تكريم الحمار

عساف السلمان

لم يعرف أحد في الدائرة لماذا قرّر المدير أن يُقيم احتفالًا لـ الحمار الذي يجرّ العربة القديمة خلف المبنى.
حمار رمادي، يشتغل منذ عشرين سنة ولا ينهق إلا حين يضربه السائس.
وفي صباح يوم الإثنين، جمع المدير الموظفين، ووقف بينهم بثقة رجل اكتشف علاجًا للسرطان، وقال:

“سنُقيم له عرسًا… حمارنا لا بد أن نحتفل به!”

لم يفهم أحد.
لكن الرؤوس هزّت، كما تهتز شجرة يابسة في ريح قوية:
لن يعترض أحد، فالمدير إذا غضب، يفتح الملفات القديمة، ويرى من تأخر ومن همس ومن تنفّس بصوت أعلى من اللزوم.

بدأت الاستعدادات.
الموظف المسؤول عن المحفوظات صار مسؤولًا عن الموسيقى.
كاتب الصندوق أصبح مصوّرًا رسميًا.
والمهندسة الوحيدة في المكان، والتي درست في أوروبا وتحلم بخطة تنظيمية للإدارة، وجدت نفسها تلصق الورود البلاستيكية على ذيل الحمار.

كان الحمار نفسه ينظر إليهم بعينين نصف ميتتين، كأنه يقول:
“ليس ذنبي… ذنبكم أنتم.”

وفي اللحظة التي بدأوا فيها بتجريب مكبرات الصوت، وصل خبر مفاجئ:
المدير العام سيزورهم غدًا.
أصبح عرس الحمار مسألة وطنية.
التعليمات نزلت من فوق:
“يجب أن يبدو الحمار سعيدًا.
مُهم جدًا أن يراه المدير العام وهو يبتسم.”

لم يعرفوا كيف يجعلون حمارًا يبتسم.
اقترح أحدهم أن يجرّوه من خديه، ورفض الآخر خوفًا من أن يعضهم.
وفي النهاية قرروا أن يلتقط المصور زاوية محددة تجعل فمه يبدو مفتوحًا كابتسامة واسعة.

في المساء، نام الموظفون في الدائرة، على الكراسي وفي الممرات.
وكان الحمار الوحيد الذي وقف طوال الليل بلا حراك، يبدو كأنه يفكر في مصيبته ومصيبتهم.

جاء اليوم الموعود.
وصل المدير العام، بكرشه الكبير ونظارته الداكنة.
وقف تحت المظلّة، وبدأ الجميع يصفقون كأنهم في استقبال بطل حرر البلاد.

اقترب من الحمار.
حدّق فيه طويلًا.
ثم قال جملة ستبقى محفورة في جدار الإدارة:

“هكذا يجب أن يكون الموظف… صبور… هادئ… يخدم بصمت.”

هزّ المدير رأسه موافقًا.
صفق الجميع.
حتى الموسيقى انطلقت من تلقاء نفسها، نشازًا لكنه نشاز احتفالي.

وفي لحظة حاسمة لم يحسب لها أحد حسابًا، رفع الحمار رأسه، ونفض أذنيه، ثم أطلق نهيقًا طويلًا، حادًا مثل صفعة.

سكت الجميع.
انقطع التصفيق.
توقفت الموسيقى.

حدّق المدير العام في الموظفين.
حدّق الموظفون في المدير.
والحمار ظلّ يحدّق في الفراغ، كأنه يعلن الحقيقة الوحيدة في المكان:

“أنا لست المشكلة.”

وبعد دقائق من الإحراج، تحولت الواقعة إلى قرار رسمي:
اعتُبر نهيق الحمار “مؤامرة مدبّرة لإفساد الحدث”.
صار مطلوبًا من الموظفين كتابة تقارير، وتقديم تفسيرات، ورفع اعتذار رسمي عمّا سمّوه “انحرافًا غير مسؤول من الحمار”.

أما الحمار، فقد أعيد إلى مكانه خلف المبنى، يجرّ العربة ذاتها، كأن شيئًا لم يحدث.
والعرس الذي أقيم له صار قصة يتداولها الناس في المقاهي، يضحكون وهم يعرفون أن الضحك ليس إلا وسيلة للبقاء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قصة قصيرة ذات معاني عبر من الكاتب “عساف السلمان” بقصته “تكريم الحمار” عندما يتم تحميل الموضوع بغير ثوبه وطبعه، يكون الطبع غلاب ، وهذه عبرة لمن يحاول رفع وتحميل أشخاص مهام ومسؤوليات ليسوا أهل لها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى