
في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان، تزايدت في الأيام الأخيرة تقارير إعلامية إسرائيلية تروّج لفرضية مفادها أن التعزيزات العسكرية السورية على الحدود مع لبنان، قد تكون مقدمة لتدخل عسكري سوري محتمل في الساحة اللبنانية.
غير أن الإدارة السورية الجديدة سارعت إلى نفي هذه المزاعم، مؤكدة أن انتشار قواتها على الحدود يأتي في إطار إجراءات دفاعية تهدف إلى ضبط المعابر ومنع أيّة خروقات أمنية، بالتوازي مع تحركات سياسية واتصالات إقليمية ودولية تسعى من خلالها إلى تحييد البلاد عن تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المناطق الحدودية حركة نزوح متزايدة لآلاف المدنيين الفارين من القصف الجوي الإسرائيلي على مناطق متفرقة في لبنان، في حين كثفت الإدارة السورية من اتصالاتها السياسية مع عدد من العواصم الإقليمية والدولية، لاحتواء تداعيات التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر.
دمشق: الانتشار إجراء دفاعي
وأكدت وزارة الدفاع السورية أن الانتشار العسكري على الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار إجراءات دفاعية بحتة، ولا يستهدف أي دولة. وأوضحت في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن الوحدات العسكرية المنتشرة على الحدود تقوم بعمليات مراقبة مستمرة، بالتوازي مع تنسيق إقليمي يهدف إلى ضمان حماية المدنيين.
وأضافت أن انتشار الجيش يشمل إجراء وقائيا لضبط الحركة على الحدود ومنع أي خروقات أمنية أو عمليات تهريب قد تهدد السيادة السورية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
تحركات دبلوماسية واتصالات دولية
وفي موازاة الإجراءات العسكرية، كثفت دمشق من تحركاتها السياسية لاحتواء تداعيات التصعيد، إذ أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس السوري أحمد الشرع، تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استعرض الشرع خلاله، رؤية دمشق حيال التطورات الجارية، مؤكداً أن التعزيزات الدفاعية على الحدود السورية-اللبنانية تهدف إلى إلى حماية الحدود ومنع محاولات تهريب السلاح أو زعزعة الاستقرار.
كما أشار بيان الرئاسة السورية إلى تأكيد الطرفين على إدانة الاعتداءات الإيرانية التي طالت بعض دول المنطقة دون أي مبرر.
ويرى مراقبون أن التطورات الأمنية على الحدود السورية اللبنانية ترتبط بتداعيات الحرب الإقليمية الأوسع، إذ تخشى دمشق من استغلال حالة الفوضى الحالية لفتح جبهات جديدة أو تنفيذ أنشطة تهدد الاستقرار.
ويعتقد هؤلاء أن الإدارتين الجديدتين في دمشق وبيروت، تدركان أن استمرار فلتان الحدود قد يؤدي إلى استمرار تدفق السلاح والمخدرات بين البلدين، ما قد يمنح أطرافاً إقليمية، أوراق ضغط يمكن استخدامها لإرباك الأوضاع في سوريا ولبنان.
ضبط الحدود أولوية سوريّة
وفي هذا السياق، قال الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، لـ”المدن”، إن “الانتشار العسكري السوري على الحدود مع لبنان، مُصمّم بدرجة أساسية لضبط أمن الحدود ومنع أي نشاط تخريبي قد يستهدف الأراضي السورية”. ولفت إلى أن آخر ما تفكر فيه دمشق في هذه المرحلة هو التدخل العسكري في لبنان، مؤكداً أن أولويتها تتمثل في تحصين حدودها ومنع انتقال تداعيات الحرب إليها، وفق تعبيره.
وأضاف أن “هناك قلقاً سورياً من احتمال استغلال حزب الله للظروف الإقليمية الحالية، وربما بإيعاز إيراني، لخلق توترات على الحدود أو استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لتهديد الأمن السوري”.
واعتبر أن “فشل الحكومة اللبنانية في ضبط الحدود ومنع هذه الأنشطة، قد يدفع سوريا إلى اتخاذ خيارات لا تُفضلها”، مبيناً أن “التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين ضروري لإدارة المخاطر في هذه المرحلة”.
حرص سوري على علاقات الجوار
بدوره، قال الأكاديمي والمحلل السياسي عصمت العبسي، لـ “المدن”، إن “الحكومة السورية تحرص في هذه المرحلة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار، وتعمل على تحييد نفسها عن الصراعات الإقليمية رغم الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة”.
ورأى أن “التعزيزات العسكرية على الحدود اللبنانية تأتي في إطار إجراءات دفاعية لحماية السيادة السورية، وليس بهدف التصعيد أو الدخول في مواجهة مع أي طرف، وفق كلامه.
ولفت إلى أن الإدارة السورية الجديدة تسعى إلى إحتواء التوترات قدر الإمكان، مؤكدا أن موقفها يقوم على حماية أمنها الداخلي ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار على حدودها.
استراتيجية النأي بالنفس
من جهته، قال الباحث السياسي كمال عبدو، لـِ “المدن”، إن “سوريا تشعر أن النيران بدأت تقترب من حدودها من الجهة الشرقية (العراق) ومن الجهة الغربية (لبنان)، وتحاول جاهدة أن تنأى بنفسها عنها”، مشدداً على أنها “غير مستعدة للانخراط في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل”.
ووصف عبدو الموقف بأنه “معقد”، مضيفاً “قد لا تكفي الرغبات بتحقيق الأمنيات، وبالتالي فإن الانزلاق إلى الحرب قد يكون إجبارياً في منطقة هشة وقابلة للتمزيق والتدمير أكثر من أي وقت مضى”.
منطقة على حافة التصعيد
ويرى مراقبون أن التحركات السورية تعكس محاولة واضحة لتجنب الانجرار إلى صراع إقليمي واسع، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً. غير أن هؤلاء يشيرون إلى أن استمرار التصعيد واتساع نطاق المواجهات، قد يجعل من الصعب على أيّة دولة في الشرق الأوسط البقاء بمنأىً كامل عن تداعيات الحرب.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الإدارة السورية الجديدة حريصة على الجمع بين التحركات الميدانية والدبلوماسية، في محاولة لتحصين حدودها وإبعاد البلاد قدر الإمكان عن دائرة الصراع المتصاعد في المنطقة.
المصدر: المدن






