الحق.
سوريا تتوحد حين نتعاهد على حماية بعضنا البعض. وتُبنى حين نقبل التنوع كحقيقة لا كتهديد، وكمرآة لأنفسنا لا كخطر علينا. ذلك القبول ليس ترفًا أخلاقيًا، بل الشرط الوحيد لإمكانية نشوء هوية وطنية سورية حقيقية، هوية لا تقوم على النفي، بل على الذاكرة المشتركة، وعلى وعدٍ بعدم تكرار ما دمّرنا.
المصدر: المدن






