
على الرغم من إصاباتهم المتكرّرة على مدى سنوات المواجهة مع قوات نظام الأسد والميليشيات المساندة لها، شارك عدد من المقاتلين المصابين بفاعلية في الصفوف المتقدمة خلال معركة “ردع العدوان”، ضمن مهام إنسانية وطبية وحتى قتالية.
وواجه المقاتلون المصابون تحديات كبيرة خلال مشاركتهم، بدءاً من الألم المستمر وصولاً إلى صعوبة الحركة، ومع ذلك، شكّلت تجربتهم السابقة دافعاً رئيسياً للمشاركة في واحدة من أبرز المعارك التي خاضها السوريون ضد نظام الأسد.
ثلاثة مقاتلين التقاهم موقع تلفزيون سوريا في ذكرى “ردع العدوان” الأولى للحديث عن مساهمتهم في معركة غيّرت وجه البلاد تماماً، رغم ظرفهم الإنساني الصعب، واعتبروا أن “وجودهم في ساحة المواجهة كان امتداداً طبيعياً لتضحياتهم السابقة ووعداً قطعوه على أنفسهم”، مشيرين إلى أنّ الإصابات لم تكن سبباً للتراجع، بل حافزاً إضافياً دفعهم للاستمرار في تحقيق ما سعى إليه الشعب السوري منذ سنوات طويلة.
عهود قطعوها على أنفسهم
يروي المقاتل المعروف بلقب “أبو القاسم الشامي” لموقع تلفزيون سوريا أنّ إصابته الأولى كانت خلال معركة “الـ300 يوم” في منطقة الحماميات عام 2019، حين تعرّض لإصابة خطيرة في العنق والرأس ونُقل بعدها إلى المستشفى.
ورغم قساوة المعارك وكثرة الشهداء، عاد الشامي بعد أسابيع قليلة إلى خطوط القتال لمؤازرة رفاقه، مؤكداً أنّ دوره لم ينتهِ مع توقف المعارك، بل استمر في الإعداد والعمل من أجل “تحرير أرض الشام ودماء الشهداء والأسرى” كما وصف.
وأوضح أبو القاسم المنحدر من محافظة درعا، أنّه كان يقيم في مخيمات إدلب قبل العملية، وأنه لم يغب عن الميدان، رغم إصابته قبل شهر ونصف في قدمه، مواصلاً التدريب والإعداد النفسي والبدني للعودة إلى المواجهة.
من جهته قال محمد الربّاط لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ دافعه الأكبر للمشاركة في معركة “ردع العدوان” انطلق من العهد الذي قطعه على نفسه منذ اعتقاله الأول عام 2011، حين وعد ألّا ينسى أي معتقل وأن يسعى لتحريرهم مهما كلّف الأمر، موضحاً أنّ إصاباته في الغوطة لم تضعف عزيمته بل زادته إصراراً على الوفاء بذلك الوعد.
وبيّن محمد الملقب بـ”معتز القنواتي”، أنّه بدأ دوره في غرفة العمليات الإعلامية في لجنة مراقبة جودة المحتوى أول أيام المعركة ثم قرر التزامه بعهدٍ آخر كان قد قطعه على نفسه بدخول دمشق بلباسه العسكري وعتاده الذي أصيب به في الغوطة، مؤكداً أنّ التزامه تجاه مدينته وأهله كان أقوى من أي خوف أو عائق.
وروى المقاتل أنّ إعاقته العصبية في إصبعه لم تمنعه من أداء عمله الإعلامي، بل دفعته لتوثيق لحظات المواجهة والشهادة وبطولات الشباب، وقال: “شعرتُ أنّ الله حرمني من القتال المباشر، لكنّه ثبّتني لأكون عينَ المقاتلين وصوتهم”.
في حين أكد نعيم السهو أول المقاتلين الذين اقتحموا محور قبتان الجبل في جبل سمعان، أن دوافعه للمشاركة في المعارك كانت رفع الظلم عن البلاد وتحرير المعتقلين وطرد المرتزقة القادمين من مختلف دول العالم.
قصص ملهمة
أشارت الباحثة الاجتماعية آلاء الدالي لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ العديد من الحالات التي تعرّضت لإصابات سابقة خلال فترة الثورة وشاركت في معركة “ردع العدوان” كانت قصصهم مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه ملهمة لما تحويه من إصرار وصبر وثبات لتحقيق الهدف.
وترى الدالي أنّ الإصابة الجسدية لا تعيق الإنسان عن تحقيق أهدافه، بل قد تشكّل دافعاً نفسياً قوياً، كما أن القوة الجسدية تنبع أساساً من وجود قوة نفسية وإيمانية ورغبة صادقة في تحقيق الهدف.
التحدي والإصرار
رغم إصاباتهم، اختار المقاتلون العودة إلى ساحة القتال، كل منهم يحمل قصة ألم الماضي وعزيمة الحاضر ورسالة قوية مفادها “تحرير البلاد واجب لا اختيار”.
الأشخاص المصابون يؤثر عليهم برد الشتاء، ويذكر أن العملية كانت في أواخر تشرين الثاني 2024، والجو بطبيعته بارد لكنه لم يكن سبباً لتراجع أحد من المقاتلين، ومنهم أبو القاسم الذي قال إن الألم الناتج عن إصابته والبرد والسهر تحول إلى دافع إضافي للاستمرار، حين تذكر ألم الأسرى والأسيرات ودموع الأيتام والثكالى في سوريا خلال الأعوام الماضية.
في حين قال السهو عن إصاباته العديدة في جسده، إنّ الكبيرة منها والأكثر تأثيراً عليه كانت في عام 2017، حين أصيب في قدمه خلال معركة حلب الكبرى نتيجة لاستهداف طيران روسي، مؤكداً أنه رغم الألم الكبير الذي عانى منه طوال فترة المعركة والتحضير لها لم يستطع أو يفكر للحظة بالتراجع، وكان هدفه واضحاً ولا يمكن أن يتخلى عنه مهما كان الثمن.
نعيم أشار خلال حديثه إلى دوره بالمعركة في الصفوف الأولى حيث عمل سائقا لمصفحة اقتحام وفي الوقت نفسه ممرضا ميدانيا كان يرافق الانغماسيين أحياناً في المعرة للتدخل مباشرة عند وقوع أي إصابات والتعامل معها في الميدان.
وكان نعيم أول من اقتحم محور قبتان الجبل في جبل سمعان ضمن سرية الاقتحام الآلي بخمس آليات.
فسرت الدالي وجود دافع أساسي للمقاتلين يرتكز على الإصرار على تحقيق الهدف رغم الإعاقة، موضحة أنّ القوة الجسدية تنبع من القوة النفسية، وأن التحدّي الناتج عن الإعاقة يواجهه كل شخص بطريقته الخاصة.
وعندما يتعلق الأمر بمحاربين يؤمنون بالمعركة وتعرّضوا للإصابة، فإنّ حالتهم تعكس إصراراً مضاعفاً وثباتاً لتحقيق الهدف حتى وإن كانت الكلفة حياتهم، إذ تولّد الإصابة لديهم قوة إضافية تدفعهم للاستمرار، بحسب محدثّتنا.
مواقف لا تنسى
لم تقتصر مساهمتهم على القتال بل تعدته لتشمل رفع معنويات المقاتلين ودعم المدنيين وتوثيق اللحظات البطولية على الأرض، فكل مقاتل وجد في دوره رسالة أكبر من ذاته تثبت أنّ التضحيات تصنع الفرق في ميدان المعركة.
وأوضح المقاتل محمد أنّ دوره الإعلامي والنفسي كان مؤثراً على المدنيين والمقاتلين، إذ رفع معنوياتهم وبث الطمأنينة وعزز ثقتهم بالقدرة على التقدم والنصر، في الوقت الذي أضعف فيه معنويات قوات النظام ضمن إطار الحرب النفسية.
في حين استذكر محمد الرباط أصعب لحظة عاشها عند تخوم جبل زين العابدين في ريف حماة الشمالي، حين خشي أن يتوقّف التقدّم أو أن يُستشهد قبل أن يرى والدته بعد غياب دام سنوات، فامتزج الخوف بالشوق والأمل في تلك اللحظة.
ووصف اللحظة التي منحته قوة إضافية عند فتح سجن حماة، حين شاهد المعتقلين يخرجون بعد سنوات طويلة، مؤكداً أنّ تلك اللقطات كانت تجسيداً للعهد الذي حمله منذ خروجه من السجن.
أما عن أصعب لحظة عاشها أبو القاسم الشامي فكانت عندما انقطع عن رفاقه داخل المعركة، لكنه تتبع أثرهم وتمكن من الوصول إليهم مجدداً، في الوقت الذي منحته بعض اللحظات قوة إضافية عندما تلقى الدعم من زوجته وأطفاله وشجعوه على العودة إلى الميدان لتحقيق حلم تحرير الأسرى، كما أفاد لموقع تلفزيون سوريا.
واختتم أبو القاسم الشامي شهادته بالقول إن مشاركته رفعت معنويات رفاقه، حين كان يردد دائماً: “إما أن نكون فاتحين بإذن الله، أو نرتقي شهداء إلى جنان النعيم”.
ترى الباحثة آلاء أنّه من الأمور المهمة للمقاتلين المصابين تقدير تضحياتهم، وإعادة تأهيلهم لدمجهم في أماكن عمل مناسبة لوضعهم الجديد، وتطوير نقاط القوة لديهم والاستفادة من خبراتهم بحسب المجالات التي يستطيعون تقديم الفائدة فيها، سواء كمقاتلين أو إعلاميين أو مهندسين، إضافة إلى تقديم الدعم المالي والنفسي والاجتماعي المستمر لضمان حياة كريمة ومستقرة لهم.
المصدر: تلفزيون سوريا






