عامٌ يجرّ أقدامه

عساف سلامة السلمان

انتهت 2025 ولم تنتهِ. خرجت من التقويم كما تخرج أمّي من الغرفة: بهدوءٍ موجع وبفراشٍ فارغٍ يحدّق في السقف كأنه يسأل: » ولماذا كل هذا الصبر؟ « كان عامًا ثقيلاً، ثقيلاً كجنازةٍ بلا مشيّعين، كحكومةٍ بلا يدين، كبلدٍ مقسومٍ على خرائط أكثر من رغيف الخبز.
مرضت أمّي فمرض البيت. صار الحائط يسعل، والشباك يتنفس بصعوبة، والساعة توقفت احترامًا للألم. الأطباء كانوا لطفاء مثل بيانات رسمية: كلام كثير ولا شفاء. ماتت أمّي فلم تمت الحرب. ماتت أمّي فلم يسقط الفساد. ماتت أمّي وبقيت الطوابير تتزايد أمام الأفران وأمام الوعود.في 2025 كان البلد مثل طفلٍ يتيم تتنازعه الأيادي: هذه تقول «نحن المنقذون«، وتلك تقول «نحن الورثة الشرعيون«، والطفل ينام على البلاط ويحلم بحذاء.
حكومةٌ ورثت ثقلاً أثقل من الجبال، تحمله على كتفيها وتطلب من الناس أن يصفقوا بدل أن يساعدوا. فزعات، خطابات، صور، ومؤتمرات تشبه عيادةٍ بلا دواء.كل يوم وعدٌ جديد، وكل وعد يموت قبل المساء مثل ذبابة على زجاج مكتب. لم يتحسن شيء. حتى الخيبة أصبحت روتينية. حتى الغضب صار متعبًا. والمواطن؟ ذلك الكائن العجيب الذي يعيش على الأمل كما يعيش الصبارعلى الغبار. ها هو الآن يعلّق قلبه على عام 2026 كما تُعلّق المعاطف القديمة:»لعلّ الطقس يتحسن«، »لعلّ السلام يمرّ من هنا«، »لعلّ الاقتصاد يتذكرنا«، »لعلّ الإعمار لا يكون كذبةً أخرى بقبعة هندسية. « أما أنا فأدخل 2026 بأمٍّ في الذاكرة، وببلدٍ في غرفة الإنعاش، وبقلبٍ يقول: لا أريد معجزات، أريد فقط عامًا لا يموت فيه أحد ببطءٍ رسمي. عامًا لا نُدفن فيه تحت الركام والبيانات. عامًا نستيقظ فيه ولا نحتاج أن نعلّق الأمل كصورةٍ باهتة على حائطٍ متشقق.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قصة قصيرة معبرة تعطي الموقف الوطني من وضع سورية اليوم بعد عام من التحرير [انتهت 2025 ولم تنتهِ. خرجت من التقويم كما تخرج أمّي من الغرفة:….ماتت أمّي فلم تمت الحرب. ماتت أمّي فلم يسقط الفساد. ماتت أمّي وبقيت الطوابير تتزايد أمام الأفران وأمام الوعود.في 2025 ].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى