“ردع العدوان” التي غيرت تاريخ المنطقة

أحمد مظهر سعدو

عندما انطلقت عملية (ردع العدوان) من محافظة إدلب شمالي سوريا، باتجاه مدينة حلب المدينة الثانية بعد دمشق العاصمة، بأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لسوريا، ظن بعضهم أنها مجرد عملية صغيرة عسكرية تأديبية للنظام الأسدي، من جراء ما ارتكبه قبل يوم واحد من بدء (ردع العدوان) حين قصف مدرسة لتعليم وتحفيظ القرآن في مدينة أريحا، ومن ثم تنتهي بعد أيام قليلة.
لكن الذي جرى أنها كانت القاضية، فقد استمرت هذه العملية العسكرية مستفيدة بحق ومواكبة لمتغيرات دراماتيكية تحصل في المنطقة، وأيضًا مدركة للظروف الدولية المحيطة، وواقع ما سمي (محور الممانعة والمقاومة) الذي علاه الصدأ، وثبت فشله  وانهزامية أدواته، وخشبية شعاراته، عندما ترك أهل قطاع غزة من الشعب الفلسطيني، يبادون من دون حراك فعلي، من قبل  خط المقاومة المفترض كما يدعي دائمًا، هذا المحور المفكك بكليته، وكذلك واقع المشهد السوري بما يخص النظام الحاكم، نظام بشار الأسد الذي راح يتلاشى، كقدرات وإمكانات، في وقت راح فيه معظم قادته يبحثون عن خلاصهم الفردي ليس إلا، يضاف إلى ذلك واقع الروس المأزم في أوكرانيا، والباحث عن مخرج له من الوحل الذي خاض به هناك، في مواجهة الأوربيين والغرب عمومًا ، وأيضًا البحث عن دور آخر، ومن أجل الخروج من عنق الزجاجة فيما لو استطاع إلى ذلك سبيلًا.
كل ذلك مع مزيد من القدرات التي يبنيها المقاتلون من المعارضة السورية، وخاصة (هيئة تحرير الشام) الأكثر تنظيمًا ضمن الفصائل السورية المعارضة، وكذلك التنسيق عالي المستوى بين بعض فصائل المعارضة العسكرية، وتدريبها المستمر والمميز، وإيمانها الكبير بقضيتها الوطنية السورية ، مجمل هذه المسائل  أسهمت في ديناميات الاستمرار للعملية العسكرية المنطلقة نحو حلب الشهباء، وقدرة هذه الفصائل على تخطي الصعوبات والعقبات وصولًا إلى ما بعد حلب، حيث بدأت عناصر النظام بشار الأسد تنهار رويدًا رويدًا، أمام تقدم الفصائل ضمن صفوف المعارضة المتماسكة والمؤمنة بما تقوم به. حتى وصلت طلائع قوات المعارضة إلى دمشق العاصمة، وبالتالي فر رأس نظام الاستبداد إلى موسكو، تاركا شبيحته في الميدان.
ما جرى من جراء العملية الكبيرة هذه خلق وضعًا سياسيًا سوريًا لم يكن يتوقعه أحد، فقد سقط نظام الاستبداد الطغياني، وتم كنس المشروع الإيراني الفارسي الطائفي إلى غير رجعة، وأزيح النظام/ العصابة الذي حكم سوريا لأكثر من 54 عام قضاها الشعب السوري معه، في أجواء من المعاناة الأمنية والحرياتية المفقودة، والاقتصادية والمعيشية، حتى سميت سوريا جمهورية الخوف، وكان العسف والقمع يلف كل نواحي حيوات الناس السوريين، وباتت سوريا دولة فاشلة اقتصاديًا وأضحى كيان الدولة السورية في نهاية ذيل التصنيف العالمي لحقوق الإنسان.
