
لا تكاد تخلو منطقة في العالم من نزعات انفصالية أو مطالب بالاستقلال الذاتي، سواء في إفريقيا وآسيا، أو حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ففي أوروبا، تظهر هذه النزعات في أقاليم مثل بافاريا في ألمانيا، شمال إيطاليا، كتالونيا الإسبانية، اسكتلندا وإيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة، فلاندرز في بلجيكا، كورسيكا في فرنسا، وفويفودينا في صربيا.
وتستند هذه النزعات، في معظمها، إلى عوامل تاريخية وهوويات إقليمية راسخة، وغالباً ما تغذّيها دوافع اقتصادية ذات طابع أناني، حيث ترى بعض الأقاليم نفسها أكثر قدرة على إدارة مواردها بعيداً عن المركز.
وفي الولايات المتحدة، ورغم متانة الدولة الفيدرالية، تظهر بين الحين والآخر دعوات انفصالية في ولايات مثل تكساس وألاسكا وكاليفورنيا، لكنها تبقى هامشية وضعيفة التأثير.
أما في الصين، فتبرز مطالب بالانفصال أو الحكم الذاتي في أقاليم مثل تايوان، والتبت، وشينجيانغ، وهي قضايا ذات جذور قومية وتاريخية معقّدة.
وفي إفريقيا، تتكرر الظاهرة في مناطق عديدة مثل الصومال، والصحراء الغربية، وكازامانس في السنغال، وأمبازونيا في الكاميرون، وغيرها.
غير أن القاسم المشترك بين معظم هذه الحالات هو أن النزعات الانفصالية فيها ذات طابع جغرافي–مناطقي واضح، حيث تتداخل الهوية، والديموغرافيا، والتاريخ، في فضاء إقليمي متماسك نسبياً، ما يمنح تلك النزعات — بصرف النظر عن عدالتها أو نجاحها — حدًا أدنى من المنطق البنيوي.
وهنا تحديداً تبرز خصوصية الحالة السورية واختلافها الجوهري.
في سورية، ظهرت في السنوات الأخيرة وحتى في الأشهر الأخيرة بعد سقوط نظام الأسد، نزعات انفصالية أو فيدرالية لا تستند إلى معطيات جغرافية أو ديموغرافية متماسكة، بل ارتبطت أساساً بدوافع سياسية ظرفية وأجندات خارجية.
ففي منطقة الجزيرة والفرات، على سبيل المثال، برزت مطالب كردية بإقامة إقليم فيدرالي تحت مسمى “روجافا” أو “كردستان الغربية”، وهي تسمية مستحدثة سياسياً لمنطقة تشكّل الأغلبية الساحقة من سكان محافظاتها الثلاث من العرب، بنسبة تتجاوز 90%.
كما أن هذه المطالب تفتقر إلى سياق تاريخي أو جغرافي متصل يبرر قيام كيان سياسي مستقل أو شبه مستقل على هذا الأساس.
الأمر نفسه ينسحب على الساحل السوري، حيث تُطرح أحياناً تصورات عن إقليم فيدرالي علوي، رغم أن الطائفة العلوية تشكّل أقلية ديموغرافية ضمن محيط أوسع متنوع سنياً ومسيحياً.
حتى التجربة التاريخية في فترة الانتداب الفرنسي، التي قامت على تقسيمات إثنية وطائفية مصطنعة (إقليم علوي وإقليم درزي)، لم تكن قابلة للحياة، ولم تصمد طويلاً أمام الواقع الاجتماعي والجغرافي لسورية.
في جوهر الأمر، فإن النزعات الانفصالية الحديثة في سورية لا تنبع من ديناميات داخلية طبيعية، بل ترتبط بدرجة كبيرة بالتحريض الخارجي من جهة، وبمخاوف بعض الأقليات من وصول الأكثرية للسلطة من جهة أخرى.
وذلك رغم أن الأكثرية السورية قدّمت تضحيات جسيمة، وأظهرت — تاريخياً وسياسياً — تسامحاً كبيراً من جراح الماضي، وحرصاً واضحاً على وحدة البلاد حتى عندما كانوا خارج السلطة، وتمسك كذلك بالدولة المركزية البسيطة، ورفض مشاريع التقسيم، لا بوصفها غلبة عددية، بل باعتبارها شرطاً لبقاء سورية نفسها.
المصدر: صفحة مهند الكاطع






