
منذ اندلاع الثورة في تونس عام 2011، تزايد نشاط منظّمات المجتمع المدني باعتبارها فاعلاً حيوياً في المشهد السياسي والاجتماعي، وقوّةَ تأثير في أصحاب القرار والحراك الاحتجاجي، لعبت دوراً معتبراً في نشر قيم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، ومراقبة الانتخابات، ومناصرة الفئات المهمّشة. وهي، في نظر كثيرين، من أبرز مكتسبات المرحلة الانتقالية، إذ ساهمت في بناء فضاء عام مفتوح، تعدّدي وناقد، أتاح للمواطنين المشاركة في صياغة السياسات العامّة ومساءلة السلطة الحاكمة. غير أن هذا الدور الحيوي بدأ يُواجه (بحسب مراقبين) تحدّيات متزايدة منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد تدابير استثنائية في 25 يوليو/ تموز 2021، شملت تجميد البرلمان المُنتخَب، وإقالة الحكومة، وتولّي السلطة التنفيذية والتشريعية بشكل مباشر. وقد عدَّ بعضهم هذه التحوّلات السياسية انقلاباً على الديمقراطية، أدّى إلى انحسار الحريات العامّة، وتراجع استقلالية المؤسّسات، وتضييق على الفضاء المدني، بما في ذلك الإعلام والقضاء والجمعيات.
وفي هذا السياق، شرعت السلطات التونسية أخيراً في اتخاذ إجراءات مثيرة للجدل ضدّ منظّمات مجتمع مدني، إذ جرى تعليق أنشطة جمعيات بارزة، وفتح تحقيقات في مصادر تمويلها، واعتقال بعض الناشطين، وهو ما اعتبره مراقبون حملةً ممنهجةً لتقويض دور المجتمع المدني وتكميم الأصوات الناقدة. ومن الجمعيات التي طاولتها هذه الإجراءات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية النساء الديمقراطيات، وجمعية “منامتي” المناهضة للعنصرية، وجمعية صحافيي نواة، والمنظّمة الدولية لمناهضة التعذيب في تونس، وأصوات نساء، وغيرها. وفي هذا الخصوص، أعلنت الناشطة في المجتمع المدني لبنى السعيدي، في ندوة صحافية دعت إليها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وانعقدت بمقرّ النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، أنّ “أكثر من 600 جمعية في تونس يتم اليوم ضرب حقّها في العمل بأشكال مختلفة، من قبيل تعليق النشاط وتجميد الحسابات، والتضييق البنكي والمالي والملفّات المالية والعدلية والإيقافات، وسجن العاملين في عدد من الجمعيات والمنظّمات من دون محاكمتهم في ظلّ ملفّات فارغة بشهادة المتخصّصين والخبراء الذين عينتهم المحكمة”، على حدّ قولها. وأضافت أن “القرارات شملت 31 جمعية وطنية، و17 منظّمة دولية، و18 جمعية في مختلف الجهات والقطاعات سواء في المجال القانوني أو الإعلامي أو الجانب النسوي أو التنموي، وكذلك الجمعيات التي تهتم بالفئات الهشّة”، وسط اتهاماتٍ توجّه إليها بتلقّي تمويلات أجنبية “مشبوهة”. وهي اتهاماتٌ نفتها قيادات تلك الجمعيات بشدّة، واعتبرتها ذات خلفيات سياسية، وراجعة إلى نشاطها الحقوقي، وتوثيقها لانتهاكات السلطة، ومناصرتها لضحايا قضايا حساسة مثل الهجرة، والتمييز، والإفلات من العقاب، والفساد، والعنف ضدّ النساء.
واللافت أن هذه الإجراءات لم تقتصر على الجانب القانوني، بل رافقتها حملات إعلامية على بعض القنوات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، تتهم الجمعيات بأنها تعمل لصالح أجندات أجنبية، أو تسعى لزعزعة الأمن القومي، أو تخدم مصالح أطراف سياسية معارضة. هذه الحملات، التي غالباً ما تفتقر إلى الموضوعية والمهنية، ساهمت في تأليب الرأي العام ضدّ المجتمع المدني، وتقويض ثقة المواطنين في دوره، وهو ما يُعدّ مؤشّراً إلى تراجع ثقافة الحقوق والمساءلة، وانتشار خطاب شعبوي ميّال إلى شيطنة الفاعلين المدنيين.
المطلوب وقف التضييق على العمل الجمعوي واحترام حرية التنظيم والتعبير
في المقابل، عبّرت شخصيات حقوقية وسياسية عن رفضها هذه الإجراءات، مؤكّدة أن المجتمع المدني ضمانة لكينونة مجتمع حيٍّ وفاعل، وأن استهدافه يهدّد المُنجَز الحقوقي، ويُضعف الرقابة الشعبية على السلطة، فقد صرّح عميد المحامين بوبكر ثابت أن هذه القرارات تمثل تراجعاً خطيراً في حرية تكوين الجمعيات، وتنتهك التزامات تونس الدولية، خصوصاً تلك المتعلّقة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حقّ التنظيم والتعبير والمشاركة. كما نظّمت جمعيات مدنية عدّة وقفات احتجاجية، شارك فيها ناشطون من مختلف الأطياف، مطالبين بوقف التضييق على العمل الجمعوي واحترام حرية التنظيم والتعبير، مندّدين بما وصفوه بـ”الانحراف السلطوي” الذي يهدّد مكتسبات الثورة.
على الصعيد الدولي، أعربت منظّمات حقوقية، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، عن قلقها من تراجع الحريات في تونس، معتبرةً أن تعليق أنشطة الجمعيات يمثّل انتهاكاً واضحاً للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس، وأن هذه الإجراءات تهدّد دور المجتمع المدني في تعزيز ثقافة الحقوق والمساءلة. وفي سياق متّصل، دعا ثُمين الخيطان (المتحدّث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان) السلطات التونسية إلى تمكين المجتمع المدني من العمل بحرية، وضمان وجود تشريعات تُسهّل عمل المنظّمات غير الحكومية (بدلاً من تقييده بشكل غير مبرّر) وتنفيذها، وأنّ ذلك ضروري للحفاظ على مساحة مدنية مفتوحة وتعددية.
استهداف الجمعيات يفضي إلى تراجع المشاركة الشعبية، وتكريس الانغلاق السياسي
ويذهب ملاحظون إلى أنّ التضييق على المجتمع المدني لا يهدّد فقط الحقوق والحريات، بل ينعكس سلباً أيضاً على الواقع السياسي والاقتصادي، ويُضعف قدرة الدولة التونسية على التفاوض مع المانحين والتعاون مع شركائها عموماً، والاتحاد الأوروبي خصوصاً، الذين يشترطون في برامجهم التشاركية مع تونس دعم مكوّنات المجتمع المدني، وإشراكها في صناعة القرار.
ويرى مراقبون أن استهداف المجتمع المدني يأتي في إطار سعي السلطة إلى تسييج الفضاء العام، ومحاصرة الأصوات الناقدة بهدف فرض سردية واحدة حول مسار 25 يوليو (2021) ومُخرجاته. وتشكّل منظّمات المجتمع المدني، بطبيعتها الرقابية، تحدّياً لهذه السردية، خصوصاً أنها توثّق الانتهاكات، وتفضح التجاوزات، وتُطالب بالمحاسبة. كما أن التمويل الأجنبي، الذي تتلقاه بعض الجمعيات، يُستخدم ذريعةً للتضييق عليها، رغم أن أغلب هذه التمويلات تخضع لمراقبة قانونية ومحاسبية صارمة، وتُصرَف في إطار مشاريع تنموية وحقوقية واضحة. علاوة على ذلك، فإن دور الجمعيات في كشف الانتهاكات، خاصةً في ملفّات الهجرة، والاحتجاز التعسفي، والتمييز العنصري، يجعلها في مواجهة مباشرة مع السلطات، التي تُفضّل أحياناً التعتيم على هذه الملفّات، وتسعى إلى ترويج روايتها الرسمية بشأن هذه القضايا.
لا تقتصر التداعيات المحتملة لهذه الحملة على المجتمع المدني، بل تمتدّ لتشمل الفضاء العام، إذ يؤدّي استهداف الجمعيات إلى تراجع المشاركة الشعبية، وتكريس الانغلاق السياسي، وتغييب الرقابة، وتهميش المُستضعَفين الذين لا يجدون مَن يُوصل أصواتهم إلى أصحاب القرار في ظلّ تهميش الهياكل الوسيطة. ومعلوم أنّ عزوف الشباب عن العمل المدني، نتيجة الإحباط والخوف، يؤثّر سلباً في استدامة الحراك المدني في المستقبل، ويُضعف قدرة المجتمع على التجدّد والتفاعل. كما أنّ فقدان الثقة الدولية، نتيجة تواتر الانتهاكات، قد يؤدّي إلى تقليص الدعم المالي والفنّي لتونس بحسب مراقبين، ويُعرّض الاقتصاد الوطني لمزيد من الضغوط، خاصةً في ظلّ الأزمة المالية التي تعيشها البلاد.
فقدان الثقة الدولية قد يؤدّي إلى تقليص الدعم المالي والفنّي لتونس، ويُعرّض الاقتصاد لمزيد من الضغوط
رغم هذه التحدّيات، لا يزال المجتمع المدني في تونس يتمتّع بصلابة نسبية، ويواصل الدفاع عن فضائه العمومي، من خلال تنسيق الجهود، واللجوء إلى القضاء، وتفعيل التضامن المحلّي والدولي. وتُظهر هذه المقاربات، رغم محدوديتها، أن الفاعلين المدنيين يدركون دقّة المرحلة، ويُراهنون على وعي المواطنين، وعلى دعم الشركاء الدوليين، للحفاظ على فضاء مدني حرّ، تعدّدي، ومستقل. والواقع أنّ الدفاع عن المجتمع المدني ليس فقط دفاعاً عن الجمعيات، بل هو دفاع عن الحقّ في التنظّم، والمشاركة، والمساءلة، وهي أسس لا غنى عنها لأيّ نظام حكم رشيد.
من المهمّ تعزيز الشفافية بشأن أنشطة منظّمات المجتمع المدني ومصادر تمويلها، لكنّ شيطنة العمل الجمعوي، ومصادرة الحقّ في التنظّم، وتحويله ملفّاً قضائياً يبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج، ويُنذر بتقويض مكتسبات الثورة التي ضحّى من أجلها التونسيون. ويتطلّب الحفاظ على هذا الفضاء المدني وعياً جمعياً بأهمّية ثقافة التنوّع، وإرادة سياسية حقيقية، تُدرك أن المجتمع المدني ليس خصماً، بل شريك في البناء والإصلاح والتقدّم. فالديمقراطية لا تُبنى فقط عبر الانتخابات، بل عبر مؤسّسات قوية، ومجتمع مدني فاعل، وإعلام حرّ، وهي منظومة لا تكتمل إلا باحترام الحقوق، وضمان الحرّيات العامّة والخاصّة، وتكريس التعدّدية. وحيث تتراجع الحريات، وتُهمّش المؤسّسات، يُعاد تشكيل النظام السياسي على أساس شمولي، أحادي، لا يقبل النقد، والرقابة المدنية، وثقافة الاختلاف. واستمرار هذا التوجّه يؤدّي، بالتدريج، إلى إعادة إنتاج نماذج الحكم السلطوي التي ثار عليها التونسيون قبل أكثر من عقد، ويُفرّغ الديمقراطية من مضمونها، ويُحوّلها واجهةً شكليةً لا تعكس إرادة الشعب ولا تحترم حقوقه.
إنقاذ ما تبقّى من مكتسبات الثورة يمرّ حتماً عبر الدفاع عن المجتمع المدني، باعتباره الحصن الأخير للحرية، والضامن لاستمرار الحلم الديمقراطي، والرافعة الأساسية لأيّ مشروع إصلاحي حقيقي.
المصدر: العربي الجديد