الشعب السوري كان من أكثر شعوب المنطقة العربية تضحية منذ انطلاق طلائع الربيع العربي، وهو الذي ضحى بما ينوف عن مليون شهيد على مذبح الحرية والكرامة، وتلقى من هذا النظام القمعي المستبد كل أنواع القتل، فكانت المقتلة الأسدية من أكثر الحالات في العالم بشاعة وعنفًا وإرهابًا، ليصنف إرهاب نظام الأسد كأعلى مراحل الإرهاب العالمي وأشنعه، حتى إن النظام الفاشي الأسدي قصف شعبه بسلاح الكيماوي، وكذلك بالقنابل العنقودية، والبراميل والصواريخ البالستية. مع ذلك استمرت ثورة السوريين حتى تحقق النصر لها.
وإذا كانت عملية (ردع العدوان) قد حققت الكثير عسكريًا على أرض الواقع، إلا أن ما بعدها، (وهو ما ينتظره الشعب السوري) مايزال كثيراً كثيراً، ومازالت العديد من غايات وأهداف ثورة السوريين لم تتحقق بعد، وبانتظار المزيد، رغم إدراك الجميع/ جميع السوريين لحجم هذه التحديات الكبرى التي تعتري وتعترض طريق حكومة ما بعد عملية (ردع العدوان) وما انفك الوضع السوري يواجه كثيراً من التحديات الكبرى والمصيرية، رغم الحراك الدبلوماسي المميز للخارجية السورية والرئاسة السورية الجديدة.
لكن ما يجب قوله: إن العملية بحد ذاتها والتي تمكنت من قطع أوصال المشروع الإيراني في المنطقة العربية، الذي كان يحاول أن يصل بين طهران بغداد دمشق بيروت، ترنح كثيرًا وتم قطعه، وتمت عملية إعاقة وصوله إلى منتهاه، وهذه مسألة ستسجل بالتاريخ، أن شعبًا سوريًا مكافحًا تمكن من إنهاء المشروع الإيراني في المنطقة، الذي يعادل في خطورته المشروع الصهيوني، إن لم يكن قد تخطاه عداء للعرب. بمعنى آخر فإن ما نشهده اليوم من احتضان عربي وخاصة من قبل دول الخليج العربي، مثل المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وكذلك الإمارات العربية المتحدة، وسواها، إنما هو ناتج عن وعي وإدراك عميقين من قبل هذه الدول لمكانة سوريا في لجم المشروع الإيراني، وإيقافه عند حده، ثم إعادته إلى ما يسمى بجغرافية إيران السياسية، وهي مسألة تخدم بالضرورة الدول الخليجية كثيرًا، ومن ثم فهو حدث تاريخي إقليمي، وليس حدثًا سوريًا فحسب.
وهو ما يؤشر إلى استمرار الدعم العربي الخليجي لحكومة ما بعد انتصار الثورة، وحرص هذه الدول العربية، على الاستقرار في سوريا، ووحدة السوريين منعًا لأية احتمالات جديدة من قبل الفلول، بدعم إيراني كي تعود الأمور إلى ما قبل 8 كانون أول / ديسمبر لا قدر الله.
لقد تمكنت الفصائل السورية جميعًا التي تنتمي لثورة الشعب السوري، من تحقيق غاياتها بإنهاء نظام بشار الأسد، وهي كذلك دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، حيث كانت رأس حربة فاعل ومقدام في الوصول إلى فهم الوضع الإقليمي الذي تم فيه تحجيم الدور الإيراني، وإنهاء مشروع إيران التوسعي الخطر كليًا، هذا المشروع المعادي للعرب والمسلمين الذي رفعه يومًا (آية الله الخميني) عندما قال إنه بصدد مشروع أسماه (تصدير الثورة) نحو العالم العربي.
وجاءت عملية (ردع العدوان) لتحطم هذا المشروع على رأس أصحابه، فانسحبوا من أرض الشام صاغرين، وتركوا سوريا إلى غير رجعة، وسوف يتركون المنطقة بكليتها نتيجة لهزيمتهم، وتقهقرهم أمام قوة واقتدار السوريين، وإيمان السوريين، الذين علموا الفرس في حكومة الملالي كيف تكون المواجهة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى